OAAHD

المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية في اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية الكلمات التي تسبق الرصاص… والكراهية التي تمهد الطريق للجرائم 18 يونيو 2026

المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية

في اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية

الكلمات التي تسبق الرصاص… والكراهية التي تمهد الطريق للجرائم

18 يونيو 2026

في الثامن عشر من يونيو من كل عام، يقف العالم أمام حقيقة أثبتتها التجارب الإنسانية المريرة عبر القرون: أن أعظم المآسي لا تبدأ عادة بإطلاق النار، ولا تُولد مع اندلاع الحروب، بل تبدأ غالباً بكلمات تبدو في ظاهرها عابرة، ثم تتحول تدريجياً إلى أفكار، وتصبح الأفكار مواقف، وتتحول المواقف إلى سياسات، لتنتهي إلى التمييز والإقصاء والاضطهاد والعنف والجرائم واسعة النطاق. ولهذا اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب القرار 75/309 الصادر في 21 يوليو 2021، الثامن عشر من يونيو يوماً دولياً لمكافحة خطاب الكراهية، إدراكاً منها أن حماية الإنسانية تبدأ بحماية اللغة التي يتخاطب بها البشر قبل أن تبدأ بحماية الحدود أو الجيوش أو المؤسسات.

إن خطاب الكراهية ليس ظاهرة جديدة في التاريخ الإنساني، بل هو أحد أقدم الأسلحة التي استخدمتها الجماعات الساعية إلى الهيمنة والإقصاء. فقبل أن تُرتكب المجازر كان لا بد أولاً من تجريد الضحايا من إنسانيتهم، وقبل أن تُبنى السجون كان لا بد من بناء صور ذهنية تجعل بعض البشر أقل قيمة من غيرهم، وقبل أن تُراق الدماء كان لا بد من نشر روايات تبرر العنف وتجعله مقبولاً أو حتى مطلوباً في نظر البعض.

لقد أثبتت التجربة الإنسانية أن الكراهية لا تنشأ تلقائياً، بل تُصنع وتُنظم وتُغذى. فهي تبدأ غالباً بخطاب يقوم على التخويف من الآخر، ثم يتطور إلى شيطنته، ثم إلى تحميله مسؤولية الأزمات والمشكلات، ثم إلى الدعوة لعزله أو إقصائه، قبل أن يصبح استهدافه أمراً مشروعاً في نظر من تم غسل وعيهم بالدعاية والتحريض. ولذلك فإن الأمم المتحدة تنظر إلى خطاب الكراهية باعتباره أحد أخطر التهديدات المعاصرة للسلم الاجتماعي والأمن الإنساني وحقوق الإنسان.

ويُقصد بخطاب الكراهية كل تعبير أو تواصل أو سلوك يستهدف الأفراد أو الجماعات بسبب هويتهم أو أصلهم أو عرقهم أو دينهم أو لونهم أو لغتهم أو جنسهم أو انتمائهم الاجتماعي أو الثقافي، ويقوم على الإهانة أو التحقير أو التحريض أو التمييز أو الدعوة إلى العداوة أو العنف ضدهم. ولا تكمن خطورته في الكلمات ذاتها فحسب، وإنما في البيئة التي يصنعها ويغذيها، إذ يحول الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى مبرر للعداء، ويحول التنوع الذي يفترض أن يكون مصدر قوة إلى أداة للصراع والانقسام.

لقد شهد العالم خلال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين شواهد دامغة على العلاقة المباشرة بين خطاب الكراهية والجرائم الجماعية. فالإبادة الجماعية لا تبدأ بالمقابر الجماعية، وإنما تبدأ بخطاب يجعل الضحية غريباً عن المجتمع، ويجرده من التعاطف الإنساني، ويصوّر وجوده على أنه تهديد ينبغي التخلص منه. ومن هنا لم يكن من قبيل المصادفة أن سبقت حملات التحريض الإعلامي كثيراً من الجرائم الكبرى التي هزت ضمير الإنسانية، لأن القتل الجماعي يحتاج أولاً إلى تهيئة الوعي الجماعي لقبوله أو الصمت عنه.

وفي عصر التكنولوجيا الرقمية تضاعفت خطورة هذه الظاهرة بصورة غير مسبوقة. فالكلمة التي كانت تحتاج في الماضي إلى سنوات حتى تنتشر، أصبحت اليوم قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق معدودة. وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءاتٍ يمكن أن تُستخدم لنشر المعرفة وتعزيز التقارب الإنساني، كما يمكن أن تُستخدم لتضخيم الأكاذيب والتحريض على الكراهية والانقسام. ولهذا لم تعد مكافحة خطاب الكراهية مسؤولية الحكومات وحدها، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تشمل المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية وشركات التكنولوجيا ومنظمات المجتمع المدني والأفراد أنفسهم.

لقد أدرك القانون الدولي هذه المخاطر مبكراً، فسعى إلى إيجاد توازن دقيق بين حماية حرية التعبير وحماية المجتمعات من التحريض على الكراهية والعنف. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يضمن حرية الرأي والتعبير باعتبارها من الركائز الأساسية للمجتمعات الديمقراطية، لكنه في الوقت نفسه يحظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف. كما ألزمت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الدول باتخاذ التدابير التشريعية والقضائية اللازمة لمواجهة الأفكار والممارسات القائمة على الكراهية والتفوق العنصري.

غير أن مواجهة خطاب الكراهية لا تتحقق بالقوانين وحدها. فالقانون يستطيع أن يعاقب المحرضين، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني ثقافة التسامح. ولذلك فإن المعركة الحقيقية تبدأ من التعليم، ومن ترسيخ قيم المواطنة المتساوية، ومن تعزيز ثقافة الاعتراف بالآخر واحترام التنوع، ومن معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل بعض المجتمعات أكثر قابلية للانقسام والاستقطاب.

وفي السودان، كما في العديد من مناطق النزاعات حول العالم، شكّل خطاب الكراهية أحد العوامل المركزية التي ساهمت في تعقيد الأزمات وإطالة أمد الصراعات. فقد استُخدمت الانتماءات العرقية والقبلية والجهوية والدينية مراراً كأدوات للتعبئة السياسية والعسكرية، وتحولت الاختلافات الطبيعية بين المكونات المجتمعية إلى وقود للصراع بدلاً من أن تكون أساساً للتنوع والإثراء الثقافي. وكانت النتيجة تآكل الثقة بين المجتمعات، واتساع دوائر العنف، وتراجع مفهوم المواطنة لصالح الهويات الضيقة والمتصارعة.

إن أخطر ما يفعله خطاب الكراهية أنه لا يقتل الضحايا وحدهم، بل يقتل الحقيقة أيضاً. فهو يبني جدراناً بين الناس، ويغلق أبواب الحوار، ويجعل الشائعات بديلاً للوقائع، والانتماء بديلاً للعدالة، والانتقام بديلاً للقانون. وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة تصبح أكثر عرضة للحروب والانقسامات والانهيار المؤسسي.

ولهذا فإن مكافحة خطاب الكراهية ليست قضية أخلاقية فحسب، وليست مجرد التزام قانوني تفرضه المواثيق الدولية، بل هي ضرورة وجودية لحماية المجتمعات من التفكك. فكل مشروع للسلام يبدأ من اللغة، وكل عدالة مستدامة تبدأ من الاعتراف المتساوي بكرامة البشر، وكل دولة مستقرة تُبنى على أساس المواطنة لا على أساس التفوق أو الإقصاء.

وفي هذا السياق تكتسب كلمات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أهمية خاصة عندما وصف خطاب الكراهية بأنه: «سمٌّ يهدد المجتمعات ويقوّض التماسك الاجتماعي والقيم المشتركة». كما تظل كلمات نيلسون مانديلا درساً إنسانياً خالداً حين قال: «إذا كان الناس قادرين على تعلم الكراهية، فإنهم قادرون أيضاً على تعلم المحبة». أما مارتن لوثر كينغ الابن فقد لخّص جوهر القضية بقوله: «الكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية، وحده الحب يفعل ذلك».

وفي اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية، تؤكد المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية أن الدفاع عن الكرامة الإنسانية يبدأ من رفض كل أشكال التحريض والعنصرية والتمييز، وأن بناء السلام الدائم يتطلب مواجهة الخطابات التي تزرع الخوف والانقسام بقدر ما يتطلب مواجهة الأسلحة التي تحصد الأرواح.

وفي عالم تتزايد فيه الانقسامات والاستقطابات، وتتعاظم فيه قدرة الكلمة على الوصول والتأثير، يصبح الدفاع عن قيم الاحترام المتبادل والتنوع والكرامة الإنسانية مسؤولية جماعية لا تقبل التأجيل. فالكلمات التي تبني الجسور بين البشر هي ذاتها التي تصنع السلام، أما الكلمات التي تزرع الكراهية فإنها لا تنتج سوى مزيد من الخوف والعنف والانقسام.

إن الإنسانية لا تُقاس بقدرتنا على التعايش مع من يشبهوننا، بل بقدرتنا على احترام من يختلفون عنا. ومن هنا فإن مستقبل المجتمعات الآمنة والعادلة يبدأ حين ننتصر لقيم الحقيقة والعدالة والاحترام المتبادل، وحين نؤمن بأن التنوع ليس تهديداً يجب القضاء عليه، بل ثروة إنسانية يجب حمايتها. للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en

التعليقات مغلقة.