OAAHD

المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية ‎بمناسبة اليوم الدولي لنيلسون مانديلا إرث مانديلا والدروس المستفادة للسودان: من مقاومة التمييز إلى بناء دولة المواطنة والعدالة ‎18 يوليو 2026

المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية

‎بمناسبة اليوم الدولي لنيلسون مانديلا
إرث مانديلا والدروس المستفادة للسودان: من مقاومة التمييز إلى بناء دولة المواطنة والعدالة
‎18 يوليو 2026

في الثامن عشر من يوليو من كل عام، يُذكّرنا اليوم الدولي لنيلسون مانديلا بأن الكرامة الإنسانية ليست هبةً تُمنح، بل حقٌ أصيل لا يخضع للمساواة أو التراتب، وأن العدالة ليست غايةً سياسية بل التزاماً وجودياً يسبق أي بنية دستورية. فما احتفى به العالم في مانديلا ليس انتصاراً لشخص، بل انتصاراً لفكرة أن الدولة لا تشرعن نفسها إلا بقدر ما تصون حقوق جميع من ينتمون إليها دون تمييز، وأن سيادة القانون لا تكتمل إلا حين تصبح المعايير الدولية لحقوق الإنسان هي البوصلة التي تُقيّم بها المؤسسات أداءها، لا مجرد نصوص ترفع في المحافل.

لقد مثّل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا النقيض الأوضح لهذه الرؤية، إذ أقام تمييزاً مؤسسياً جعل الحقوق رهناً بالانتماء العرقي، وكرّس إقصاءً منهجياً طال الحقوق المدنية والسياسية، وامتد إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فحول المواطنة إلى امتياز وراثي لا إلى عقد اجتماعي عادل. غير أن نضال مانديلا لم يكن مجرد مقاومة لقوانين جائرة، بل كان مشروعاً لإعادة تعريف الدولة ذاتها، بحيث تتجاوز كونها أداة هيمنة لتصبح إطاراً لحماية الحقوق المتساوية، حيث يكون الإنسان، أيّاً كان أصله أو معتقده، هو محور الوجود القانوني والسياسي. وهذا ما عبّر عنه بوضوح حين آثر المصالحة على الانتقام، وأصر على أن العدالة التصحيحية لا تعني محاكمة الماضي فقط، بل إعادة بناء مؤسسات قادرة على ضمان عدم تكراره، وهو ما ترجم عملياً في آليات العدالة الانتقالية التي جمعت بين كشف الحقيقة، والاعتراف بالضحايا، والإصلاح المؤسسي، دون أن تتحول إلى عقاب جماعي أو إقصاء معكوس.

إذا انتقلنا إلى السودان، فإننا أمام حالة تعكس، بدرجات متفاوتة، إشكالية التمييز الهيكلي في سياق مغاير، حيث تداخلت العوامل التاريخية والجغرافية والسياسية لتنتج أنماطاً من الإقصاء لا تقل تعقيداً عن تلك التي واجهها مانديلا، وإن اختلفت أشكالها القانونية. فقد عانى السودان لعقود من سياسات مركزية أعادت إنتاج توزيع غير عادل للسلطة والثروة، وميزت بين مناطق ومواطنين على أسس عرقية وجهوية ودينية، ما أدى إلى حرمان جماعات بأكملها من حقها في المشاركة السياسية، وفي التنمية المتكافئة، وفي الوصول إلى مؤسسات الدولة، بل وفي الاعتراف بهويتها الثقافية كلغات وطنية يستحقها التعليم والإعلام. وهذه الممارسات، وإن لم تكن دائماً مدونة في نصوص قانونية صريحة، فقد تجسدت في الخطاب السياسي والإعلامي الذي صوّر بعض المواطنين كأقل ولاءً أو أهلية، وفي توزيع الميزانيات الذي أهمل أقاليم بأكملها، وفي تعيينات الجهاز الإداري والقضائي التي أقصت كفاءات لمجرد انتمائها الجهوي، لتتحول بذلك التمييز إلى بنية يومية يعيشها الناس في مدارسهم ومستشفياتهم وساحاتهم.

أما الحروب التي عصفت بالسودان، بدءاً من الجنوب إلى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، فلم تكن مجرد نزاعات مسلحة عرضية، بل كانت انعكاساً مأساوياً لفشل الدولة في أن تكون حامية للحقوق، ولتراكم انتهاكات جسيمة طالت الحق في الحياة، والحرية، والأمن، بل والحق في الوجود الجماعي الآمن، مما وضع السودان في خانة الدول التي تحتاج إلى مراجعة جذرية لعقدها الاجتماعي، لا إلى إصلاحات جزئية تكتفي بإسكات البنادق دون معالجة الجذور العميقة للإقصاء. ومن هنا، فإن الدروس المستقاة من تجربة مانديلا في جنوب أفريقيا تكتسب إلحاحاً خاصاً للسودان، ليس لأنها قابلة للنسخ، بل لأنها تقدّم نموذجاً في كيفية التعامل مع الماضي دون أن يكون أسيراً له، وكيف يمكن للمصالحة أن تكون عملية قانونية وسياسية واجتماعية في آن واحد، تقوم على أسس واضحة: أولها، الاعتراف الرسمي بالانتهاكات التي ارتكبت ضد مجموعات بعينها، والاعتذار عنها كخطوة أولى لإعادة الثقة. وثانيها، إنشاء آليات قضائية وغير قضائية لمحاسبة الجناة، مع ضمان حقوق الضحايا في المعرفة والتعويض والضمانات بعدم التكرار، وفق معايير القانون الدولي. وثالثها، إصلاح دستوري وقانوني يضمن المساواة الفعلية أمام القانون، ويلغي كل أشكال التمييز الصريح أو الضمني في التشريعات المتعلقة بالجنسية، والأحوال الشخصية، والانتخابات، وتوزيع الثروة.

غير أن التحول الحقيقي لا يتوقف عند النصوص، بل يمتد إلى ثقافة المؤسسات وقدرتها على حماية الحقوق، وهنا يبرز دور التعليم والتدريب الحقوقي كركيزة أساسية لمكافحة خطاب الكراهية الذي يُعدّ البيئة الخصبة للتمييز، لأنه يبدأ بتجريد الآخر من إنسانيته تدريجياً عبر الصور النمطية، ثم يتحول إلى ممارسات إقصائية، ثم إلى عنف منهجي. ولذلك، فإن أي استراتيجية لمكافحة التمييز في السودان يجب أن تشمل مراجعة المناهج التعليمية، وتطوير آليات رقابة الإعلام، وتفعيل دور هيئات حقوق الإنسان المستقلة، إلى جانب إشراك المجتمع المدني والأهلي في تصميم وتنفيذ سياسات العدالة الانتقالية، لأن الضحايا هم الخبراء الحقيقيون في طبيعة المعاناة، ولا يمكن بناء سلام عادل دون مشاركتهم الفاعلة.

انطلاقاً من ذلك، تدعو المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية جميع القوى السياسية والنقابية والأكاديمية والدينية في السودان إلى الانخراط في حوار وطني يجعل حقوق الإنسان، لا التوازنات الضيقة، هي محور أي تسوية، وأن يتجاوز المفاوضات التقليدية حول تقاسم المناصب إلى نقاش بنيوي حول كيفية إعادة توزيع السلطة والثروة بما يضمن المشاركة المتساوية لجميع الأقاليم والفئات، ومعالجة المظالم التاريخية عبر آليات شفافة وعادلة. كما تطالب المجتمع الدولي، خصوصاً الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، بأن تضع حقوق الإنسان كشرط أساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي، لا كعنوان ثانوي، وأن ترافق ذلك بضمانات رقابية فعالة تمنع تكرار الانتهاكات، وتدعم إنشاء محكمة وطنية خاصة أو آلية مختلطة لمحاسبة مرتكبي الجرائم الدولية في الصراعات المختلفة، بما يتوافق مع التزامات السودان الدولية بموجب الصكوك التي صادق عليها. للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en

التعليقات مغلقة.