OAAHD
الغارات الجوية المصرية

جبل العيقاد.. (العقيدات) كيف تكذب الجغرافيا الرواية المصرية؟

خلال الأيام الماضية تابعتُ باهتمام الأخبار المتداولة بشأن الغارات الجوية المصرية التي استهدفت معدنين سودانيين داخل الأراضي السودانية، ولاحظت حجم الجدل الدائر حول الموقع الحقيقي للهجوم. فقد تمحورت الرواية المصرية، التي روجت لها العديد من الصفحات ووسائل الإعلام المصرية، حول أن الضربات نُفذت داخل الأراضي المصرية، وهي رواية تبناها وروّج لها أيضاً بعض الشخصيات السودانية. وقد آثرت التريث وعدم التعليق منذ وقوع الحادثة لسببين: الأول، إتاحة الوقت لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتحقق من تفاصيل ما جرى على الأرض، والثاني، انتظار الرواية المصرية والاستماع إلى مبرراتها قبل تكوين موقف يستند إلى الوقائع لا إلى الانفعالات.

في البدء اود التوضيح بأنني لا أكتب عن هذا الموضوع وهذه المنطقة من خلف شاشة، ولا بالاعتماد على الخرائط أو الصور الجوية أو الروايات المتداولة، بل من واقع معرفة ميدانية مباشرة. فقد أمضيت أكثر من أربع سنوات أعمل وسط جبالها وأوديتها، متنقلاً بين تضاريسها الوعرة، من وادي الحمار وجبل دردورة ووادي أورشاب إلى نوراي، ومن جبل تمساح إلى جبال النمر والأنصاري وأوني، ووادي العلاقي، وصولاً إلى جبل العقيدات أو العيقاد.

أعرف هذه الأرض خطوة بخطوة، وأعرف أهلها ومواقعها وحدودها ومساراتها، ولذلك فإن ما سأعرضه هنا يستند إلى خبرة ميدانية، لا إلى تخمين أو روايات متناقلة.

بعد أيام من العدوان، جاءت الرواية المصرية كما توقعت تماما، إذ تزعم أن الضربات نُفذت داخل الحدود المصرية، أي إلى شمال خط عرض 22. غير أن هذا الادعاء لا يتوافق مع المعطيات المتوفرة، سواء من حيث الموقع الجغرافي أو من خلال المعلومات التي يمكن التحقق منها.

ولفهم هذه القضية، لا بد من معرفة طبيعة المنطقة نفسها. فجبل العقيدات هو جزء من حزام التعدين التقليدي الذي يرتبط بسوق الأنصاري عبر طريق صحراوي يمتد لنحو 200 كيلومتر، وهو الطريق الذي يسلكه المعدنون وسيارات الدفع الرباعي بين مناطق التعدين ومراكز الإمداد والإسعاف. وتشير المعطيات الميدانية والإحداثيات إلى أن موقع جبل العقيدات يقع عند نحو (21.82° شمالاً، 34.11° شرقا)، أي جنوب خط عرض 22 بحوالي 20 كيلومتراً، وهو ما يتعارض مع الرواية المصرية التي زعمت أن الضربة نُفذت داخل الأراضي المصرية.

ولكي يدرك القارئ طبيعة هذه المنطقة، ينبغي أن يعلم أن الوصول إلى جبل العقيدات ليس بالأمر اليسير، بل يتطلب رحلة شاقة عبر طرق صحراوية وعرة تشق الأودية وتتخلل السلاسل الجبلية. ويمكن الوصول إليها عبر مسارين رئيسيين: الأول ينطلق من مدينة العبيدية باتجاه الشمال الشرقي إلى سوق نوراي، والثاني من مدينة أبو حمد شرقًا إلى سوق نوراي أو شمالا إلى وادي العلاقي، وسوق نوراي أحد أكبر أسواق التعدين في محلية جبيت المعادن بولاية البحر الأحمر، وهي رحلة تستغرق ما بين أربع وخمس ساعات، تبعًا لنوع المركبة وحالة الطريق.

ومن سوق نوراي يواصل المسافر طريقه عبر وادي أورشاب وجبل تمساح، ثم يخترق ممرًا جبليًا ضيقًا يمتد شمالًا حتى سوق جبال النمر، قبل أن يصل إلى سوق الأنصاري، في رحلة تستغرق نحو أربع إلى خمسة ساعات أخرى. ومن هناك تتفرع المسارات إلى مواقع تعدين مختلفة، ومنها جبل العقيدات، الذي يقع في اتجاه الغرب من سوق الأنصاري ولهذه المنطقة الجبلية الوعرة، بعيدًا عن الطرق المعبدة والمراكز الحضرية.

وهنا تبرز نقطة بالغة الأهمية. فالرواية المصرية تشير إلى أن الاستهداف وقع داخل مثلث حلايب، بينما المعلومات الميدانية تؤكد أن جبل العقيدات يقع خارج حدود المثلث. ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن إثبات وقوع الحادثة داخل حلايب أو خارجها لا يحسم، في حد ذاته، مسألة السيادة على المنطقة، ولا يعني بأي حال التسليم بالرواية المصرية أو الإقرار بأن حلايب أرض مصرية. فهذه قضية قانونية وسيادية مستقلة، ولا يجوز الخلط بينها وبين تحديد الموقع الجغرافي للحادثة.

لتحديد موقع سوق الأنصاري وجبل العقيدات على خرائط قوقل بدقة، يجب فهم الطبيعة الجغرافية لهذه المناطق؛ فهي ليست مدناً سكنية رئيسية، إنما هي نقاط تجمع صحراوية وعرة ومناطق تعدين مفتوحة في عمق الصحراء الشرقية.

التفاصيل الجغرافية والإحداثيات التي يمكن استخدامها للبحث في خرائط قوقل:

1. سوق الأنصاري للتعدين (Al-Ansari Market)

الوصف الجغرافي: يُصنف سوق الأنصاري في أدبيات الحدود على أنه “نقطة تبادل حدودية” (Swapping point) داخل العمق السوداني ومركز تجمع رئيسي للمعدنين وسيارات الدفع الرباعي المتجهة إلى الحدود المشتركة.

الموقع الإداري: يتبع إدارياً لـ محلية أبو حمد في ولاية نهر النيل بالسودان (وأحياناً يتداخل المسار مع جبيت المعادن بولاية البحر الأحمر).

الإحداثيات الجغرافية:
21°44’51.2″N 35°02’20.5″E

كيفية العثور عليه: لا يظهر السوق دائماً كاسم تجاري واضح، ولكن عند البحث عن “أبو حمد، السودان”، يقع السوق في الصحراء الممتدة شمال شرق المدينة بنحو 150 إلى 200 كيلومتر باتجاه وادي العلاقي والحدود المصرية.

2. جبل العقيدات / منجم شمال الوادي (Jabal al-Uqaydat)

الوصف الجغرافي: منطقة جبلية غنية بعروق الذهب تُعرف محلياً أيضاً بمنجم “العامود” أو “شمال الوادي”، وتضم آلاف المعدنين التقليديين. ويقع جغرافياً إلى الغرب من “الجبل الأحمر” و”الجبل الأبيض”.

الإحداثيات الجغرافية الموثقة بالرصد:
تضع المنجم عند الإحداثيات الميدانية (21.82° شمالًا، 34.11° شرقًا). إذا قمت بنسخ هذه الأرقام ووضعها في محرك بحث خرائط قوقل، ستجد أن النقطة تقع جغرافياً جنوب خط عرض 22 شمالاً بنحو 20 كيلومتراً (أي داخل العمق السوداني إدارياً).

المسافة والربط بين الموقعين
يرتبط جبل العقيدات (موقع القصف) بسوق الأنصاري عبر طريق بري صحراوي أهلي وعر جداً يمتد لحوالي 200 كيلومتر. وعبر هذا الطريق الوعر، استخدمت شاحنات وسيارات “الدهّابة” لنقل المصابين والفارين من جحيم الغارات الجوية إلى سوق الأنصاري لتلقي الإسعافات قبل نقلهم لمدينتي أبو حمد وعطبرة.

بعد استعراض الوقائع، والجغرافيا، ومسارات الوصول، والإحداثيات، وما أعرفه شخصياً من واقع سنوات قضيتها في هذه المنطقة، لا أجد ما يدعم الرواية المصرية التي تزعم أن الاستهداف وقع داخل الأراضي المصرية أو داخل مثلث حلايب. بل إن المعطيات الميدانية التي عرضتها تشير إلى أن الضربة استهدفت منطقة جبل العقيدات الواقعة جنوب خط عرض 22، أي داخل الأراضي السودانية، وأن ضحاياها كانوا معدنين سودانيين يعملون في أرض سودانية.

ولهذا، فإن محاولة تصوير ما جرى باعتباره عملية أمنية داخل الحدود المصرية لا تصمد أمام الفحص الجغرافي والميداني. كما أن ترديد هذه الرواية من بعض الأصوات السودانية، من دون تمحيص أو مراجعة للوقائع، لا يغير من الحقائق شيئا، بل يسهم في تبرير الاعتداء على السيادة السودانية والتنصل من حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة.

إن الأمر يتعلق بأرواح سودانيين قُتلوا داخل أرض سودانية، وبحق السودان في حماية سيادته ومواطنيه. وأقل ما تستحقه هذه الحادثة هو تحقيق مستقل وشفاف يكشف كل ملابساتها، ويحدد المسؤولية عنها، بعيداً عن الروايات السياسية ومحاولات طمس الحقائق أو إعادة رسم الجغرافيا بما يخدم مواقف مسبقة.

 

بقلم :محمد الهادي

التعليقات مغلقة.