المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية تعامل السودان مع المحكمة الجنائية الدولية وقضية محاكمة علي كوشيب واستمرار إفلات الجناة من العدالة
المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية
تعامل السودان مع المحكمة الجنائية الدولية وقضية محاكمة علي كوشيب واستمرار إفلات الجناة من العدالة
لا يحتاج سجل الجرائم في السودان إلى مقدمات بروتوكولية بقدر ما يحتاج إلى قول الحقيقة بصوتٍ عالٍ: فالمأساة التي بدأت في دارفور قبل أكثر من عشرين عامًا لم تكن مجرد سلسلة من الانتهاكات، بل كانت مشروعًا منظمًا للدولة العميقة، صُمّم بعناية، وأُدير بدم بارد، وتولى تنفيذه جهاز سياسي–أمني اعتاد التمويه والإفلات من العقاب. وبينما يواصل الضحايا حمل ذاكرة الجراح وحدهم، تختبئ القيادات المسؤولة خلف مؤسسات رسمية تُظهر التعاون وتُمارس العرقلة، وتطلق تصريحات عن العدالة بينما تعمل على تحصين المطلوبين، وإخفاء الأدلة، وتفريغ التحقيقات الدولية من معناها.
إنّ قضية دارفور لم تعد مجرد ملف قانوني؛ إنها اختبار لقدرة المجتمع الدولي على تفكيك منظومة الجريمة التي تتجدد باستمرار وتعيد إنتاج أدواتها ورموزها. وفي قلب هذا الاختبار تقف المحكمة الجنائية الدولية، عالقة بين مسارين: مسار يتطلب شجاعة مواجهة العقل المدبر، ومسار آخر يكرر أخطاء الماضي بالاكتفاء بملاحقة منفذين ثانويين، وترك البنية الأساسية للجرائم دون مساءلة. وهذا المسار الأخير هو الذي سمح للنظام الإسلامي السابق بالتمدد ثلاثين عامًا، وسمح للمسؤولين عن الجرائم الجماعية بالاستمرار في الحياة السياسية والأمنية دون محاسبة.
إن هذا البيان يأتي ليضع الأمور في نصابها، بلا تجميل أو مواربة: فالتعامل الرسمي في السودان مع العدالة الدولية تحكمه نفس الأدوات التي صيغت بها منظومة العنف. والنهج الذي يتبعه مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية تجاه قضايا السودان، رغم محاكمة علي كوشيب، لا يزال غير قادر على الوصول إلى قلب الشبكات التي خططت ومولت وأدارت الجرائم. واستمرار هذا النهج يعني ببساطة إعادة إنتاج دائرة الإفلات القديمة بثوب جديد، ما لم يتم اعتماد مقاربة أشمل وأعمق وأكثر مباشرة.
⸻
تتابع المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية بقلق بالغ مسار تعامل السلطات في السودان مع المحكمة الجنائية الدولية، خصوصًا فيما يتعلق بالجرائم الجسيمة المرتكبة في دارفور منذ عام 2003. وبرغم مرور نحو عقدين على صدور مذكرات التوقيف الأولى، لا يزال المسار العدلي يعاني من إخفاقات بنيوية عميقة أسهمت في تمديد حالة الإفلات من العقاب وتكريس واقع يعيق العدالة الدولية بصورة خطيرة.
إن محاكمة علي محمد عبد الرحمن (علي كوشيب) أمام المحكمة الجنائية الدولية تمثل خطوة مهمة في مسار المساءلة، لكنها تظل خطوة ناقصة ما دامت لا تُستكمل بإجراءات حقيقية تطال القيادات السياسية والعسكرية والمدنية التي تولت التخطيط وإدارة وتنسيق حملات العنف الواسع. فكوشيب لم يكن سوى أحد منفذي منظومة أوسع؛ منظومة شارك فيها فاعلون من الصفين الأول والثاني داخل النظام الإسلامي السابق الذين أشرفوا على تكوين المليشيات، وضع الخطط الأمنية، وإصدار التعليمات العملياتية. ومع ذلك، ما تزال هذه القيادات بمنأى عن المحاسبة، بين مختفين تحت حماية مراكز النفوذ العسكري، أو محميين بتقاعس سلطات الخرطوم عن التعاون الجدي مع المحكمة الجنائية الدولية.
ويُلاحظ أن تعامل الحكومة القائمة في بورتسودان مع المحكمة يتسم بالتناقض والمراوغة؛ فبينما تتحدث رسميًا عن الالتزام بالمحاسبة، تمارس على الأرض نقيض ذلك تمامًا. فقد امتنعت عن تسليم المطلوبين الصادرة بحقهم مذكرات توقيف منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وعرقلت بشكل ممنهج وصول فرق التحقيق الدولية، سواء التابعة للمحكمة الجنائية الدولية أو للجنة الدولية لتقصي الحقائق. كما سعت إلى تعطيل التفويض الدولي من خلال المطالبة بإلغاء صلاحيات المحكمة في قضية دارفور وعدم الاعتراف بولايتها، بالتوازي مع توفير بيئة ملائمة لاختفاء المتهمين أو دمج بعضهم في أجهزة الدولة والقوات النظامية، وهي ممارسات تشكل انتهاكًا صريحًا لالتزامات السودان الدولية وتسهم في توسيع دائرة الإفلات من العقاب.
وفي المقابل، لا يزال مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية يعاني من قصور منهجي واضح في معالجة قضايا السودان. فقد اعتمد لسنوات على معلومات غير مكتملة وبيّنات سماعية، وأعدّ ملفات جزئية لم تصل إلى صُلب الشبكات التي وقفت وراء الجرائم الجماعية. وأدى هذا النهج المحدود إلى ملاحقة منفذين ميدانيين دون الاقتراب من مراكز التخطيط والتمويل والتحريض داخل أجهزة الدولة والحزب الحاكم سابقًا. كما أدى إلى إهمال تتبّع المسارات المالية والسياسية التي أسهمت في تكوين المليشيات وتنفيذ العمليات واسعة النطاق، مما فتح المجال أمام ثغرات قانونية يستغلها الجناة لإبطال الإجراءات أو التخفيف من مسؤولياتهم، وهو ما يعيد إنتاج سيناريو الإفلات من العقاب الذي استمر لعقود.
وتحذّر المنظمة من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى نتائج كارثية، خاصة أن الجناة المعنيين يتمتعون بخبرة طويلة في إخفاء الأدلة والتمويه والتهرب من المساءلة، وهو ما يُحتّم على الادعاء تبني مقاربة تحقيق شاملة ومباشرة، تتجاوز ملفات الأشخاص السهلة والمتاحة، وتخوض في البنية الكاملة للجرائم. ويشمل ذلك توسيع نطاق التحقيق ليطال الفاعلين السياسيين والأمنيين والاقتصاديين والإعلاميين الذين شكلوا العمود الفقري لمنظومة الجرائم، مع تعزيز الحضور الميداني لفرق التحقيق في مناطق النزوح واللجوء ومناطق سيطرة قوات الدعم السريع، حيث توجد الأدلة الرئيسية وشهادات الناجين. كما يتطلب الأمر تعاونًا وثيقًا مع المنظمات المدنية المحايدة التي تحتفظ بكمّ كبير من الأدلة التي لم تُجمع بعد.
وفي ظل إصرار الحكومة في بورتسودان على منع الوصول إلى الشهود والأدلة وحظر دخول بعثات التحقيق الدولية، يصبح من الضروري على المجتمع الدولي اعتماد آليات بديلة لضمان إدارة تحقيق فعال، بما في ذلك دعم التحقيقات العابرة للحدود وعبر الدول المجاورة، ومنح لجان التحقيق الدولية حرية كاملة في الحركة والوصول.
وتدعو المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية إلى موقف دولي موحد يعيد ملف العدالة في دارفور إلى صدارة الأولويات، ويضمن عدم إفلات أي من الجناة—سواء من العسكريين أو المدنيين—من المساءلة، ولا سيما أولئك الذين خططوا وموّلوا ووجّهوا الجرائم. كما تشدد المنظمة على ضرورة إعادة تفعيل آليات الضغط الدولي على حكومة بورتسودان لضمان تعاونها الكامل مع المحكمة، واعتماد استراتيجية تحقيق موسعة تشمل الجرائم القديمة والجديدة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التخطيط أو التنفيذ أو التحريض أو التستر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
إن العدالة في السودان لن تتحقق بمحاكمة متهم واحد أو عبر إجراءات مجتزأة تُلامس أطراف المشكلة دون جوهرها؛ بل ستتحقق فقط من خلال معالجة شاملة تفكك البنية الكاملة لمنظومة الجريمة وتعيد للضحايا حقهم في الحقيقة والإنصاف والجبر. وتؤكد المنظمة أنها ستواصل مراقبة هذا الملف عن كثب، وتقديم التحليلات والدعم الفني اللازمين لمنع تكرار الأخطاء التي سمحت للمجرمين بالإفلات سابقًا، إلى أن تتحقق العدالة الشاملة لجميع ضحايا السودان.
للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en
التعليقات مغلقة.