OAAHD

توثيق الهجمات الجوية على سرف عمرة، مع الإسناد بحالتي لقاوة ومستشفى الضعين التعليمي 25 مارس 2026

المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية
الحرب على شروط الحياة: نمط ممنهج من الاستهداف الجوي للبقاء المدني في دارفور وكردفان
توثيق الهجمات الجوية على سرف عمرة، مع الإسناد بحالتي لقاوة ومستشفى الضعين التعليمي
25 مارس 2026
لم تعد الحرب في السودان تُدار حصراً عبر الاشتباك العسكري المباشر، بل أخذت، على نحو متزايد، شكل حرب تُشن على شروط الحياة ذاتها. فالمستشفيات، والأسواق، ومصادر الوقود، لم تعد مجرد مرافق خدمية أو أعيان مادية، بل غدت جزءاً من البنية المدنية التي تُبقي المجتمع قائماً وتمنحه الحد الأدنى من القدرة على الصمود والاستمرار. وهذا التحول لا يعكس انفلاتاً ميدانياً عابراً، بقدر ما يكشف عن منطق قتال يقوم على استخدام القوة الجوية لتفكيك البيئة التي يعيش فيها المدنيون، وتحويل البقاء إلى معركة يومية ضد الجوع، والمرض، والعجز، والخوف.
تتابع المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية تصاعد الهجمات الجوية التي ينفذها سلاح الطيران التابع للجيش السوداني على الأعيان المدنية في دارفور وكردفان، وترى أن ما جرى في سرف عمرة لا يمكن التعامل معه بوصفه واقعة منفصلة أو حادثاً معزولاً، بل ينبغي فهمه ضمن نمط أوسع من الهجمات التي تطال وسائل البقاء المدني ومقومات الاستمرار المجتمعي. وفي هذا السياق، يوثق هذا التقرير استهداف موقع لتوزيع الوقود في سرف عمرة بوصفه حالة مركزية كاشفة لطبيعة هذا النمط، مع الاستناد إلى حالتي لقاوة ومستشفى الضعين التعليمي باعتبارهما واقعتين داعمتين تُسهمان في إظهار الاتساع الزمني والوظيفي لهذا الاستهداف وتؤكدان طابعه المتكرر.
ففي 25 مارس 2026، تعرض موقع لتوزيع الوقود في منطقة سرف عمرة بولاية غرب دارفور لقصف جوي مباشر. ولا يمكن النظر إلى هذا الموقع باعتباره مجرد منشأة اقتصادية أو نقطة تخزين تجارية، لأن الوقود في بيئات الحرب والانهيار الإنساني لا يُعد سلعة اعتيادية، بل يمثل عنصراً حيوياً لاستمرار الحياة اليومية. فبه تتحرك وسائل النقل، وتُنقل المواد الغذائية والإغاثية، ويصل المرضى والجرحى إلى المرافق الصحية، وتستمر حركة الخدمات والتموين والتواصل بين المجتمعات المحلية. ومن ثم، فإن استهدافه لا يقتصر أثره على تدمير موقع بعينه، بل يفضي عملياً إلى شلل مدني واسع النطاق يضرب القدرة على الحركة، ويقيد الوصول إلى العلاج، ويُعطل سلاسل الإمداد، ويرفع كلفة البقاء في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة شديدة.
ولا تكمن خطورة هذا النوع من الهجمات في الخسارة المادية المباشرة وحدها، بل في أثره البنيوي العميق على المجتمع المحلي. فالوقود في مناطق النزاع ليس مجرد مادة تشغيل، بل شرط من شروط استمرار الحياة. واستهدافه في هذا السياق لا يُفهم بوصفه تدميراً لمورد اقتصادي فحسب، بل باعتباره ضربة مباشرة لقدرة المجتمع على الاستمرار والتنقل والنجاة. وبهذا المعنى، فإن ما وقع في سرف عمرة ينهض كمؤشر بالغ الخطورة على استخدام القوة الجوية ليس فقط لإحداث خسائر آنية، بل لإنتاج حالة من الاختناق المدني المنظم يتجاوز أثرها لحظة القصف ذاتها ليصيب المجال الإنساني والمعيشي المحيط بأكمله.
وتزداد دلالة ما جرى في سرف عمرة خطورة حين يُقرأ في سياق سلسلة من الهجمات الجوية المتقاربة زمنياً والمتشابهة في طبيعة الأهداف وآثارها. ففي 23 مارس 2026، استُهدف السوق الأسبوعي في مدينة لقاوة بولاية غرب كردفان في توقيت ذروة التجمع المدني، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، وإصابة آخرين. والسوق في بيئات النزاع لا يمثل مجرد مساحة للتبادل التجاري، بل هو مؤسسة بقاء مجتمعي: نقطة لتأمين الغذاء، ومصدر للدخل اليومي، ومجال لتبادل السلع الأساسية، ووسيلة للحفاظ على الحد الأدنى من انتظام الحياة الاجتماعية والاقتصادية. ولذلك، فإن استهدافه في وقت معلوم الكثافة البشرية يثير شبهة جدية للغاية بشأن العلم المسبق بالطبيعة المدنية للموقع وبالنتائج المتوقعة للهجوم.
إن ضرب السوق لا يقتل الموجودين فيه فقط، بل يوجه ضربة إلى النسيج الاقتصادي والغذائي الذي تعتمد عليه المجتمعات المحلية في مواجهة آثار الحرب. وهو ما يجعل واقعة لقاوة حالة داعمة بقوة لفهم ما جرى في سرف عمرة ضمن سياق تجفيف شروط البقاء، لا مجرد إيقاع خسائر بشرية آنية. فحين يُستهدف الغذاء والدخل في لقاوة، ثم تُستهدف الطاقة والحركة في سرف عمرة، فإننا نكون أمام نمط لا يضرب الأفراد فحسب، بل يضرب الوظائف الأساسية التي تسمح للمجتمع بأن يبقى متماسكاً وقادراً على الاستمرار.
وفي 20 مارس 2026، تعرض مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور لقصف جوي أدى إلى أضرار جسيمة وسقوط ضحايا، وحرمان أعداد كبيرة من السكان من خدمات علاجية وإحالية أساسية. ورغم أن المنظمة سبق أن أفردت لهذه الواقعة تقريراً مستقلاً بالنظر إلى خطورتها وطبيعة الحماية الخاصة التي تتمتع بها المنشآت الطبية، فإن الإشارة إليها هنا تظل ضرورية لأنها تمثل حلقة إضافية في النمط ذاته. فالمستشفى ليس مجرد مبنى، بل شبكة نجاة متكاملة. واستهدافه لا يقف أثره عند من كانوا داخله أو حوله وقت الضربة، بل يمتد إلى كل من سيُحرم لاحقاً من العلاج، أو العمليات الجراحية، أو خدمات الطوارئ، أو الإحالة، ولا سيما النساء الحوامل، والأطفال، والمرضى في الحالات الحرجة.
وعند قراءة هذه الوقائع مجتمعة، يتضح أن الأمر لا يتعلق بحوادث منفصلة أو أخطاء معزولة، بل بمنهج متكرر يطال العناصر التي تقوم عليها استمرارية الحياة المدنية. فالوقود في سرف عمرة، والسوق في لقاوة، والمستشفى في الضعين، تمثل جميعها حلقات أساسية في البنية التي تحمي المجتمع من الانهيار الكامل. وعندما تُستهدف هذه الحلقات في فترة زمنية متقاربة، فإن ذلك ينهض قرينة قوية على أن ما يجري ليس مجرد استخدام عشوائي للقوة، بل نمط منظم من الاستهداف يطال البيئة المدنية اللازمة لبقاء السكان.
وفي ضوء القانون الدولي الإنساني، تثير هذه الوقائع أدلة جدية ومرتفعة بارتكاب جرائم حرب. فاستهداف موقع وقود ذي طبيعة مدنية، وسوق مدني، ومرفق صحي محمي، يمثل – من حيث الأصل – انتهاكاً خطيراً لمبدأ التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. كما تثير هذه الهجمات، بالنظر إلى طبيعة الأهداف وآثارها المتوقعة، شبهة انتهاك مبدأ التناسب، لا سيما عندما تكون الخسائر المدنية والأضرار اللاحقة بالبنية الأساسية للحياة المدنية واسعة وواضحة إلى حد لا يمكن تبريره.
وتحظى المستشفيات والوحدات الطبية بحماية خاصة بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، كما يجرّم نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تعمد توجيه الهجمات ضد المستشفيات، وضد الأعيان المدنية، وكذلك شن الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة. غير أن الخطورة القانونية في هذه الوقائع لا تكمن فقط في كل حادثة على حدة، بل في ترابطها الزمني والوظيفي. فحين تُستهدف في فترة قصيرة عناصر تتصل مباشرة بالصحة، والغذاء، والطاقة، والحركة، فإن التقييم القانوني لا ينبغي أن يقف عند حدود “الضربة الواحدة”، بل يجب أن يمتد إلى ما إذا كان ثمة نمط عملياتي أو عقابي يرقى إلى استهداف البيئة المدنية اللازمة لبقاء السكان.
وترى المنظمة أن هذا النمط لا ينفصل عن نهج عقابي يستهدف المناطق الخارجة عن سيطرة سلطة بورتسودان، عبر تحويل المدنيين إلى وسيلة ضغط في صراع لا يملكون فيه قراراً. فاستهداف الوقود، والأسواق، والمستشفيات، لا يشي فقط باستخدام غير مشروع للقوة، بل يدل على منهج إنهاك منظم للمجال المدني يُراد منه جعل الحياة اليومية أكثر هشاشة وكلفة واستحالة. وهذا النوع من الحرب لا يستهدف الأجساد فقط، بل يستهدف قدرة المجتمع على إعادة إنتاج نفسه: أن يتحرك، وأن يتعالج، وأن يشتري، وأن يبقى. وهو ما يجعل الفئات الأكثر ضعفاً – النساء، والأطفال، وكبار السن، والمرضى – تتحمل العبء الأكبر لهذه الهجمات، سواء عبر القتل المباشر أو عبر الآثار الممتدة للحرمان، والتعطيل، والانقطاع.
استند هذا التقرير إلى إفادات ميدانية أولية، وشهادات شهود عيان، وتحليل سياق الاستهداف وطبيعة الأعيان المدنية المتضررة، مع الاحتفاظ بالتفاصيل الفنية والبيانات الحساسة وفقاً لمقتضيات السلامة، والتحقق، وحفظ الأدلة. كما يتكامل هذا التقرير، فيما يخص واقعة مستشفى الضعين، مع ملف توثيق مستقل سبق إعداده حول الهجوم على المنشأة الطبية.
وتخلص المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية إلى أن ما جرى في سرف عمرة، عند قراءته في ضوء حالتي لقاوة ومستشفى الضعين التعليمي، يكشف عن نمط مترابط من الهجمات على الأعيان المدنية التي تقوم عليها استمرارية الحياة. ولا تقف آثار هذه الهجمات عند القتل المباشر، بل تمتد إلى تعطيل الحركة، وإضعاف الإمداد، وتهديد الأمن الغذائي، والحرمان من العلاج، وتفكيك البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية.
إن ما جرى في سرف عمرة لا يمكن اختزاله في “أضرار حرب”. فعندما يُقصف الوقود، تُستهدف قدرة الناس على الحركة. وعندما يُقصف السوق، تُستهدف الشبكة الاقتصادية والغذائية التي تحمي المجتمع من الانهيار. وعندما يُقصف المستشفى، يُستهدف حق الناس في النجاة. والصمت على هذا النمط لا يعني الحياد، بل يعني عملياً إتاحة المجال لاستمرار الإفلات من العقاب. وما لم يتحرك المجتمع الدولي من منطق الإدانة اللفظية إلى منطق المساءلة الفعلية، فإن دارفور وكردفان مهددتان بأن تتحولا إلى نموذج مكتمل للحرب على الحياة نفسها. للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en

التعليقات مغلقة.