مجزرة مستشفى الضعين: استمرار استراتيجية العقاب الجماعي واستهداف المدنيين في السودان
في صباح يوم أمس، 20 مارس 2026، وفي تمام الساعة التاسعة، شن سلاح الطيران التابع للجيش السوداني غارة جوية بطائرة مسيرة استهدفت مستشفى الضعين التعليمي في مدينة الضعين بولاية شرق دارفور. لم يكن المبنى المستهدف ثكنة عسكرية، بل منشأة صحية حيوية تقدم العلاج للمدنيين و النازحين الذين فروا من ويلات الحرب، إضافة إلى كونها مركزاً لتقديم الرعاية الصحية. القصف المباشر أدى إلى تدمير المبنى بالكامل، وتحطيم كل الأجهزة والمعدات الطبية والأثاثات، في مشهد يجسد الإبادة المنهجية للبنية التحتية المدنية.
مع استمرار عمليات الإنقاذ وانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، ارتفعت الحصيلة إلى أرقام مفجعة. بلغ إجمالي الضحايا 153 بين قتيل وجريح. سقط 64 قتيلاً، بينهم 13 طفلاً، و7 نساء من بينهن اثنتان من الكادر الطبي، و44 رجلاً بينهم طبيب كان يؤدي واجبه الإنساني. كما أصيب 89 آخرون، من بينهم 8 من الكادر الطبي الذين كانوا في مواقعهم يقدمون الرعاية للمرضى والنازحين، و81 من المدنيين العزل بين أطفال ونساء ورجال. هذه الأرقام تعكس ليس فقط حجم المأساة، بل طبيعة الاستهداف الذي لم يستثنِ حتى من يمسكون بأدوات العلاج.
هذه الحادثة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع. فهي الأحدث في سلسلة متصلة من الاستهداف الممنهج للمدنيين والمرافق الحيوية، بنمط يتسم بالتكرار والدقة في اختيار التوقيتات والأهداف. قبل أسابيع، وفي 10 مارس، قصفت طائرة مسيرة عربة نقل تقل عائلة في منطقة الرواقة كانت في طريقها لأداء واجب عزاء، فسقط العشرات. وفي اليوم التالي، استهدفت المسيرات سوق القمراء الليلي في أبو زبد خلال ليالي رمضان، حيث كان المدنيون يؤمنون حاجياتهم للشهر الفضيل. وقبل ذلك، في 25 ديسمبر 2025، وفي صباح عيد الميلاد، استهدف سلاح الجو السوداني تجمعاً من المصلين المسيحيين كانوا في طريقهم إلى كنيسة أسقفية السودان في منطقة جُلد بولاية جنوب كردفان، فسقط قتلى وجرحى في يوم كان يفترض أن يكون للعبادة والمحبة.
ما يجمع هذه المشاهد المتباينة هو وحدة النمط: استهداف المدنيين في أوقات ذروة حضورهم، وفي أماكن يفترض أن تكون الأكثر أماناً . المستشفيات، الأسواق في أوقات التسوق، الطرقات التي تقل عائلات في مناسبات اجتماعية، الكنائس التي تجمع المصلين في أعيادهم. كلها مواقع وأوقات اختيرت بعناية لتعظيم الخسائر البشرية ونشر أقصى درجات الرعب، بل تحويل الحياة ذاتها إلى جحيم لا يطاق.
شاهد عيان من مدينة الضعين، فضّل عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية، أفاد للمنظمة قائلاً:
“ما يحدث هنا ليس عمليات عسكرية عشوائية، بل سياسة ممنهجة لإفراغ المدينة من أهلها. القصف يطال كل ما يمنح الناس سبباً للبقاء: الأسواق تُضرب في أوقات الازدحام، ومصادر المياه تُستهدف حين يشتد العطش، وحتى دور العبادة لم تسلم في لحظات اجتماع الناس فيها. الرسالة واضحة وقاسية: لا حياة هنا. يريدون دفعنا إلى الرحيل”
هذه الاستراتيجية ليست نظرية. الأدلة الميدانية تتراكم منذ مطلع العام: في 25 يناير، سوق أبو زعيمة في شمال كردفان؛ في 28 و29 يناير، طريق الطينة–فروك ومنطقة الرويكيبة؛ في 13 فبراير، سوق “اتنين كيلو” في زالنجي؛ في 16 فبراير، مبنى بيطري يأوي نازحين في السنوط؛ في 17 فبراير، مورد المياه الوحيد في أم رسوم؛ في 4 مارس، أسواق ومستشفى الوالدين في المجلد والفولة؛ في 7 و8 و10 و11 مارس، سلسلة من المجازر في أبو زبد والرواقة والضعين وجُلد ونيالا والزرق وغرير. كلها تشكل معاً دليلاً على أن ما يحدث ليس أخطاء عسكرية عابرة، بل تصميم ممنهج على عقاب المدنيين وتفريغ مناطق بأكملها من سكانها.
من منظور القانون الدولي الإنساني، هذه الأفعال تنتهك المبادئ الأساسية التي تقوم عليها حماية المدنيين في النزاعات المسلحة: مبدأ التمييز الذي يوجب التفريق في كل الأوقات بين المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومبدأ التناسب الذي يحظر شن هجمات قد تسبب خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة، ومبدأ الاحتياط الذي يلزم أطراف النزاع باتخاذ كل التدابير الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين. استهداف مستشفى يؤوي نازحين، واستهداف المصلين في عيدهم، واستهداف العائلات في مناسباتها الاجتماعية، واستهداف الأسواق والمياه، كلها انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
إن ما جرى في الضعين ليس مجرد قصف عابر. إنه رسالة ممنهجة مفادها أن لا مكان آمناً، وأن حتى المؤسسات التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأخير عن الحياة – المستشفيات وأطقمها الطبية – لم تعد بمنأى عن الاستهداف. تدمير مستشفى حوادث الضعين التعليمي بالكامل، مع كل أجهزته ومعداته الطبية وأثاثاته، ليس مجرد خسارة مادية، بل هو شطب لخدمة صحية كانت تشكل شريان حياة لمنطقة بأكملها، وتجويع متعمد لآلاف المدنيين لحاجتهم الماسة للرعاية الصحية.
المنظمة الأفريقية للعمل الإنساني والتنمية تطالب المجتمع الدولي ومجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية بالتحرك الفوري: فتح تحقيق دولي مستقل في هذه الانتهاكات التي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فرض عقوبات مستهدفة على قادة سلاح الجو السوداني المتورطين، توفير حماية عاجلة للمدنيين عبر ممرات آمنة وإيصال المساعدات الطبية والإنسانية إلى الضعين والمناطق المتضررة، والضغط لإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب قبل أن تُدفن المزيد من المستشفيات تحت أنقاضها. للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en
التعليقات مغلقة.