المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية السودان: تصاعد الهجمات الجوية على الأسواق والتجمعات المدنية وتدمير مقومات الحياة النطاق الجغرافي: جنوب دارفور، شرق دارفور، غرب كردفان، ومنطقة أبيي 29 أكتوبر 2026
المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية
السودان: تصاعد الهجمات الجوية على الأسواق والتجمعات المدنية وتدمير مقومات الحياة
النطاق الجغرافي: جنوب دارفور، شرق دارفور، غرب كردفان، ومنطقة أبيي
29 أكتوبر 2026
أولاً: الملخص التنفيذي
شهدت عدة مناطق في السودان، خلال الفترة المشمولة بهذا التقرير (14–28 أكتوبر 2026)، تصعيداً ميدانياً بالغ الخطورة تمثل في سلسلة من الهجمات الجوية المكثفة التي طالت الأسواق التجارية، والتجمعات المدنية، والأحياء السكنية، ومراكز النقل والعبور. وامتدت هذه العمليات العسكرية عبر نطاق جغرافي واسع شمل ولايات جنوب دارفور، وشرق دارفور، وغرب كردفان، ومنطقة أبيي، مخلفةً خسائر بشرية جسيمة، وأضراراً مادية واسعة النطاق، وانعكاسات خطيرة على مقومات بقاء السكان وسبل عيشهم.
ويوثق هذا التقرير سبع وقائع رئيسية استهدفت مواقع ذات طبيعة مدنية وحيوية، أبرزها:
سوق أميت (سوق النعام) في منطقة أبيي – 16 أكتوبر.
سوق المواشي بمدينة نيالا – 16 أكتوبر.
مواقع مدنية بمدينة الضعين – 19 أكتوبر.
منطقة أبو جابرة – 21 و22 أكتوبر.
حي العرب بمدينة الضعين – 22 أكتوبر.
مركز النقل والتجمع بمنطقة الدبيبات في غرب كردفان – 24 أكتوبر.
سوق تنقونج الليلي (محطة تنقونج) بحي دوماية غرب مدينة نيالا – 26 أكتوبر.
وتكشف الوقائع المتعاقبة عن اتساع نطاق الهجمات الجوية التي طالت الأماكن التي يرتكز عليها النشاط الاقتصادي والاجتماعي للسكان، بما في ذلك الأسواق ومناطق التجمع والأحياء السكنية ومراكز النقل. كما تكشف عن تعرض المدنيين لمخاطر جسيمة في مواقع يفترض أن تحظى بالحماية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني.
وعلى صعيد الخسائر البشرية، مثّل الهجوم على سوق أميت بمنطقة أبيي في 16 أكتوبر إحدى أكثر الحوادث دموية خلال الفترة المشمولة بالتقرير، حيث قُتل ما لا يقل عن 153 شخصاً وأصيب آخرون، فضلاً عن اندلاع حريق واسع في منشأة مجاورة لتخزين الوقود تعود، وفق إفادات شهود العيان، إلى تجار محليين.
وفي اليوم ذاته، تعرض سوق المواشي بمدينة نيالا لهجوم بطائرة مسيّرة أسفر عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل وإصابة آخرين، وفقاً لما أوردته منظمة أطباء بلا حدود.
أما الهجوم الذي استهدف سوق تنقونج الليلي بحي دوماية غرب نيالا مساء 26 أكتوبر، فقد خلف حصيلة بشرية كارثية. إذ استقبل المستشفى التعليمي بنيالا، المدعوم من منظمة أطباء بلا حدود، جثامين 36 شخصاً، من بينهم 21 شخصاً كانوا يرتدون ملابس مدنية، فيما تعاملت الطواقم الطبية مع أكثر من 150 مصاباً. وفي المقابل، أفادت شهادات محلية ومصادر مدنية مرتبطة بتحالف تأسيس بحصيلة أولية بلغت 102 قتيل و113 جريحاً. وأعقب الهجوم استهداف ثانٍ طال منطقة سكنية مجاورة، في الوقت الذي كان فيه الأهالي يحاولون إسعاف المصابين وانتشال الضحايا.
ولا تقتصر خطورة هذه الوقائع على أعداد القتلى والجرحى، بل تمتد إلى تدمير الأسواق ومصادر الدخل، وتعطيل حركة النقل والتجارة، وإضعاف قدرة المجتمعات المحلية على الحصول على الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، فضلاً عن تعميق حالة النزوح وانعدام الأمن الإنساني.
وتؤكد المنظمة أن استهداف المواقع ذات الطبيعة المدنية يثير مسؤولية قانونية خطيرة، وأن الادعاء بوجود إمدادات أو عناصر مسلحة في محيط الأعيان المدنية لا يمنح أي طرف الحق في استهداف الموقع بأكمله، ولا يسقط الحماية القانونية عن المدنيين. ويظل كل هجوم خاضعاً بصورة مستقلة لقواعد التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الواجبة أثناء تنفيذ العمليات العسكرية.
ثانياً: خلفية التقرير ونطاقه ومنهجيته
1. السياق العام والنطاق الجغرافي والزمني
يأتي هذا التقرير في سياق النزاع المسلح المتواصل في السودان منذ 15 أبريل 2023، وما ترتب عليه من اتساع رقعة العمليات العسكرية وتزايد الأخطار المحدقة بالسكان المدنيين، وتعرض البنية التحتية المدنية والاقتصادية والخدمية لدمار واسع.
ويركز التقرير على الفترة من 14 إلى 28 أكتوبر 2026، مع حصر نطاقه الجغرافي في جنوب دارفور، وشرق دارفور، وغرب كردفان، ومنطقة أبيي، وذلك من خلال رصد وتوثيق الهجمات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة التي طالت الأسواق، ومناطق النشاط الاقتصادي، والأحياء السكنية، ومراكز النقل والتجمع المدني.
ولا يدّعي التقرير الإحاطة بجميع الهجمات التي شهدتها هذه المناطق خلال الفترة المذكورة، وإنما يتناول الوقائع التي تمكنت المنظمة من جمع المعلومات والشهادات والبيانات المتعلقة بها، وإدراجها ضمن عملية التوثيق والتحليل.
2. المنهجية المتبعة
اعتمدت وحدة الرصد والتوثيق بالمنظمة منهجية توثيقية متعددة المصادر، تقوم على الجمع بين المعاينة الميدانية والاستماع المباشر إلى الشهود والناجين، ومراجعة المعلومات الطبية والإنسانية، ومقارنة البيانات الواردة من مصادر مختلفة.
وشملت المنهجية بصورة أساسية:
الرصد الميداني والمعاينة: الوقوف على مسارح الحوادث، ومعاينة آثار الدمار والأضرار التي لحقت بالمواقع المستهدفة، وفحص ما أمكن من الآثار المادية المرتبطة بالهجمات.
المصادر المباشرة: الاستماع إلى إفادات شهود العيان والناجين والأشخاص الذين عاصروا الوقائع أو شاركوا في عمليات الإنقاذ والإسعاف.
المصادر الطبية والإنسانية: الاستناد إلى المعلومات الصادرة عن الجهات الصحية والإنسانية، وفي مقدمتها منظمة أطباء بلا حدود، بشأن أعداد الضحايا والمصابين والخدمات الطبية المقدمة لهم.
مقارنة المعلومات وتدقيقها: مراجعة الروايات المحلية والبيانات الرسمية والمعلومات المتاحة، مع إسناد الحصائل إلى مصادرها وتوقيت صدورها، وعدم دمج التقديرات المختلفة في رقم واحد دون أساس توثيقي.
حفظ المواد التوثيقية: جمع وتنظيم الإفادات والصور والمقاطع المرئية والمعلومات ذات الصلة بالوقائع، بما يدعم إمكان استخدامها في إجراءات التحقيق والمساءلة وفق المعايير الدولية.
3. أهداف التقرير
يهدف التقرير إلى:
توثيق الهجمات الجوية وآثارها المباشرة على المدنيين والأعيان المدنية.
إبراز طبيعة المواقع المستهدفة وأهميتها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان.
تحليل نمط الهجمات وانعكاساته الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.
بيان الأطر القانونية ذات الصلة وتحديد أوجه المسؤولية المحتملة.
تقديم توصيات عملية للآليات الدولية والإقليمية والجهات المعنية بحماية المدنيين وتحقيق المساءلة.
ثالثاً: الوقائع الميدانية وتفاصيل الهجمات
1. الهجوم على سوق أميت (سوق النعام) في منطقة أبيي – 16 أكتوبر 2026
في 16 أكتوبر 2026، تعرض سوق أميت (سوق النعام) في منطقة أبيي لهجوم جوي مباغت أسفر عن خسائر بشرية جسيمة، حيث قُتل ما لا يقل عن 153 شخصاً وأصيب آخرون.
كما اندلع حريق هائل في منشأة مجاورة لتخزين الوقود، أفاد شهود عيان بأنها مملوكة لتجار محليين. وأدى الحريق إلى اتساع نطاق الأضرار في محيط السوق، الذي يُعد أحد الشرايين التجارية الرئيسية في المنطقة، وتتقاطع فيه حركة التجارة وتبادل السلع الأساسية ونشاط التجار والمواطنين من المجتمعات المحلية والمناطق المجاورة.
وقد شهدت الواقعة تبايناً في الروايات بشأن طبيعة الأهداف التي كانت مقصودة بالهجوم. ففي حين حمّلت روايات محلية القوات المسلحة السودانية مسؤولية الهجوم، بررت الرواية العسكرية الضربة بالقول إنها استهدفت ناقلات وقود تستخدم في إمداد قوات الدعم السريع. وتؤكد المنظمة أن حجم الخسائر البشرية وطبيعة الموقع المستهدف وما ترتب على الهجوم من دمار واسع تجعل هذه الواقعة من الحوادث التي تستوجب تحقيقاً مستقلاً وشاملاً لتحديد ظروف تنفيذ الضربة والمسؤوليات المرتبطة بها.
2. الهجوم على سوق المواشي بمدينة نيالا (ولاية جنوب دارفور) – 16 أكتوبر 2026
في اليوم ذاته، 16 أكتوبر 2026، تعرض سوق المواشي بمدينة نيالا لهجوم بطائرة مسيّرة، أسفر عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل وإصابة آخرين، وفقاً لتوثيق منظمة أطباء بلا حدود.
ويُعد سوق المواشي من المراكز الاقتصادية الأساسية في جنوب دارفور، إذ يمثل نقطة رئيسية لتجارة الماشية ومصدر دخل لشرائح واسعة من الرعاة والتجار والعاملين في الأنشطة المرتبطة بتربية الحيوان ونقله وتسويقه.
ويمثل استهداف السوق اعتداءً على موقع مدني يرتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي والمعيشي للسكان، كما يفاقم الآثار الاقتصادية للنزاع على المجتمعات التي تعتمد على التجارة المحلية والأنشطة الرعوية.
3. الهجوم الجوي على مدينة الضعين (ولاية شرق دارفور) – 19 أكتوبر 2026
في 19 أكتوبر 2026، استهدفت طائرات مسيّرة مواقع مدنية داخل مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور.
ووفق إفادات شهود العيان، أسفر الهجوم عن سقوط ضحايا مدنيين، وأحدث حالة من الذعر بين السكان، في منطقة حضرية تتداخل فيها المساكن والأسواق والمرافق الخدمية ومناطق النشاط اليومي للمواطنين.
وقد أثار الهجوم مخاوف واسعة بين السكان، في ظل صعوبة التمييز بين مناطق الخطر والمناطق الآمنة، وما يترتب على ذلك من تقييد حركة المدنيين وتعطيل أنشطتهم اليومية.
4. الهجمات الجوية على منطقة أبو جابرة (ولاية شرق دارفور) – 21 و22 أكتوبر 2026
تعرضت منطقة أبو جابرة لهجمات جوية متعاقبة يومي 21 و22 أكتوبر 2026.
وأدى تتابع الضربات خلال فترة زمنية قصيرة إلى حالة من الخوف والاضطراب وسط السكان، وأثر على حركة التنقل والأنشطة اليومية، كما خلق مخاطر إضافية أمام محاولات إسعاف المصابين والوصول إلى المناطق المتضررة.
وتبرز خطورة هذه الواقعة في تكرار الهجمات خلال يومين متتاليين، وما ترتب من تعريض السكان لمخاطر متواصلة، وإضعاف قدرتهم على مغادرة المناطق المتأثرة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.
5. الهجوم على حي العرب بمدينة الضعين (ولاية شرق دارفور) – 22 أكتوبر 2026
في 22 أكتوبر 2026، امتدت الهجمات الجوية إلى حي العرب السكني بمدينة الضعين، حيث تعرض الحي لضربة جوية طالت منطقة مأهولة بالسكان.
ويضم الحي منازل أسرية ومرافق وخدمات مدنية، وتؤدي الهجمات التي تطال مثل هذه المناطق إلى تعريض السكان وممتلكاتهم لمخاطر مباشرة، وإحداث أضرار تتجاوز الموقع المستهدف إلى محيطه السكني والاجتماعي.
وتؤكد المنظمة أن الطبيعة السكنية للمنطقة تقتضي الالتزام الصارم بقواعد حماية المدنيين والأعيان المدنية، وأن وجود أي طرف عسكري في المدينة أو سيطرته عليها لا يغيّر من الوضع القانوني للسكان المدنيين ولا يجرد الأحياء السكنية من الحماية المقررة لها.
6. الهجوم على مركز النقل والتجمع في منطقة الدبيبات (ولاية غرب كردفان) – 24 أكتوبر 2026
في 24 أكتوبر 2026، تعرض مركز النقل والتجمع الرئيسي في منطقة الدبيبات بولاية غرب كردفان لقصف جوي.
ويُعد المركز نقطة حيوية لحركة المسافرين والمرضى والعمال، ولانتقال السلع والخدمات الأساسية بين المنطقة والمناطق المجاورة. كما يمثل جزءاً مهماً من شبكة النقل التي يعتمد عليها السكان في تنقلاتهم اليومية وتلبية احتياجاتهم المعيشية.
وقد أدى استهداف هذا الموقع إلى تهديد حركة المدنيين وتعطيل أحد المرافق المرتبطة مباشرة بالنشاط الاقتصادي والخدمي في المنطقة، في وقت تعاني فيه المجتمعات المحلية أصلاً من تدهور البنية التحتية وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية.
7. الهجوم على سوق تنقونج الليلي في حي دوماية غرب نيالا (ولاية جنوب دارفور) – 26 أكتوبر 2026
في نحو الساعة الثامنة مساء يوم 26 أكتوبر 2026، تعرض سوق تنقونج الليلي، المعروف أيضاً بمحطة تنقونج، في حي دوماية غرب مدينة نيالا، لهجوم مدمر بطائرة مسيّرة، وذلك أثناء ذروة النشاط التجاري الليلي، حيث كان السوق يعج بالمتسوقين والباعة المتجولين والعاملين في الأنشطة التجارية والخدمية.
وقد أدى الهجوم إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وإحداث دمار واسع في موقع السوق ومحيطه.
الحصيلة الإنسانية: استقبل المستشفى التعليمي بمدينة نيالا، المدعوم من منظمة أطباء بلا حدود، جثامين 36 شخصاً، من بينهم 21 شخصاً كانوا يرتدون ملابس مدنية، كما تعاملت الطواقم الطبية مع أكثر من 150 مصاباً في أقسام الطوارئ.
وفي المقابل، أفادت شهادات شهود العيان ومصادر مدنية مرتبطة بتحالف تأسيس بحصيلة أولية بلغت 102 قتيل و113 جريحاً.
وتعكس هذه الأرقام حجم الكارثة الإنسانية التي ترتبت على الهجوم، كما تشير إلى العبء الاستثنائي الذي واجهته المرافق الطبية والطواقم العاملة في ظل محدودية الإمكانات الصحية المتاحة.
الضربة الثانية وعمليات الإنقاذ: لم تتوقف آثار الهجوم عند الضربة الأولى، إذ أعقبتها ضربة ثانية استهدفت منطقة سكنية مجاورة أثناء محاولات الأهالي إسعاف المصابين وانتشال الضحايا.
وقد ضاعفت هذه الضربة من حالة الخطر التي واجهها السكان، وعرقلت جهود الإنقاذ والإسعاف، واضطر الأهالي إلى استخدام وسائل بديلة لنقل المصابين والجثامين، بما في ذلك العربات التي تجرها الحيوانات، في ظل انهيار الإمكانات الطبية وشح وسائل النقل والإسعاف.
وتكشف هذه الواقعة عن حجم المخاطر التي تواجه المدنيين حتى أثناء محاولتهم إنقاذ المصابين وتقديم المساعدة للضحايا، وعن الآثار الإنسانية البالغة التي تترتب على استمرار الهجمات في المناطق المأهولة بالسكان.
رابعاً: القراءة التحليلية والتقييم القانوني للوقائع
1. نمط الهجمات واتساع نطاقها الجغرافي
تكشف الوقائع السبع الواردة في هذا التقرير عن اتساع النطاق الجغرافي للهجمات الجوية خلال فترة زمنية قصيرة، إذ امتدت إلى أربع مناطق جغرافية تشمل جنوب دارفور وشرق دارفور وغرب كردفان ومنطقة أبيي.
ولا تقتصر أهمية هذا الانتشار على عدد المواقع المستهدفة، بل تتصل بطبيعة تلك المواقع، التي شملت الأسواق ومراكز النقل والأحياء السكنية والتجمعات المدنية. ويشير هذا التوزيع إلى تصاعد المخاطر التي تواجه السكان في الأماكن التي يمارسون فيها أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية اليومية.
كما أن تكرار الهجمات على الأسواق، ولا سيما في أميت ونيالا، ثم استهداف سوق تنقونج في أواخر الفترة المشمولة بالتقرير، يثير مخاوف جدية بشأن سلامة التجمعات التجارية والمدنية، وضرورة فحص طبيعة اختيار الأهداف العسكرية وآليات تنفيذ الضربات الجوية.
2. استهداف الأسواق وتدمير مقومات الحياة الاقتصادية
تكتسب الهجمات التي استهدفت الأسواق أهمية خاصة بالنظر إلى الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية التي تؤديها هذه المواقع في المجتمعات المحلية.
فالأسواق في دارفور والمناطق المتأثرة بالنزاع ليست مجرد أماكن للبيع والشراء، بل تمثل شبكات معيشية متكاملة يعتمد عليها التجار والرعاة والمزارعون والعمال والأسر في توفير الغذاء والدخل والاحتياجات الأساسية.
ويؤدي تدمير هذه الأسواق إلى خسائر تتجاوز الممتلكات التجارية المباشرة، لتشمل فقدان مصادر الدخل، وتعطيل حركة السلع، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتقويض الأمن الغذائي، وإضعاف قدرة السكان على الصمود في مواجهة ظروف الحرب.
ومن ثم، فإن الأثر المدني للهجمات لا يقاس فقط بعدد القتلى والجرحى، بل يشمل كذلك الضرر الممتد الذي يلحق بالبنية الاقتصادية المحلية وبمقومات استمرار الحياة.
3. تعطيل النقل والاتصال والخدمات الأساسية
يمثل استهداف مركز النقل والتجمع في الدبيبات جانباً آخر من جوانب الأضرار المدنية، بالنظر إلى ارتباط هذا الموقع بحركة السكان والمرضى والعمال والسلع.
ويؤدي تعطيل هذه المراكز إلى عزل المجتمعات المحلية، وإعاقة الوصول إلى المستشفيات والخدمات الأساسية، وتعقيد عمليات الإجلاء والإغاثة، فضلاً عن زيادة الأعباء الاقتصادية على السكان. وتتضاعف هذه الآثار في المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية وانعدام البدائل المناسبة للنقل والخدمات.
4. الآثار الإنسانية والصحية والنزوح
أظهرت واقعة سوق تنقونج حجم الضغط الذي يمكن أن تتعرض له المرافق الصحية نتيجة الهجمات الجوية على التجمعات المدنية، حيث استقبل المستشفى التعليمي في نيالا عشرات الجثامين وتعاملت الطواقم الطبية مع أكثر من 150 مصاباً.
ولا تنفصل هذه الأرقام عن الوضع العام للنظام الصحي في المناطق المتأثرة بالنزاع، حيث تواجه المستشفيات نقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر والإمكانات اللازمة للاستجابة للحالات الطارئة.
كما تؤدي الهجمات المتكررة إلى زيادة احتمالات النزوح، وتفكيك الروابط الاجتماعية والاقتصادية، وحرمان الأسر من مصادر رزقها وممتلكاتها، بما يفاقم الأوضاع الإنسانية ويزيد هشاشة الفئات الأكثر تعرضاً للخطر.
5. الخطاب السياسي والاجتماعي وخطر تحويل الهوية إلى أساس للاستهداف
تحذر المنظمة من خطورة الخطاب السياسي والإعلامي والعسكري الذي يسعى إلى ربط جماعات سكانية أو قبلية بأطراف النزاع، أو تصنيف مجتمعات بأكملها تحت مسمى «الحواضن الاجتماعية».
وتؤكد المنظمة أن الانتماء القبلي أو الجغرافي أو الاجتماعي لا يمثل أساساً قانونياً لاستهداف الأشخاص، ولا يجيز تجريدهم من الحماية المقررة للمدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني.
كما أن تحميل جماعة سكانية بأكملها مسؤولية أفعال أطراف عسكرية يمثل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور، وقد يقترن بالتحريض على العنف والاضطهاد والتمييز، وفقاً لطبيعة الأفعال والسياق الذي تقع فيه.
وتحذر المنظمة من أن استمرار هذا الخطاب يخلق بيئة اجتماعية وسياسية مواتية لتبرير الاعتداءات على المدنيين، ويزيد مخاطر استهداف الأفراد على أساس هويتهم أو انتمائهم المفترض، الأمر الذي يستوجب مواجهة التحريض على الكراهية والعنف، ومساءلة المسؤولين عنه وفق القواعد القانونية ذات الصلة.
6. التقييم القانوني والتكييف الحقوقي والجنائي
تخضع الوقائع الواردة في هذا التقرير لقواعد القانون الدولي الإنساني المنطبقة على النزاع المسلح في السودان، بما في ذلك المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، فضلاً عن الالتزامات ذات الصلة بحماية المدنيين والأعيان المدنية.
وتتمثل أبرز المسائل القانونية التي تثيرها هذه الوقائع فيما يلي:
أ. مبدأ التمييز وحماية المدنيين والأعيان المدنية
يفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ويحظر توجيه الهجمات ضد المدنيين أو الأعيان المدنية بصفتها تلك.
وتتمتع الأسواق والمنازل ومراكز النشاط التجاري والنقل المدني بالحماية المقررة للأعيان المدنية، ولا يجوز استهدافها ما لم تتحول، وفق الشروط القانونية، إلى أهداف عسكرية. ولا يؤدي مجرد وجود عناصر مسلحة أو مركبات عسكرية بالقرب من موقع مدني إلى تحويل الموقع بأكمله إلى هدف عسكري مشروع.
ب. حظر الهجمات العشوائية وغير المتناسبة
يحظر القانون الدولي الإنساني الهجمات العشوائية، كما يحظر الهجمات التي يتوقع أن تسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم أو أضراراً بالأعيان المدنية، تكون مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.
وتثير الضربات التي طالت الأسواق المكتظة والتجمعات المدنية، ولا سيما سوق أميت وسوق تنقونج، أسئلة قانونية جدية بشأن طبيعة الأهداف التي جرى تحديدها، والوسائل والأساليب العسكرية المستخدمة، والتقديرات التي سبقت تنفيذ الهجمات، ومدى مراعاة مبدأ التناسب.
ج. الالتزام باتخاذ الاحتياطات الواجبة
يلتزم أطراف النزاع باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة عملياً للتحقق من طبيعة الأهداف، واختيار وسائل وأساليب الهجوم التي تقلل الضرر المدني، وإلغاء الهجوم أو تعليقه إذا تبين أن الهدف ليس عسكرياً أو أن الهجوم سيكون غير متناسب. وتزداد أهمية هذه الالتزامات عند تنفيذ الهجمات الجوية في مناطق مأهولة بالسكان أو في أوقات الذروة التجارية، حيث تكون احتمالات وقوع خسائر مدنية واسعة مرتفعة.
د. حماية المنشآت والخدمات الطبية والإنسانية
تتمتع الوحدات الطبية ووسائل النقل الطبي والعاملون في المجال الصحي بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، ويجب احترامهم وحمايتهم في جميع الظروف.
كما يتعين على أطراف النزاع احترام وتيسير أعمال الإغاثة الإنسانية، وعدم عرقلة عمليات إسعاف الجرحى ونقل المصابين، أو تعريض المدنيين الذين يقدمون المساعدة للضحايا لهجمات غير مشروعة. وتبرز هذه الالتزامات بوضوح في واقعة سوق تنقونج، ولا سيما في ضوء وقوع ضربة ثانية أثناء عمليات الإنقاذ والإسعاف، وهو أمر يستوجب التحقيق في ظروف الضربة اللاحقة وطبيعة الموقع المستهدف والآثار المتوقعة عليها.
هـ. حماية الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين
يحظر القانون الدولي الإنساني مهاجمة أو تدمير أو إزالة الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، وفق الشروط والنطاق المقررين قانوناً.
وتكتسب الهجمات التي طالت الأسواق ومراكز التجارة والنقل أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى دورها في توفير الغذاء والسلع الأساسية ومصادر الدخل والخدمات الضرورية لاستمرار حياة السكان.
و. المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية
إن الهجمات المتعمدة ضد المدنيين والأعيان المدنية، والهجمات العشوائية أو غير المتناسبة التي تتوافر فيها العناصر القانونية اللازمة، تشكل جرائم حرب بموجب القانون الدولي الجنائي.
كما أن تكرار الاعتداءات على التجمعات المدنية واتساع نطاقها الجغرافي يقتضي فحصها ضمن سياق أوسع لتحديد ما إذا كانت تشكل جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، وهو أحد العناصر الأساسية اللازمة لقيام الجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب توافر الأفعال والسياق والعناصر المعنوية التي يتطلبها القانون. ولا يستند هذا التقييم إلى جسامة الخسائر وحدها، وإنما إلى طبيعة الأفعال والظروف التي ارتكبت فيها ومدى ارتباطها بسياق أوسع من الانتهاكات.
ز. المسؤولية الفردية ومسؤولية القيادة
لا تقتصر المسؤولية الجنائية المحتملة على الأشخاص الذين نفذوا الهجمات بصورة مباشرة، بل قد تمتد، وفق الأدلة والعناصر القانونية المتوافرة، إلى القادة العسكريين والمسؤولين عن التخطيط وإصدار الأوامر وتحديد الأهداف، أو الذين ساهموا في ارتكاب الجرائم أو أمروا بها أو قدموا المساعدة لها.
كما تقتضي قواعد مسؤولية القيادة التحقيق في مدى علم القادة بالجرائم أو الظروف التي كان ينبغي أن يعلموا بها، وما إذا كانوا قد اتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو قمعها أو إحالتها إلى السلطات المختصة.
وتؤكد المنظمة أن تحديد المسؤولية الفردية والقيادية يستلزم فحص سجلات العمليات العسكرية، وأوامر الاستهداف، ومعلومات الاستخبارات، وأنواع الأسلحة والذخائر المستخدمة، وسلاسل القيادة والسيطرة.
خامساً: الاستنتاجات الرئيسية
استناداً إلى الوقائع الموثقة والتحليل الوارد في هذا التقرير، تخلص المنظمة إلى ما يلي:
شهدت الفترة من 14 إلى 28 أكتوبر 2026 تصعيداً خطيراً في الهجمات الجوية التي طالت مواقع مدنية في جنوب دارفور وشرق دارفور وغرب كردفان ومنطقة أبيي.
تعرضت الأسواق التجارية، التي تمثل ركائز أساسية للاقتصاد المحلي والأمن الغذائي، لهجمات خلفت خسائر بشرية جسيمة وأضراراً مادية واسعة.
كشفت واقعتا سوق أميت وسوق تنقونج عن مستوى بالغ الخطورة من الخسائر البشرية، بما يستوجب تحقيقات مستقلة ذات أولوية.
أدى استهداف مراكز النقل والتجمع والأحياء السكنية إلى توسيع نطاق الأضرار المدنية وتعطيل حركة السكان والخدمات الأساسية.
أظهرت الوقائع حجم هشاشة المرافق الصحية وقدرتها المحدودة على الاستجابة للأعداد الكبيرة من القتلى والجرحى.
تثير طبيعة الهجمات وتكرارها أسئلة قانونية جدية بشأن احترام مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة.
تستوجب الوقائع التحقيق في المسؤوليات الجنائية الفردية والقيادية، وفحص احتمال ارتباطها بسياق أوسع من الجرائم الدولية.
يمثل خطاب التحريض على أساس الهوية والقبيلة خطراً إضافياً على المدنيين، ويجب عدم السماح باستخدام الانتماء الاجتماعي أو الجغرافي ذريعة لاستهداف المجتمعات.
سادساً: التوصيات
بناءً على الوقائع والتحليلات القانونية الواردة في هذا التقرير، تقدم المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية التوصيات الآتية:
الوقف الفوري للهجمات: مطالبة جميع أطراف النزاع بالوقف الفوري والتام لكافة الهجمات الجوية والمسيّرة التي تستهدف الأسواق والأحياء السكنية ومراكز النقل والتجمعات المدنية.
فتح تحقيقات دولية مستقلة: دعوة بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان والآليات الأممية والإقليمية المختصة إلى فتح تحقيق عاجل ونزيه في الوقائع الواردة في التقرير، مع إعطاء الأولوية للهجومين على سوق أميت وسوق تنقونج.
تحديد سلاسل القيادة والمسؤولية: التحقيق في أوامر العمليات العسكرية ومصادر المعلومات الاستخباراتية وطبيعة الأهداف والأسلحة المستخدمة، وتحديد المسؤولين المباشرين والقيادات التي شاركت في التخطيط أو إصدار الأوامر أو الإشراف على تنفيذ الهجمات.
التوثيق الشامل للضحايا والمفقودين: إنشاء قواعد بيانات دقيقة لتوثيق أسماء القتلى والجرحى والمفقودين وحالات الوفاة اللاحقة، وحفظ السجلات الطبية وشهادات الأسر والناجين.
حفظ الأدلة المادية والرقمية: حماية الأدلة الرقمية والمادية، بما في ذلك مقاطع الفيديو والصور وصور الأقمار الصناعية وآثار الذخائر والتقارير الطبية، وفق المعايير الدولية للتوثيق والتحقيق، وضمان سلامة سلسلة حيازة الأدلة وإمكانية التحقق من مصدرها وسلامتها.
حماية القطاع الصحي والعاملين الطبيين: توفير الحماية للمستشفيات والمراكز الصحية وسيارات الإسعاف والكوادر الطبية، وتسهيل وصول الأدوية والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة.
إزالة القيود عن العمل الإنساني: ضمان وصول المساعدات الإنسانية والغذائية والطبية دون عوائق، وحماية العاملين في المجال الإنساني والمتطوعين المحليين.
مواجهة التحريض والعقاب الجماعي: اتخاذ تدابير فعالة لمواجهة الخطاب القبلي والعنصري وخطاب الكراهية الذي يحرض على استهداف المدنيين أو تحميل المجتمعات مسؤولية أفعال أطراف النزاع، ومساءلة المسؤولين عن التحريض على العنف وفق القانون.
ضمان حق الضحايا في الإنصاف وجبر الضرر: كفالة حقوق الضحايا والناجين وأسرهم في معرفة الحقيقة والعدالة والتعويض وجبر الضرر المادي والمعنوي والنفسي، وضمان مشاركتهم في إجراءات المساءلة.
التعاون مع آليات المساءلة الدولية: إتاحة الوثائق والأدلة للجهات القضائية الدولية المختصة، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، في حدود ولايتها القانونية، وتعزيز التعاون مع الآليات المعنية بالتحقيق والتوثيق.
تكثيف الرقابة الإقليمية والدولية: دعوة الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن الإفريقي ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى اتخاذ إجراءات فعالة لمتابعة الهجمات وحماية المدنيين ومنع تكرارها.
إطلاق برامج التعافي الاقتصادي والإنساني: حث الوكالات الدولية والجهات المانحة على تقييم الأضرار التي لحقت بالأسواق وشبكات النقل ومصادر الدخل، وإطلاق برامج عاجلة لإعادة التأهيل ودعم سبل العيش والأمن الغذائي.
سابعاً: الخلاصة
إن الهجمات الجوية والمسيّرة التي يوثقها هذا التقرير تعكس تدهوراً خطيراً في مستوى حماية المدنيين في السودان خلال أكتوبر 2026. فقد طالت الضربات أسواقاً مكتظة، ومراكز تجارية، وأحياء سكنية، ومرافق للنقل والتجمع، وهي مواقع تمثل ركائز أساسية لاستمرار الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية للسكان.
إن استهداف سوق أميت في أبيي وسوق المواشي في نيالا وسوق تنقونج في دوماية، إلى جانب الهجمات التي طالت مدينة الضعين ومنطقة أبو جابرة ومركز النقل في الدبيبات، لا يمثل مجرد أضرار جانبية للحرب، بل يثير تساؤلات قانونية وإنسانية بالغة الخطورة بشأن طبيعة العمليات العسكرية ومدى احترام قواعد حماية المدنيين والأعيان المدنية.
وتؤكد المنظمة أن الأسواق والمنازل ومراكز النقل ليست ساحات مفتوحة للاستهداف العسكري، وأن المدنيين لا يفقدون حقهم في الحماية بسبب موقعهم الجغرافي أو انتمائهم الاجتماعي أو وجودهم في مناطق خاضعة لسيطرة أحد أطراف النزاع.
كما أن حماية المدنيين ومقومات بقائهم ليست التزاماً اختيارياً، ولا تسقط بسبب ظروف الحرب أو الاعتبارات العسكرية المجردة. ويقتضي احترام القانون الدولي الإنساني اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع الاعتداءات على السكان والأعيان المدنية، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وتدعو المنظمة المجتمع الدولي والآليات الإقليمية والدولية المختصة إلى الانتقال من بيانات الإدانة والتعبير عن القلق إلى إجراءات عملية وفعالة تضمن حماية المدنيين، وتؤسس لمساءلة حقيقية عن الجرائم المرتكبة، وتكفل للضحايا وأسرهم حقهم في الحقيقة والعدالة والإنصاف.
إن استمرار الإفلات من العقاب لا يؤدي إلا إلى تشجيع تكرار الانتهاكات وتوسيع دائرة العنف، بينما تظل المساءلة الفعالة واحترام القانون الدولي الطريق الضروري لوضع حد لاستهداف المدنيين وحماية ما تبقى من مقومات الحياة في السودان.
للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en
التعليقات مغلقة.