المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية السودان أمام مجلس الأمن: حين تعطل الحسابات السياسية حماية المدنيين 12 سبتمبر 2026
المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية
السودان أمام مجلس الأمن: حين تعطل الحسابات السياسية حماية المدنيين
12 سبتمبر 2026
ما جرى في جلسة مجلس الأمن بشأن السودان في 11 سبتمبر 2026 يؤكد مرة أخرى أن الاستجابة الدولية للحرب السودانية لا تزال دون مستوى طبيعة الأزمة. فقد جرى تمديد نظام العقوبات وحظر السلاح القائم على دارفور لمدة شهر واحد، بينما تعذر التوافق على توسيع الحظر ليشمل كامل السودان. وفي الوقت نفسه، كشفت المفاوضات عن انقسامات سياسية واضحة حول نطاق العقوبات وطبيعة التعامل مع الأطراف السودانية، بما في ذلك موقف عدد من أعضاء المجلس الرافضين لتوسيع نظام العقوبات خارج دارفور.
المشكلة، في تقدير المنظمة، ليست في نتيجة التصويت وحدها، وإنما في استمرار التعامل مع أدوات مجلس الأمن بصورة لا تعكس الواقع الفعلي للحرب. فمنذ إنشاء نظام العقوبات في 2004 ظل حظر السلاح محصوراً جغرافياً في دارفور، بينما أصبحت الحرب منذ أبريل 2023 نزاعاً وطنياً متعدد الجبهات، تتداخل فيه الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة وشبكات التمويل والإمداد الخارجي. وبقاء النظام مقيداً جغرافياً يخلق ثغرة عملية تسمح بإيصال الموارد العسكرية إلى مناطق أخرى ثم إعادة توجيهها إلى ساحات القتال. وتقر وثائق مجلس الأمن نفسه بأن حظر السلاح الحالي لا يزال مقتصراً على دارفور.
وتعتبر المنظمة أن النقاش الدولي يحتاج أيضاً إلى تصحيح في توصيف الواقع السياسي السوداني. السودان لا يعيش في ظل حكومة وطنية موحدة تسيطر على إقليم الدولة ومؤسساتها، وإنما في ظل سلطات أمر واقع متنافسة نشأت في سياق حرب وانهيار الانتقال المدني. ولا ينبغي أن تتحول السيطرة الفعلية على مؤسسات الدولة أو الاعتراف الإجرائي التمثيلي في المحافل الدولية إلى صك شرعية سياسية أو دستورية. إن التعامل مع إحدى سلطات الأمر الواقع باعتبارها ممثلاً حصرياً للدولة السودانية، مع تجاهل ظروف نشأتها ومسار الانقلاب على الحكم المدني في 25 أكتوبر 2021، يختزل الأزمة ويمنح أحد أطراف النزاع موقعاً تفاوضياً وسياسياً لا يستند بالضرورة إلى شرعية شعبية أو دستورية.
وهذا لا يعني أن المنظمة تدعو إلى إلغاء التعامل الدولي مع مؤسسات الدولة أو إلى تجاهل الالتزامات الدولية للدولة السودانية؛ بل تدعو إلى الفصل بين الدولة بوصفها شخصاً من أشخاص القانون الدولي، وبين السلطة الفعلية التي تسيطر على بعض مؤسساتها في لحظة معينة. كما يجب الفصل بين التواصل الضروري مع سلطة الأمر الواقع لأغراض إنسانية أو عملية، وبين منحها شرعية سياسية تمثيلية لا تستند إلى عملية انتقال ديمقراطي أو تفويض شعبي.
ومن هنا، فإن الاستناد إلى «السيادة» لتبرير استمرار تدفق السلاح يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة. السيادة لا تمنح أي سلطة حصانة من المساءلة، ولا تجعل أراضي الدولة منطقة مفتوحة لنقل الأسلحة عندما توجد مخاطر جدية من استخدامها في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. كما أن حماية المدنيين لا تتعارض مع احترام الدولة؛ بل إن حماية السكان هي في جوهر الالتزامات التي تقوم عليها الدولة والقانون الدولي.
وإذا تعذر على مجلس الأمن اعتماد حظر شامل للسلاح، فلا ينبغي أن يتحول الانقسام السياسي إلى رخصة لاستمرار اقتصاد الحرب. المطلوب عندئذ ليس الاكتفاء بتمديد النظام الحالي، وإنما الانتقال إلى استراتيجية عملية تستهدف منظومة الحرب نفسها: شبكات التمويل، وتجارة الذهب، والوسطاء والموردين، وشركات النقل، ومسارات العبور، والأصول والحسابات، والتكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيّرة، وأي جهة تقدم دعماً مالياً أو لوجستياً أو عسكرياً يمكّن أطراف النزاع من مواصلة القتال.
وتدعو المنظمة إلى توسيع العقوبات الموجهة لتشمل المسؤولين عن التمويل والتسليح والتسهيل، وليس فقط القادة الميدانيين، وإلى تعزيز قدرة فريق الخبراء التابع للجنة عقوبات السودان على تتبع مسارات السلاح والتمويل وتحديد الموردين والوسطاء والمستفيدين النهائيين. فالفريق مكلف أصلاً برصد تنفيذ حظر السلاح وتقييم الانتهاكات، بما فيها الهجمات على المدنيين والعنف الجنسي والانتهاكات ضد الأطفال؛ والمطلوب هو تحويل المعلومات التي يجمعها إلى إجراءات محددة وقابلة للإنفاذ.
كما تدعو المنظمة الدول المؤثرة إلى استخدام أدواتها الوطنية والإقليمية عندما يتعذر الإجماع داخل مجلس الأمن، بما في ذلك العقوبات المالية، وتجميد الأصول، وقيود التعاملات، وضوابط تصدير الأسلحة، وملاحقة شبكات التمويل والوساطة والنقل. ففعالية حظر السلاح لا تتوقف فقط على وجود نص دولي، وإنما على القدرة على إغلاق سلاسل الإمداد التي تجعل النص قابلاً للتجاوز.
وتولي المنظمة أهمية خاصة للطائرات المسيّرة ومكوناتها والتكنولوجيا المرتبطة بها. فقد كانت مسألة إدراج الطائرات المسيّرة وأنظمتها ومكوناتها ذات الاستخدام المزدوج ضمن نطاق الحظر من القضايا التي ظهرت في المفاوضات الأخيرة، إلى جانب مقترحات تتعلق بمنع الدعم المالي واللوجستي والعسكري للأطراف المتحاربة وتعزيز قدرات فريق الخبراء.
مسؤولية الاتحاد الإفريقي
إن موقف المنظمة من الاتحاد الإفريقي لا ينطلق من التقليل من أهمية دوره، وإنما من ضرورة أن يمارس هذا الدور باستقلالية واتساق مع مبادئه المؤسسة.
فالاتحاد الإفريقي علّق عضوية السودان عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، إلا أن أداء بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن إزاء ملف العقوبات السودانية يكشف عن فجوة بين مبدأ رفض الانقلابات وعدم الشرعية الدستورية وبين المواقف السياسية المتخذة في التعامل مع السلطة العسكرية القائمة. وقد أظهرت المفاوضات الأخيرة أن أعضاء المجلس الإفريقيين الثلاثة، إلى جانب الصين وروسيا وباكستان، عارضوا توسيع نظام العقوبات خارج دارفور، وطرحت مواقف داخل المجموعة الإفريقية صياغات تميز بين السلطات السودانية والأطراف المسلحة غير الحكومية.
وترى المنظمة أن هذا الوضع يحتاج إلى مراجعة صريحة داخل الاتحاد الإفريقي. لا يمكن أن تكون قاعدة رفض الاستيلاء العسكري على السلطة مبدأً مؤسسياً عندما يتعلق الأمر بتعليق العضوية، ثم يجري تجاوز آثار ذلك المبدأ عند التعامل السياسي مع السلطة التي نشأت في سياق الانقلاب والحرب.
وعليه، تدعو المنظمة مجلس السلم والأمن الإفريقي إلى إعادة وضع المسألة السودانية في إطارها الصحيح: أزمة دولة وانتقال سياسي انهار، ثم تحولت إلى حرب بين قوى مسلحة ومراكز سلطة متنافسة، وليست مجرد نزاع بين حكومة شرعية وقوة متمردة يمكن اختزال الحل في إعادة ترتيب العلاقة بينهما.
ويتعين على الاتحاد الإفريقي أن يتعامل مع سلطات الأمر الواقع على أساس وظيفي وواقعي حيث تقتضي الضرورة، خصوصاً في القضايا الإنسانية، دون أن يتحول ذلك إلى إضفاء شرعية سياسية أو دستورية عليها. كما يجب أن تكون حماية المدنيين، واستعادة المسار المدني، والمساءلة، ووقف الدعم الخارجي للحرب، عناصر أساسية في أي مقاربة إفريقية.
نحو سياسة دولية أكثر واقعية
ترى المنظمة أن إنهاء الحرب يتطلب تغييراً في طريقة إدارة المجتمع الدولي للملف السوداني. حظر السلاح مهم، لكنه ليس استراتيجية سلام. والعقوبات وحدها لا تكفي، لكنها تصبح ذات جدوى عندما تستهدف البنية التي تمول الحرب وتسلحها وتحمي استمرارها.
ولهذا تدعو المنظمة مجلس الأمن والدول الأعضاء إلى العمل على ثلاثة مسارات متزامنة: منع تدفق السلاح والمعدات العسكرية؛ تجفيف مصادر تمويل الحرب وشبكاتها العابرة للحدود؛ وفرض تكلفة سياسية وقانونية واقتصادية حقيقية على من يواصل الحرب أو يسهلها.
كما تدعو إلى ربط أي تخفيف مستقبلي للعقوبات بمعايير قابلة للتحقق، تشمل وقف الهجمات على المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإنهاء الانتهاكات الجسيمة، والتعاون مع آليات التحقيق والمساءلة، ووقف الدعم الخارجي الذي يطيل أمد النزاع.
إن السودان لا يحتاج إلى إدارة الحرب وإنما إلى إنهائها. ولا يمكن الوصول إلى ذلك من خلال منح أي من سلطات الأمر الواقع تفويضاً سياسياً مفتوحاً، أو التعامل مع السيطرة العسكرية باعتبارها بديلاً عن الشرعية، أو الاكتفاء بإجراءات عقابية لا تطال شبكات السلاح والتمويل التي تجعل استمرار الحرب ممكناً.
إن الاختبار الحقيقي للمجتمع الدولي، وللاتحاد الإفريقي بصفة خاصة، ليس في قدرته على إصدار بيانات جديدة، وإنما في قدرته على منع تحويل الحرب إلى وضع دائم، ومنع إعادة إنتاج الانقلاب والحكم العسكري باعتبارهما أمراً واقعاً قابلاً للتطبيع، ووضع حماية المدنيين والانتقال المدني والمساءلة في قلب أي تسوية سياسية.
وإذا تعذر على مجلس الأمن إغلاق الطريق أمام السلاح بقرار شامل، فعليه وعلى الدول القادرة على التحرك أن تعمل على إغلاق الطرق التي يصل عبرها السلاح والمال والتكنولوجيا والدعم إلى أطراف الحرب. فالحرب لا تستمر بالسلاح وحده؛ إنها تستمر بالمال، وشبكات الإمداد، والغطاء السياسي، والتطبيع مع الأمر الواقع. وإنهاء الحرب يقتضي استهداف هذه المنظومة مجتمعة. للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en
التعليقات مغلقة.