المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية الاتحاد الأفريقي وحوار السودان: مراجعة في الموقف الأفريقي وحدود الحياد المؤسسي
المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية
الاتحاد الأفريقي وحوار السودان: مراجعة في الموقف الأفريقي وحدود الحياد المؤسسي
قراءة سياسية وقانونية في ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بمبادرة الحوار السوداني–السوداني وموقعها من الأزمة الدستورية والحرب ومسار الانتقال المدني
1 سبتمبر 2026
مقدمة
تتابع المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية البيان الصادر عن مفوضية الاتحاد الأفريقي في 31 أغسطس 2026، والذي رحبت فيه المفوضية بإطلاق مبادرة لتيسير حوار سوداني–سوداني داخل السودان، تحت إشراف لجنة وصفتها بأنها مستقلة من حكماء السودان. وقد أكدت المفوضية في بيانها أن العملية ينبغي أن تقوم على الشمول والملكية والقيادة السودانية، وأن تضم مختلف المكونات المدنية والسياسية والمجتمعية، وأن تفضي إلى سودان موحد وذي سيادة، وإلى مؤسسات مدنية شرعية وبنية أمن قومي موحدة وآليات سلمية لمعالجة الخلافات السياسية والاجتماعية. ويأتي هذا الموقف في أعقاب الدعوة التي أطلقها عبدالفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، إلى إجراء حوار داخلي سوداني.
وتؤكد المنظمة أن إنهاء الحرب في السودان لا يمكن أن يتحقق من دون عملية سياسية سودانية واسعة تتعامل مع الأسباب البنيوية للأزمة وتؤسس لترتيبات دستورية جديدة تستند إلى الشرعية الشعبية والحكم المدني وسيادة القانون. ومن هذا المنطلق، فإن المنظمة لا تعترض على مبدأ الحوار السوداني–السوداني، بل تعتبر الحوار الشامل أحد العناصر الأساسية لأي تسوية سياسية مستدامة. غير أن قبول الحوار باعتباره مبدأ عاماً لا يعني قبول أي إطار يُطرح تحت هذا العنوان، إذ إن مشروعية العملية السياسية لا تستمد من اسمها وإنما من طبيعة الجهة التي تطلقها، ومن شروط المشاركة فيها، ومن البيئة التي تجري فيها، ومن مدى استقلال الجهة المشرفة عليها، ومن قدرتها على تمثيل المجتمع السياسي والمدني السوداني بصورة حقيقية، ومن عدم استخدامها لإضفاء شرعية جديدة على سلطة الأمر الواقع.
ومن هنا، ترى المنظمة أن ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بالمبادرة الحالية يحتاج إلى قراءة دقيقة في ضوء الموقف التاريخي للاتحاد من التغيير غير الدستوري في السودان، وفي ضوء طبيعة الدور الذي اضطلعت به قيادة القوات المسلحة في تعطيل الانتقال السياسي السابق، وفي ضوء استمرار الحرب والانقسام العسكري والأمني الذي يجعل الحديث عن حوار داخلي حر وشامل داخل مناطق سيطرة أحد أطراف النزاع مسألة تحتاج إلى ضمانات موضوعية لا يمكن افتراضها.
أولاً: طبيعة الترحيب الأفريقي بالمبادرة
لم تنص مفوضية الاتحاد الأفريقي في بيانها الصادر في 31 أغسطس على تأييد عبدالفتاح البرهان بصورة مباشرة، كما لم تعتبر مبادرته الإطار الوحيد للحل السياسي في السودان. وقد انصب النص الرسمي على الترحيب بإطلاق مبادرة لتيسير حوار سوداني–سوداني داخل السودان، مع التشديد على أن تكون العملية شاملة وأن تشمل المكونات المدنية والسياسية والمجتمعية وأن تقوم على الملكية والقيادة السودانية. كما ربط البيان العملية بهدف الوصول إلى سودان موحد وذي سيادة، تحكمه مؤسسات مدنية شرعية، مع وجود بنية موحدة للأمن القومي وآليات سلمية لحل الخلافات.
غير أن هذه الصياغة، على الرغم من أنها تتضمن مبادئ إيجابية، لا تعالج بصورة كافية السؤال المتعلق بمصدر المبادرة وسياقها السياسي. فالمبادرة جاءت من قائد المؤسسة العسكرية التي تولت السلطة عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، وهي المؤسسة نفسها التي أصبح السودان بسبب تدخلها العسكري في العملية السياسية خاضعاً لقرار تعليق المشاركة في أنشطة الاتحاد الأفريقي. ولذلك فإن التعامل مع المبادرة باعتبارها مجرد دعوة محايدة للحوار يتطلب من الاتحاد الأفريقي أن يوضح موقعها من هذه السابقة الدستورية والسياسية، وأن يحدد بصورة صريحة ما إذا كان الترحيب بها يعني التعامل مع الجيش بوصفه طرفاً في النزاع ينبغي إشراكه في العملية السياسية، أم أنه يعني منح القيادة العسكرية دوراً خاصاً في تحديد الإطار الذي ينبغي أن تجري من خلاله عملية إعادة تأسيس الشرعية السياسية في السودان.
وتعتبر المنظمة أن التمييز بين الأمرين أساسي. فإشراك المؤسسة العسكرية في عملية السلام أمر لا غنى عنه بحكم كونها طرفاً رئيسياً في النزاع، غير أن هذا لا يمنحها تلقائياً حق تحديد قواعد العملية السياسية أو اختيار إطارها أو تحديد القوى التي تشارك فيها. فالجيش طرف في التسوية، لكنه لا يمكن أن يكون في الوقت نفسه طرفاً ومصدراً حصرياً لقواعد التسوية.
ثانياً: الموقف الحالي ومبدأ تعليق السودان في الاتحاد الأفريقي
يكتسب الموقف الجديد أهميته من حقيقة أن الاتحاد الأفريقي سبق أن اتخذ موقفاً واضحاً من تدخل القوات المسلحة في السلطة السياسية. ففي أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021، قرر مجلس السلم والأمن الأفريقي تعليق مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد الأفريقي إلى حين استعادة النظام الدستوري. وقد أكدت المؤسسات الأفريقية المعنية في قراراتها ومواقفها أن الانقلاب أدى إلى تعطيل المؤسسات الانتقالية وقطع المسار الدستوري، وأن استعادة النظام الدستوري كانت أساساً للموقف الأفريقي تجاه السودان. كما أدانت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب الإجراءات التي أعقبت الانقلاب، بما في ذلك تعليق المؤسسات الانتقالية والاعتقالات والانتهاكات المرتبطة بقمع الاحتجاجات، ودعت إلى العودة إلى النظام الدستوري.
وفي ديسمبر 2023، أكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي آنذاك موسى فكي محمد أن انقلاب 25 أكتوبر 2021 قطع بعنف العملية الانتقالية، وأن مجلس السلم والأمن علق السودان إلى حين استعادة النظام الدستوري، في إطار التزام الاتحاد الأفريقي بمبادئه المتعلقة برفض التغييرات غير الدستورية للحكومات.
وتبعاً لذلك، فإن الموقف الحالي يضع الاتحاد الأفريقي أمام مسألة اتساق مؤسسي واضحة. فإذا كان تدخل المؤسسة العسكرية في العملية السياسية هو الذي أدى إلى تعليق مشاركة السودان، وإذا كان استعادة النظام الدستوري هو الشرط الذي ربط الاتحاد به موقفه، فإن التعامل مع قيادة المؤسسة العسكرية نفسها باعتبارها مصدراً لمبادرة سياسية وطنية يستدعي توضيحاً مؤسسياً يبين كيف ينسجم ذلك مع الموقف السابق، وما إذا كانت المفوضية تعتبر أن الظروف التي أدت إلى تعليق السودان قد تغيرت، وما هو الأساس الذي يسمح بالانتقال من التعامل مع القيادة العسكرية باعتبارها طرفاً في تغيير غير دستوري إلى التعامل معها باعتبارها جهة تطلق مبادرة سياسية لإعادة تنظيم العملية الوطنية.
ولا ترى المنظمة أن الحل يكمن في استبعاد الجيش من الحوار، وإنما في منع الخلط بين المشاركة في الحوار وبين امتلاك الشرعية السياسية. فالجيش يجب أن يكون جزءاً من عملية السلام، شأنه شأن بقية الأطراف المسلحة والسياسية، ولكن لا ينبغي أن يؤدي دوره العسكري إلى منحه موقعاً دستورياً أو سياسياً استثنائياً في عملية يفترض أن يكون هدفها النهائي تأسيس حكم مدني شرعي.
ثالثاً: مصدر المبادرة ومدى أهلية الجهة الداعية
لا يمكن تقييم مبادرة الحوار بمعزل عن سجل الجهة التي أطلقتها. عبدالفتاح البرهان ليس وسيطاً مستقلاً بين أطراف النزاع، وإنما قائد للقوات المسلحة وأحد أبرز الفاعلين السياسيين والعسكريين في الأزمة السودانية منذ سقوط نظام البشير. وقد تولى رئاسة مجلس السيادة خلال الفترة الانتقالية، ثم قاد انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أطاح بالمؤسسات المدنية الانتقالية، وهو الحدث الذي أدانه الاتحاد الأفريقي واعتبره تغييراً غير دستوري للسلطة.
كما أن البرهان كان طرفاً مركزياً في المواقف التي سبقت اندلاع الحرب وفي الخلافات المتعلقة بإعادة تشكيل العلاقة بين القوات المسلحة والقوى المدنية، وبعملية الإصلاح الأمني والعسكري، وبالاتفاق الإطاري الذي كان يفترض أن يقود إلى مرحلة انتقالية جديدة ذات قيادة مدنية. ولم تنجح العملية السياسية في الوصول إلى نهايتها، قبل أن تدخل البلاد في الحرب المفتوحة في أبريل 2023.
ومن ثم، فإن طرح البرهان نفسه باعتباره صاحب مبادرة للحوار الوطني يطرح مشكلة تتعلق بالثقة السياسية في المبادرة، لأن الجهة الداعية ليست منفصلة عن المسار الذي أنتج الأزمة الحالية. ولا يعني ذلك أن البرهان أو المؤسسة العسكرية يجب أن يُستبعدا من أي عملية سياسية، وإنما يعني أن المبادرة الصادرة عنهما لا يمكن افتراض حيادها أو استقلالها، وإنما ينبغي إخضاعها لمعايير أعلى من التحقق والضمانات، خصوصاً عندما يكون هدفها إعادة تشكيل المشهد السياسي الذي كان للقيادة العسكرية دور مباشر في تعطيله.
إن أهلية الجهة الداعية لأي حوار سياسي لا ترتبط فقط بقدرتها على تنظيمه، وإنما أيضاً بقدرتها على توفير شروط متساوية للمشاركين وعدم استخدام نفوذها العسكري أو الإداري للتأثير في مخرجاته. وهذه الشروط لا يمكن اعتبارها متوافرة بصورة تلقائية في حالة مبادرة تصدر من قيادة عسكرية تسيطر على مؤسسات الدولة في المناطق التي ستستضيف الحوار.
رابعاً: مشكلة اللجنة التي وصفتها المفوضية بالاستقلال
أشارت مفوضية الاتحاد الأفريقي إلى أن الحوار سيكون تحت إشراف لجنة مستقلة من حكماء السودان، وهو وصف يستوجب التحقق من المعايير التي استند إليها الاتحاد في إطلاقه. فالاستقلال ليس صفة شكلية ولا نتيجة تلقائية لكون أعضاء اللجنة من المدنيين أو من الشخصيات الاجتماعية؛ وإنما هو وضع مؤسسي وسياسي يمكن قياسه من خلال طريقة التشكيل، ومصادر التفويض، وطبيعة العلاقات السياسية لأعضاء اللجنة، وقدرتهم الفعلية على اتخاذ مواقف مخالفة للسلطة التي تجري المبادرة تحت نفوذها.
ولهذا فإن المنظمة ترى أن الإعلان عن استقلال اللجنة يجب أن يصاحبه نشر واضح لأسماء أعضائها وخلفياتهم السياسية والاجتماعية، وطريقة اختيارهم، والجهة التي منحتهم التفويض، وآليات اتخاذ القرار، وضمانات عدم تدخل الأجهزة التنفيذية أو العسكرية في عملهم. كما ينبغي أن تكون هناك آلية مستقلة يمكن من خلالها للأطراف السودانية الطعن في تركيبة اللجنة أو الاعتراض على أي عضو ترى أنه لا يستوفي شروط الاستقلال.
وتزداد أهمية ذلك بالنظر إلى أن البيئة السياسية في مناطق سيطرة الجيش لا تسمح بافتراض وجود حياد سياسي كامل. فهناك تشكيلات عسكرية وأمنية وقوات متحالفة مع القوات المسلحة، إلى جانب مجموعات مسلحة غير نظامية وتيارات سياسية ذات خطاب تعبوي شديد الاستقطاب. وقد برزت خلال الحرب تشكيلات مثل كتائب البراء بن مالك وغيرها من القوات والمجموعات المتحالفة مع الجيش. وفي ظل هذه البيئة، فإن مجرد الإعلان عن أن اللجنة مستقلة لا يكفي لإثبات استقلالها، ولا يكفي أيضاً لإثبات أن الأطراف المختلفة ستكون قادرة على المشاركة والتعبير عن مواقفها من دون مخاوف أمنية أو سياسية.
خامساً: البيئة السياسية والأمنية للحوار داخل السودان
إن الدعوة إلى إجراء الحوار داخل السودان تطرح مسألة جوهرية تتعلق بحرية المشاركين وسلامتهم. فالحوار السياسي لا يمكن أن يكون حراً إذا كان أحد الأطراف يملك السيطرة العسكرية والأمنية على مكان انعقاده، أو إذا كان المشاركون لا يستطيعون التعبير عن مواقفهم السياسية بحرية بسبب الخوف من الاعتقال أو التهديد أو الملاحقة.
وتتطلب العملية السياسية الحقيقية وجود ضمانات تكفل للمشاركين حرية الحركة والاجتماع والتعبير، وتسمح لهم بانتقاد جميع أطراف النزاع بما في ذلك السلطة القائمة والقوات المسلحة، من دون أن تتحول مشاركتهم إلى مصدر خطر عليهم. كما تتطلب آلية مستقلة لتوفير الحماية الأمنية وعدم ترك هذه المهمة حصراً للأجهزة التابعة لأحد أطراف الحرب.
وفي الحالة السودانية، لا يمكن افتراض توافر هذه الشروط في ظل استمرار الحرب ووجود تشكيلات مسلحة متعددة وانتشار خطاب التعبئة والاستقطاب السياسي. ولذلك فإن نقل الحوار إلى الداخل لا يصبح تلقائياً أكثر شرعية أو أكثر سودانية؛ بل قد يصبح أكثر تعرضاً لتأثير ميزان القوى المحلي إذا لم تتوافر ضمانات دولية وأفريقية واضحة تكفل استقلال العملية وأمن المشاركين فيها.
سادساً: موقف القوى المدنية من المبادرة
يمثل موقف القوى المدنية والسياسية الرافضة للمبادرة الحالية عنصراً أساسياً في تقييم مدى شمولها. فقد أعلنت قوى مدنية وسياسية سودانية مناهضة للحرب رفضها المشاركة في مبادرة البرهان وعدم اعترافها بمخرجاتها، بينما ناقشت في اجتماعات عقدت في أديس أبابا خلال أغسطس 2026 تصوراً بديلاً يقوم على مسارات سياسية وأمنية وإنسانية متوازية. كما أعلنت قوى أخرى تحفظها على الحوار الذي تقوده المؤسسة العسكرية، معتبرة أن البيئة التي ينعقد فيها لا توفر الشروط اللازمة لعملية سياسية مستقلة.
ومن وجهة نظر المنظمة، لا يمكن تجاوز هذه المواقف باعتبارها مجرد مواقف سياسية معارضة. فإذا كانت قوى مدنية رئيسية ترفض الإطار المقترح وتشكك في استقلاله، فإن الاستجابة المهنية لهذه المواقف لا تكون بإعلان شمول العملية من جانب الجهة الراعية، وإنما بفتح نقاش حقيقي حول شروط العملية نفسها. فالشمول السياسي لا يتحقق بمجرد توجيه الدعوات، وإنما يتطلب أن تكون الأطراف المختلفة قادرة على التأثير في تصميم العملية وفي قواعدها وفي أجندتها وفي آليات اتخاذ القرار.
ولا يمكن اعتبار عملية سياسية شاملة إذا كانت المشاركة فيها مشروطة مسبقاً بقبول إطار وضعه أحد أطراف النزاع، خصوصاً إذا كان الطرف نفسه يملك السيطرة العسكرية على البيئة التي ستجري فيها العملية.
سابعاً: الاتحاد الأفريقي ومشكلة الاتساق المؤسسي
ترى المنظمة أن أزمة الاتحاد الأفريقي في السودان لا تختزل في بيان 31 أغسطس، وإنما ترتبط بمشكلة أوسع تتمثل في صعوبة الحفاظ على الاتساق بين المبادئ القارية وبين الممارسة السياسية في ظروف الحرب والانقسام. فقد أكد الاتحاد الأفريقي بصورة متكررة رفضه للتغييرات غير الدستورية، ودعا إلى استعادة النظام الدستوري والحكم المدني، كما أكد ضرورة الوصول إلى سودان موحد وذي سيادة تحكمه مؤسسات مدنية شرعية.
لكن تطبيق هذه المبادئ يتطلب أن تكون المعايير المستخدمة ثابتة في التعامل مع مختلف أطراف الأزمة. فالجيش والدعم السريع والقوى السياسية والمدنية جميعها أطراف يجب أن تكون ممثلة في العملية التي تنهي الحرب، لكن أياً منها لا ينبغي أن يمتلك القدرة على احتكار تصميم العملية السياسية أو تحديد مستقبل الدولة.
ومن هنا فإن المنظمة ترى أن على الاتحاد الأفريقي أن يحافظ على الفصل بين دوره كوسيط بين أطراف النزاع وبين دوره كحارس للمبادئ الدستورية الأفريقية. فالحياد بين أطراف الحرب لا يعني الحياد بين الديمقراطية والحكم العسكري، ولا يعني التعامل مع الأمر الواقع باعتباره مرادفاً للشرعية الدستورية.
ثامناً: تأثير المصالح الإقليمية في القرار الأفريقي
تدرك المنظمة أن الحرب السودانية أصبحت جزءاً من شبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية، وأن عدداً من الدول الأفريقية والعربية المجاورة للسودان ينظر إلى الأزمة من منظور أمنه القومي ومصالحه الاستراتيجية. كما تدرك أن مصر والجزائر تمتلكان وزناً سياسياً مهماً داخل الاتحاد الأفريقي، وأن لكل منهما مصالح مباشرة أو غير مباشرة مرتبطة بمستقبل السودان واستقرار المنطقة.
ولا تدعي المنظمة، في غياب وثائق علنية تثبت ذلك، أن موقف مفوضية الاتحاد الأفريقي الأخير صدر بناءً على توجيه مباشر من مصر أو الجزائر، ولا ترى أن من المهنية تحويل فرضيات التأثير السياسي إلى وقائع ثابتة. إلا أن وجود مصالح إقليمية متعارضة حول السودان يفرض على الاتحاد الأفريقي ضرورة تعزيز استقلال قراره المؤسسي، حتى لا تتحول الأوزان السياسية للدول الأكثر نفوذاً إلى عامل يحدد الموقف القاري من عملية سياسية داخل دولة عضو.
إن حق الدول الأفريقية في حماية مصالحها الأمنية والاستراتيجية أمر مشروع، لكن هذه المصالح لا ينبغي أن تتحول إلى معيار لتحديد شرعية سلطة سودانية بعينها أو شكل النظام السياسي السوداني. فمصلحة مصر في أمن حدودها وحوض النيل، ومصلحة الجزائر في الاستقرار الإقليمي، وغيرهما من المصالح المشروعة للدول، يجب أن تُدار داخل إطار المبدأ الأفريقي الذي يقر بحق الشعوب في اختيار نظمها السياسية ومؤسساتها الدستورية.
وتعتبر المنظمة أن هذه المسألة تستوجب اهتماماً خاصاً في حالة السودان، لأن أي تسوية سياسية تتجاهل استقلال الإرادة السودانية أو تسمح بتغليب مصالح الدول ذات النفوذ الإقليمي ستظل معرضة لإعادة إنتاج الصراع بدلاً من إنهائه.
تاسعاً: خطر استخدام الحوار لإعادة إنتاج الشرعية السياسية
المخاوف الأساسية التي تثيرها المبادرة الحالية لا تتعلق بالحوار ذاته، وإنما باحتمال أن يتحول الحوار إلى آلية لإعادة بناء الشرعية السياسية من داخل موازين القوة العسكرية القائمة. فإذا بدأت العملية بدعوة من قائد الجيش، وتشكلت اللجنة المشرفة في البيئة السياسية والأمنية الواقعة تحت سيطرة المؤسسة العسكرية، ورفضت قوى مدنية رئيسية المشاركة فيها، ثم جرى تقديم المخرجات لاحقاً باعتبارها تعبيراً عن توافق وطني، فإن النتيجة قد تكون إعادة إنتاج الوضع القائم في صورة شرعية سياسية جديدة.
وهذا الاحتمال يجب أن يكون محل اهتمام خاص من الاتحاد الأفريقي، لأن الهدف من العملية السياسية لا ينبغي أن يكون تثبيت نتائج الحرب أو منح الشرعية لمن يسيطر على مؤسسات الدولة، وإنما معالجة الأسباب التي أدت إلى الحرب وإنشاء ترتيبات دستورية تمنع تكرارها.
وتؤكد المنظمة أن الشرعية السياسية لا يمكن أن تستمد من السيطرة العسكرية، كما لا يمكن أن تنتج من حوار غير متكافئ بين أطراف لا تتمتع بالقدرة نفسها على الحركة والتعبير والتنظيم. الشرعية في نهاية المطاف يجب أن تستند إلى إرادة السودانيين وإلى نظام دستوري ديمقراطي يحظى بالقبول الشعبي.
عاشراً: ما ينبغي على الاتحاد الأفريقي فعله
ترى المنظمة أن ترحيب المفوضية بالمبادرة يمكن أن يتحول إلى موقف أكثر اتزاناً إذا قامت المفوضية بتوضيح أن الترحيب بالحوار لا يعني الاعتراف بأي سلطة عسكرية باعتبارها الممثل السياسي الحصري للسودانيين، وأن المبادرة لا يمكن أن تحل محل عملية سياسية شاملة يشارك في تصميمها جميع أصحاب المصلحة الرئيسيين. كما ينبغي للمفوضية أن تطلب نشر المعايير التي تم على أساسها تشكيل لجنة الحكماء، وأن تتحقق بصورة مستقلة من استقلال أعضائها ومن قدرتهم على العمل بعيداً عن تأثير السلطة العسكرية أو أي طرف من أطراف الحرب.
ويتعين كذلك ضمان مشاركة القوى المدنية والسياسية والمجتمعية التي ترفض المبادرة الحالية، وعدم التعامل مع رفضها للإطار باعتباره سبباً لاستبعادها. وينبغي توفير ضمانات عملية لحرية المشاركين وأمنهم، وإيجاد آلية مستقلة للتحقق من عدم تعرض أي مشارك للضغط أو الاعتقال أو التهديد بسبب مواقفه السياسية.
كما يتعين على الاتحاد الأفريقي أن يربط أي عملية سياسية بمسار واضح لوقف الحرب وحماية المدنيين، وأن يجعل الهدف النهائي للعملية هو تأسيس حكم مدني ديمقراطي، وإعادة بناء المؤسسات الدستورية، وإعادة تشكيل القطاع الأمني والعسكري على أساس مؤسسة وطنية موحدة خاضعة للسلطة المدنية، مع معالجة الانتهاكات الجسيمة ومبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
والأهم من ذلك أن يوضح الاتحاد الأفريقي العلاقة بين المبادرة الحالية وقراراته السابقة بشأن تعليق مشاركة السودان عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، حتى لا ينشأ انطباع بأن المعيار الذي طبقه الاتحاد الأفريقي على السودان في أعقاب الانقلاب قد أصبح قابلاً للتجاوز عندما تكون المبادرة السياسية صادرة عن القيادة العسكرية نفسها.
موقف المنظمة
تؤكد المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية أن موقفها من المبادرة الحالية لا يقوم على رفض الحوار ولا على الدعوة إلى استبعاد القوات المسلحة أو أي طرف من أطراف الحرب من العملية السياسية. فالجيش والدعم السريع والقوى المدنية والسياسية والمجتمعية جميعها أطراف لا يمكن تجاوزها إذا كان الهدف هو الوصول إلى تسوية شاملة تنهي الحرب وتعيد بناء الدولة السودانية. غير أن المشاركة في عملية السلام لا تعني امتلاك حق تحديد شكل الدولة أو احتكار العملية السياسية.
وترى المنظمة أن المبادرة الحالية تحتاج إلى إعادة تقييم من منظور الاستقلال والشمول والشرعية الدستورية، وأن التعامل معها ينبغي ألا يتجاوز حقيقة أنها مبادرة صادرة عن قائد عسكري يمثل أحد أطراف النزاع وفي بيئة سياسية وأمنية تخضع بدرجة كبيرة لنفوذ المؤسسة التي يقودها. كما أن وصف اللجنة المشرفة بأنها مستقلة يحتاج إلى إثبات موضوعي من خلال معايير تشكيلها وتركيبتها وآليات عملها، وليس بمجرد الإعلان عنها بهذه الصفة.
وتعتبر المنظمة أن الاتحاد الأفريقي يملك مسؤولية خاصة تجاه السودان، ليس فقط باعتباره طرفاً أفريقياً قادراً على الوساطة، وإنما باعتباره المؤسسة القارية التي وضعت لنفسها قواعد واضحة بشأن رفض الانقلابات والتغييرات غير الدستورية، وربطت عودة السودان إلى المشاركة الطبيعية باستعادة النظام الدستوري. ولذلك فإن مصداقية الاتحاد في السودان تعتمد بدرجة كبيرة على قدرته على تطبيق هذه المبادئ بصورة متسقة، وعلى عدم السماح بتحويل الحاجة إلى إنهاء الحرب إلى مبرر لتجاوز المسألة الدستورية أو لإضفاء شرعية جديدة على سلطة الأمر الواقع.
إن السودان يحتاج إلى عملية سياسية تعالج أسباب الحرب، وليس إلى عملية تعيد توزيع السلطة بين أطرافها؛ ويحتاج إلى مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، وليس إلى استمرار التنافس بين مراكز القوة المسلحة؛ ويحتاج إلى حكم مدني ديمقراطي يستند إلى الشرعية الشعبية، وليس إلى ترتيب سياسي جديد يستند إلى نتائج الحرب أو إلى موازين السيطرة العسكرية.
ومن هذا المنطلق، تدعو المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية مفوضية الاتحاد الأفريقي إلى إعادة النظر في مقاربتها للمبادرة الحالية، وإلى إخضاعها لمعايير واضحة تتعلق بالشرعية الدستورية والاستقلال والشمول وحرية المشاركة، وإلى ضمان ألا تتحول العملية إلى وسيلة لإعادة تأهيل سلطة الأمر الواقع أو تجاوز القوى المدنية الرافضة لها.
كما تدعو المنظمة الدول الأفريقية ذات النفوذ، وفي مقدمتها مصر والجزائر، إلى ممارسة أدوارهما الإقليمية والقارية بما يحافظ على استقلال القرار الأفريقي ويمنع اختزال الأزمة السودانية في الحسابات الأمنية للدول المجاورة. فاستقرار السودان مصلحة إقليمية مشتركة، ولكن استقراراً يقوم على تثبيت موازين القوة التي أنتجت الحرب لن يكون بديلاً عن السلام المستدام.
إن مسؤولية الاتحاد الأفريقي في هذه المرحلة لا تتمثل في اختيار طرف سوداني على حساب آخر، وإنما في حماية القواعد التي ينبغي أن تحكم العملية السياسية. كما لا تتمثل في إنتاج أسرع تسوية ممكنة، وإنما في دعم تسوية قابلة للاستمرار، تقوم على الشرعية الدستورية والمشاركة السياسية الواسعة وحماية المدنيين والمساءلة وإعادة بناء الدولة.
وعليه، فإن المنظمة ترى أن أي حوار سوداني–سوداني لن يكتسب مشروعيته من كونه يعقد داخل السودان أو من كونه يحمل تسمية وطنية، وإنما من مدى استقلاله وشموله وحريته وقدرته على إنهاء منطق الحكم بالقوة وإعادة تأسيس الدولة السودانية على قاعدة مدنية ديمقراطية. إن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يؤدي إلى إعادة إنتاج النظام السياسي الذي عجز عن منعها، كما أن السلام لا ينبغي أن يتحول إلى آلية لإضفاء الشرعية على موازين القوة التي نشأت عنها. للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en
التعليقات مغلقة.