المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية بيان بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لانقلاب الثلاثين من يونيو 1989
المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية
بيان بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لانقلاب الثلاثين من يونيو 1989
ثلاثة عقود ونصف من تقويض الدولة… والدروس التي لا يجوز للسودانيين نسيانها
30 يونيو 2026
تحل الذكرى السابعة والثلاثون لانقلاب الثلاثين من يونيو 1989، بينما يعيش السودان واحدة من أكثر مراحله مأساوية منذ تأسيس الدولة الحديثة، في ظل حرب مدمرة، وانهيار غير مسبوق لمؤسسات الدولة، وأزمة إنسانية تُعد من أكبر الأزمات في العالم. وتفرض هذه الذكرى على السودانيين وقفة تأمل ومراجعة وطنية عميقة، ليس لاستحضار الماضي فحسب، وإنما لفهم جذور الأزمة البنيوية التي أوصلت البلاد إلى واقعها الراهن.
لم يكن انقلاب الثلاثين من يونيو مجرد تغيير للحكم بواسطة القوة العسكرية، وإنما مثل انقلاباً شاملاً على الدستور، والمؤسسات المدنية، والتعددية السياسية، وسيادة القانون، ومبدأ التداول السلمي للسلطة. كما مثّل نقطة تحول أعادت تشكيل الدولة السودانية وفق مشروع أيديولوجي احتكر السلطة، وأخضع مؤسسات الدولة والحياة العامة لمصلحة تنظيم سياسي واحد، على حساب التنوع الذي عُرف به السودان عبر تاريخه.
لقد جاء الانقلاب في لحظة كانت البلاد تقترب فيها من فرصة تاريخية لإنهاء الحرب الأهلية عبر الحوار السياسي، بعد التطورات التي شهدتها مبادرات السلام، وعلى رأسها اتفاق الميرغني–قرنق، والاستعداد لانعقاد المؤتمر الدستوري، والاتجاه نحو معالجة القضايا الخلافية بالحوار الديمقراطي. غير أن تلك الفرصة أُجهضت بانقلاب عسكري أنهى التجربة الديمقراطية الثالثة قبل أن تستكمل مسارها.
وخلال العقود الثلاثة التي أعقبت الانقلاب، شهد السودان تحولات عميقة تركت آثاراً ما تزال البلاد تعاني منها حتى اليوم. فقد توسعت دائرة النزاعات المسلحة، وتصاعدت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتراجعت استقلالية القضاء، وتعرضت الخدمة المدنية والمؤسسات العسكرية والأمنية لعمليات إعادة تشكيل على أساس الولاء السياسي، كما تدهورت الأوضاع الاقتصادية بصورة متسارعة نتيجة سياسات الإقصاء والفساد وضعف الحوكمة، الأمر الذي انعكس على حياة ملايين السودانيين.
كما أسهمت تلك السياسات في تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وأضعفت مؤسسات الدولة، ووسعت فجوة الثقة بين المواطنين والدولة، وأدت في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان، واستمرار النزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، قبل أن تنزلق البلاد مجدداً إلى الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، والتي كشفت بصورة جلية حجم التشوهات التي أصابت مؤسسات الدولة خلال العقود السابقة.
ولا يمكن فهم الحرب الدائرة اليوم بمعزل عن الإرث السياسي والأمني والمؤسسي الذي خلفه انقلاب 1989. فإضعاف مؤسسات الدولة، وتسييس القوات النظامية، وتغليب الولاءات التنظيمية على المهنية، وإضعاف مؤسسات العدالة والمساءلة، كلها عوامل تراكمت عبر سنوات طويلة وأسهمت في إنتاج البيئة التي انفجر فيها الصراع الحالي.
إن المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية، تؤكد أن مراجعة هذه المرحلة لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة لتبادل الاتهامات السياسية أو إنتاج خطاب الكراهية، وإنما يجب أن تكون مدخلاً لبناء ذاكرة وطنية قائمة على الحقيقة والاعتراف بالمسؤوليات، لأن الدول لا تنهض إلا عندما تواجه تاريخها بشجاعة وشفافية.
كما تؤكد أن احترام النظام الدستوري، ورفض الاستيلاء على السلطة بالقوة، وإخضاع جميع المؤسسات العسكرية والأمنية لسلطة مدنية ديمقراطية، تمثل مبادئ أساسية لا غنى عنها لبناء دولة مستقرة وقادرة على حماية مواطنيها.
وفي هذه الذكرى، نجدد التأكيد على أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال معالجة الأسباب الجذرية للصراعات، وفي مقدمتها غياب العدالة، والإفلات من العقاب، والتهميش السياسي والاقتصادي، واستخدام الدين أو العرق أو الجهة أدواتٍ للصراع السياسي. كما أن بناء دولة المواطنة وسيادة القانون يتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً، واستقلال القضاء، وضمان عدم تكرار الانقلابات العسكرية بأي صورة من الصور.
إن التجربة السودانية خلال العقود السبعة الماضية أثبتت أن الانقلابات العسكرية، مهما رفعت من شعارات، لا تنتج استقراراً دائماً، وإنما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات، وتقويض الثقة العامة، وإطالة أمد النزاعات، وتأخير التنمية، وإهدار طاقات الشعوب.
وبهذه المناسبة، تدعو المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية إلى:
* الحفاظ على الذاكرة الوطنية وتوثيق جميع الانتهاكات والانقلابات التي شهدها السودان باعتبارها جزءاً من مسار العدالة الانتقالية.
* دعم مسارات الحقيقة والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال مختلف مراحل النزاع.
* الالتزام بالمبادئ الدستورية والديمقراطية، وتجريم الاستيلاء على السلطة بالقوة، وترسيخ التداول السلمي للسلطة.
* إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس المهنية والاستقلال والكفاءة بعيداً عن الانتماءات الحزبية أو الأيديولوجية.
* إطلاق حوار وطني شامل يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحترام التنوع، بما يضمن معالجة جذور الأزمات التاريخية التي قادت إلى الحروب والانقسامات.
إن ذكرى الثلاثين من يونيو ليست مجرد مناسبة لاستذكار حدث سياسي مضى عليه سبعة وثلاثون عاماً، بل هي تذكير مستمر بثمن الانقلاب على الإرادة الشعبية، وبأن حماية الديمقراطية ليست مسؤولية الحكومات وحدها، وإنما مسؤولية المجتمع بأسره.
وإذا كان السودان يسعى اليوم إلى الخروج من إحدى أكثر المراحل دموية في تاريخه، فإن أولى خطوات المستقبل تبدأ بالاعتراف الصريح بدروس الماضي، وعدم السماح بتكرارها، وبناء دولة حديثة تقوم على الحرية والعدالة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية، باعتبارها الضمانة الوحيدة لتحقيق السلام الدائم والاستقرار والتنمية. للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en
التعليقات مغلقة.