OAAHD

السلام: من المفهوم النظري إلى البناء الاجتماعي واستراتيجيات الصيانة في النظام الدولي المعاصر (دراسة تحليلية نقدية في فلسفة السلام وعلاقاته الدولية) 17 مارس 2026

السلام: من المفهوم النظري إلى البناء الاجتماعي واستراتيجيات الصيانة في النظام الدولي المعاصر

(دراسة تحليلية نقدية في فلسفة السلام وعلاقاته الدولية)

17 مارس 2026


تقديم

يقدم هذا البحث الذي أعدته المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية رؤية أكاديمية متعمقة لمفهوم السلام، انطلاقاً من قناعتنا بأن السلام الحقيقي يتجاوز غياب الحرب ليشمل بناءً اجتماعياً معقداً يراعي العدالة والتنمية. ويسعى العمل إلى سد الفجوة بين التنظير الفلسفي للسلام وإخفاقات تطبيقه الميداني، عبر تقديم تحليلات نقدية وتوصيات عملية تسترشد بها الحكومات ومنظمات المجتمع المدني. نأمل أن يسهم هذا الجهد في إثراء النقاش حول بناء سلام مستدام، خاصة في المناطق الهشة بأفريقيا والشرق الأوسط.

المقدمة العامة

1. خلفية الدراسة وأهميتها المعرفية والإنسانية

السلام، بهذه البساطة التي تتردد بها الكلمة على الألسنة، يحمل في طياته أعقد المسائل الإنسانية وأكثرها إلحاحاً. ليس السلام مجرد كلمة تُلقى في الخطب السياسية، ولا هو شعار ترفعه المنظمات الدولية في مناسباتها السنوية، بل هو الحالة الطبيعية التي تتوق إليها النفس البشرية، والشرط الأساسي لازدهار المجتمعات وتحقيق التقدم الحضاري. إنه البيئة الحاضنة التي وحدها تسمح للإنسان بأن يعمر الأرض، ويبدع في الفنون، ويطور العلوم، ويبني حضارات تمتد لآلاف السنين.

ولكن، وبالمفارقة التاريخية الكبرى التي تستحق التأمل، نجد أن تاريخ البشرية المسجل هو تاريخ حروب وصراعات أكثر منه تاريخ سلام. لقد أمضى الإنسان قروناً طويلة، بل آلاف السنين، وهو يطور أدوات القتل والدمار، من السيف والرمح إلى الطائرات المسيرة والقنابل الذرية. في المقابل، بقيت أدوات بناء السلام، وهي أدوات الحوار والتفاهم والعدالة، بدائية وغير فعالة في معظم الأحيان. هذه المفارقة تضعنا أمام سؤال جوهري: هل العنف متأصل في الطبيعة البشرية، أم أن السلام حالة يمكن بناؤها وتعلمها واستدامتها؟

تكمن أهمية هذه الدراسة في كونها تتصدى لهذا السؤال المركزي الذي شغل الفلاسفة والمفكرين والسياسيين عبر العصور: كيف نبني سلاماً حقيقياً ومستداماً؟ ولكنها تفعل ذلك بعيداً عن الشعارات والخطابات الإنشائية، وبالقرب من التحليل العلمي الرصين والنقد الموضوعي. إنها دراسة تسعى إلى فهم ظاهرة السلام بكل تعقيداتها وتشابكاتها، انطلاقاً من قناعة راسخة بأنه لا يمكن حل مشكلة إلا بعد فهمها فهماً عميقاً وشاملاً. فكما يقول عالم الاجتماع النرويجي يوهان غالتونغ، أحد رواد دراسات السلام العلمية، إن دراسة الحرب وحدها لا تكفي، بل هي تشبه دراسة الأمراض دون دراسة الصحة. إذا أردنا بناء السلام، يجب أن نفهم ما هو السلام في جوهره، وما هي مكوناته، وما هي شروط تحققه واستمراره.

في عالمنا المعاصر، ورغم تراجع الحروب التقليدية التي تشنها الدول ضد بعضها البعض، نعيش مفارقة أخرى لا تقل صدمة. فها هي النزاعات الداخلية تتصاعد بشكل دراماتيكي، ويعاني الملايين من ويلات الحروب الأهلية والعنف المنظم، وتتفاقم أزمات اللجوء والنزوح الجماعي، ويتسع مد الإرهاب العابر للحدود. لقد كشفت التجارب المرة في الصومال وأفغانستان والعراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان وأوكرانيا أن مجرد توقف إطلاق النار لا يعني بتاتاً تحقيق السلام المنشود، بل قد يكون مقدمة لانفجار جديد أشد عنفاً إذا لم تُعالج الجذور العميقة للنزاع. كما كشفت هذه التجارب أن السلام الهش الذي يفرضه توازن الرعب أو القمع يمكن أن ينهار في لحظة، تاركاً وراءه دماراً أكبر.

هذه المعطيات المركبة تجعل من دراسة السلام ضرورة معرفية وإنسانية في آن معاً. إنها ضرورة معرفية لأنها تساعدنا على فهم آليات عمل المجتمعات البشرية، وكيف تنشأ الصراعات، وكيف يمكن إدارتها أو تحويلها. وهي ضرورة إنسانية لأنها تقدم أدوات عملية يمكن أن تساهم في تخفيف المعاناة الإنسانية الهائلة، وبناء مستقبل أكثر أمناً وكرامة للأجيال القادمة. إن البحث في السلام هو، في التحليل الأخير، بحث في جوهر الإنسانية ذاتها، وفي إمكانية تجاوز الإنسان لغرائزه العدوانية وبناء مجتمعات تقوم على التعاون والعدالة والكرامة، وهي قيم ليست مجرد مثالية، بل هي شرط بقائنا على هذا الكوكب.

2. الإشكالية الرئيسية والأسئلة البحثية المتشعبة

تتمثل الإشكالية المركزية لهذا البحث في التفاوت الصارخ والتناقض الواضح بين التنظير الفلسفي والسياسي للسلام كقيمة إنسانية عليا يتفق عليها الجميع نظرياً، وبين الفشل المتكرر والمأساوي في تطبيقه على أرض الواقع بشكل عادل ومستدام. كيف يمكن تفسير هذه الفجوة العميقة بين القول والفعل؟ لماذا تنهار معظم اتفاقيات السلام بعد سنوات قليلة من توقيعها وسط احتفالات دولية كبرى؟ لماذا تنتقل المجتمعات من دائرة العنف المباشر، أي الحرب، إلى دائرة العنف البنيوي والثقافي، أي الظلم المنظم والفقر المدقع والتهميش الممنهج وخطاب الكراهية، بدلاً من أن تنتقل إلى دائرة السلام الحقيقي؟

تكشف الدراسات الإحصائية عن حقيقة مقلقة، وهي أن أكثر من نصف اتفاقيات السلام الموقعة في العقود الأخيرة تنهار خلال السنوات الخمس الأولى، لتعود دائرة العنف إلى الدوران من جديد. هذا الواقع المأزوم يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة السلام الذي نسعى إليه، وعن آليات بنائه، وعن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكفيلة باستدامته. هل السلام، كما يعتقده البعض، هو مجرد وقف لإطلاق النار وتوقيع معاهدة؟ أم هو حالة أعمق بكثير تتعلق بإحساس الناس بالعدالة والإنصاف والكرامة، وبمشاركتهم في القرار المصيري، وبحصولهم على فرص متكافئة في الحياة؟

من هنا، يطرح البحث سؤالاً رئيسياً واحداً يتفرع عنه أسئلة أخرى، وهذا السؤال هو:

كيف يمكن الانتقال من مفهوم السلام السلبي، القائم على إنهاء الحرب فقط، إلى بناء سلام إيجابي مستدام، قائم على العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة واحترام حقوق الإنسان والمشاركة السياسية، في المجتمعات الهشة والخارجة من النزاعات؟

وتتفرع عن هذا السؤال الرئيسي أسئلة فرعية متعددة تتطلب إجابات معمقة ومتشعبة:

· أولاً: ما هي الأسس النظرية والتاريخية لمفهوم السلام؟ كيف تطور هذا المفهوم عبر العصور، وكيف أثرت الفلسفات القديمة والأديان التوحيدية والتحولات الكبرى في الفكر السياسي الحديث في تشكيل رؤيتنا المعاصرة للسلام؟
· ثانياً: كيف يمكن قياس السلام وتحديد مؤشراته بدقة؟ هل يكفي قياس غياب الحرب، أم يجب تطوير مؤشرات أكثر تعقيداً تقيس العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية واحترام حقوق الإنسان؟ وكيف يمكن لهذه المؤشرات أن تساعد في توجيه السياسات العامة نحو سلام أكثر استدامة؟
· ثالثاً: ما هي آليات بناء السلام الأكثر فعالية في سياقات ما بعد النزاع؟ كيف يمكن التوفيق بين متطلبات العدالة، أي محاكمة مرتكبي الجرائم، ومتطلبات المصالحة الوطنية التي تحتاج إلى تجاوز الماضي؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه آليات العدالة الانتقالية مثل لجان تقصي الحقائق في هذا السياق؟ وكيف يمكن إعادة دمج آلاف المقاتلين السابقين في المجتمع بشكل ناجح؟
· رابعاً: ما هو دور الفاعلين الدوليين والمحليين في بناء السلام؟ كيف يمكن التوفيق بين التدخل الدولي، الذي غالباً ما يكون ضرورياً لوقف العنف، واحترام السيادة الوطنية والتملك المحلي لعمليات السلام، أي شعور أبناء المجتمع بأن السلام “سلامهم” وليس “سلاماً مفروضاً”؟ وما هو الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه المرأة والشباب ومنظمات المجتمع المدني في هذه العمليات؟
· خامساً وأخيراً: ما هي أبرز التحديات التي تواجه استدامة السلام في القرن الحادي والعشرين؟ كيف تؤثر التحولات في طبيعة النزاعات، من حروب بين دول إلى حروب أهلية داخلية، على فرص بناء السلام؟ وكيف يتداخل الإرهاب العابر للحدود مع النزاعات المحلية؟ وكيف يؤثر التفاوت الاقتصادي الحاد وتغير المناخ على استقرار المجتمعات الهشة، ويحولها إلى قنابل موقوتة؟

3. أهداف البحث النظرية والتطبيقية

يسعى هذا البحث إلى تحقيق مجموعة من الأهداف النظرية والتطبيقية التي تندرج ضمن مشروع معرفي متكامل لفهم ظاهرة السلام:

أولاً: الأهداف النظرية:

· تأصيل المفهوم: يهدف البحث إلى تقديم تحليل دقيق وشامل لتطور مفهوم السلام فلسفياً ونظرياً، من جذوره في الفلسفات الشرقية القديمة واليونانية الكلاسيكية، مروراً بالتصورات الدينية في اليهودية والمسيحية والإسلام، وصولاً إلى صياغاته الحديثة في مشاريع السلام الدائم في عصر التنوير ونظريات العلاقات الدولية المعاصرة.
· التمييز بين مستويات السلام: يسعى البحث إلى توضيح الفروقات الجوهرية بين السلام السلبي والسلام الإيجابي، بالاعتماد على النموذج الغالتونغي، والكشف عن الآثار العميقة لهذا التمييز على السياسات والممارسات الدولية والمحلية في مجال بناء السلام. الهدف هو تجاوز الفهم السطحي للسلام إلى فهم أعمق يلامس جوهر المشكلة.
· التحليل المقارن للنظريات: يهدف البحث إلى تقديم دراسة مقارنة نقدية لأهم النظريات المفسرة للسلام في حقل العلاقات الدولية، وهي الليبرالية والواقعية والبنائية، بالإضافة إلى النظريات النقدية كالماركسية وما بعد الكولونيالية والنسوية. سيتم التركيز على نقاط القوة والضعف في كل نظرية، ومدى قدرتها على تفسير ظواهر السلام والنزاع في العالم المعاصر المعقد.
· بناء إطار تحليلي متكامل: يسعى البحث، من خلال الجمع بين المقاربات النظرية المختلفة والمستويات التحليلية المتعددة، إلى بناء إطار تحليلي متكامل يمكن من خلاله فهم ظاهرة السلام بكل تعقيداتها وتشابكاتها.

ثانياً: الأهداف التطبيقية:

· تحليل الآليات: يهدف البحث إلى استعراض ونقد أهم الآليات الدولية والمحلية لبناء السلام وصيانته، مع التركيز على الدبلوماسية الوقائية، وعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بأجيالها المختلفة، والعدالة الانتقالية بمكوناتها الأربعة، وإصلاح المؤسسات الأمنية، والمصالحة الوطنية، ودور المجتمع المدني والمرأة والشباب.
· تشخيص التحديات: يهدف البحث إلى تحديد وتحليل أبرز العقبات والتحديات التي تحول دون تحقيق سلام مستدام في النظام الدولي المعاصر، مع التركيز بشكل خاص على التحديات الجديدة والصاعدة مثل تغير المناخ وأمن الموارد، والإرهاب العابر للحدود، وتحول طبيعة النزاعات.
· تقديم توصيات عملية: يسعى البحث في خاتمته إلى صياغة مجموعة من التوصيات العملية والقابلة للتطبيق لصانعي القرار والدبلوماسيين والعاملين في مجال بناء السلام. ستستند هذه التوصيات إلى التحليل النظري العميق والدروس المستخلصة من التجارب المقارنة، بهدف المساهمة في تطوير سياسات بناء السلام على المستويين الوطني والدولي، وجعلها أكثر فعالية واستدامة.

4. منهجية البحث والأدوات التحليلية المستخدمة

لتحقيق أهدافه المعرفية والتحليلية، وللإحاطة بظاهرة معقدة ومتشعبة مثل السلام، يعتمد هذا البحث على منهجية مركبة تجمع بين عدة مناهج وأدوات تحليلية، بما يضمن شمولية التحليل وعمقه:

· أولاً: المنهج التحليلي النقدي: يشكل هذا المنهج العمود الفقري للبحث. فهو يقوم على تفكيك النظريات والمفاهيم والأدبيات المتعلقة بالسلام، وتحليل مكوناتها الأساسية، والكشف عن الافتراضات الكامنة وراءها، ثم نقدها نقداً موضوعياً يبرز نقاط القوة والضعف والتناقضات الداخلية فيها. هذا المنهج لا يكتفي بالوصف أو العرض المجرد، بل يتجاوزه إلى التحليل العميق والنقد البناء الذي يكشف عن الإشكاليات الكامنة في الخطابات والممارسات المتعلقة بالسلام.
· ثانياً: منهج دراسة الحالة المقارن: يستعين البحث بهذا المنهج بشكل موسع لتحليل نماذج مختارة من عمليات بناء السلام في سياقات مختلفة ومتباينة، بهدف استخلاص أنماط النجاح والإخفاق وعواملها الأساسية. من أبرز دراسات الحالة التي سيتناولها البحث بالتحليـل:
· تجربة رواندا (1994-2026): كيف تم الانتقال من واحدة من أسوأ حالات الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث إلى عملية بناء سلام ومصالحة وطنية؟ ما هي عوامل نجاح هذه التجربة الفريدة، وما هي التحديات التي لا تزال تواجهها؟
· تجربة البوسنة والهرسك (1995-2026): كيف تمكن اتفاق دايتون من إنهاء الحرب، ولكن على حساب خلق نظام سياسي معقد ومتشظٍ يعكس الانقسامات الإثنية ويعيد إنتاجها؟ وهل كان هذا السلام الذي تم فرضه دولياً سلاماً مستداماً أم مجرد تجميد للنزاع ليعود بشكل آخر؟
· تجربة كولومبيا (2016-2026): كيف تم التفاوض مع أكبر حركة تمرد في نصف الكرة الغربي، وهي القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)؟ وما هي التحديات الهائلة التي واجهت عملية تنفيذ اتفاق السلام، خاصة في المناطق الريفية النائية، وفي ظل استمرار نشاط الجماعات المسلحة الأخرى؟
· ثالثاً: منهج تحليل الخطاب: يعتمد البحث على هذا المنهج لتحليل الخطابات السياسية والدينية والإعلامية المرتبطة بالسلام والعنف. الهدف هو الكشف عن الآليات اللغوية والبلاغية التي تستخدم لتبرير العنف، أو لتحريضه، أو بالمقابل لبناء ثقافة السلام والتسامح. هذا المنهج يساعد على فهم كيف يمكن للغة أن تكون أداة للعنف الثقافي، وكيف يمكن أيضاً أن تكون أداة فعالة للمصالحة وبناء الثقة بين المجتمعات المنقسمة.
· رابعاً: المنهج التاريخي: يستخدم البحث هذا المنهج في تتبع تطور مفهوم السلام عبر العصور، وفي تحليل التحولات الكبرى في النظام الدولي التي أثرت بشكل عميق على فرص بناء السلام وإدارة النزاعات، مثل صلح وستفاليا الذي أسس لنظام الدولة القومية، والحربين العالميتين اللتين أفضتا إلى إنشاء الأمم المتحدة، ونهاية الحرب الباردة التي فتحت آفاقاً جديدة لعمليات السلام.
· خامساً: منهج تحليل النظم: يستخدم هذا المنهج لتحليل التفاعلات المعقدة وغير الخطية بين العوامل المختلفة المؤثرة في السلام، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو بيئية. الهدف هو الكشف عن العلاقات الجدلية والتفاعلات الديناميكية بين هذه العوامل، وفهم كيف يمكن لخلل في عامل واحد أن يؤثر على النظام بأكمله.

يُصنف هذا البحث ضمن البحوث النظرية التأصيلية التي تسعى إلى بناء إطار متكامل لفهم الظاهرة، مع الاستفادة القصوى من الأدلة التجريبية المستقاة من دراسات الحالة والتقارير الدولية الموثوقة.

5. الدراسات السابقة وموقع البحث منها (تحديد الفجوة المعرفية)

حظي موضوع السلام باهتمام كبير من الباحثين والدارسين في مختلف التخصصات، من العلوم السياسية والعلاقات الدولية إلى علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والفلسفة. ويمكن تصنيف هذه الدراسات ضمن عدة اتجاهات رئيسية:

· الاتجاه الأول: الدراسات النظرية التأصيلية: وهي الدراسات التي تركز على تأصيل مفهوم السلام وتتبع تطوره التاريخي وتحليل أبعاده الفلسفية. من أبرز هذه الدراسات أعمال يوهان غالتونغ (1969، 1996) التي أحدثت ثورة في مجال دراسات السلام بمفهوميه عن السلام السلبي والسلام الإيجابي والعنف الثلاثي. كذلك أعمال ديفيد باراش وتشارلز ويبل (2018) التي تقدم مدخلاً شاملاً ومحدثاً لدراسات السلام والنزاع. ورغم أهمية هذه الدراسات، إلا أنها غالباً ما تظل في إطار نظري عام دون الدخول في تحليل مفصل للتطبيقات العملية والسياقات المحلية المختلفة.
· الاتجاه الثاني: دراسات آليات بناء السلام: وهي الدراسات التي تركز على تحليل الآليات المحددة لبناء السلام، مثل عمليات حفظ السلام (دراسات دويل وسامبانيس، 2006)، والعدالة الانتقالية (دراسات كيسلر، 2010)، ولجان الحقيقة والمصالحة (دراسة هايدن، 2008)، وإعادة دمج المقاتلين (دراسات همفريز وينشتاين، 2007). تتميز هذه الدراسات بالتركيز على الجوانب العملية والتفاصيل التقنية، ولكنها غالباً ما تفتقر إلى التأصيل النظري الكافي، أو تركز على آلية واحدة دون ربطها بباقي الآليات في إطار متكامل.
· الاتجاه الثالث: دراسات الحالة المقارنة: وهي الدراسات التي تحلل تجارب محددة في بناء السلام، مثل دراسة سيفيرين أوتيسر (2010) عن فشل بناء السلام في الكونغو الديمقراطية، ودراسة رولاند باريس (2004) عن بناء السلام بعد انتهاء الحروب الأهلية في عدة دول. هذه الدراسات تقدم رؤى قيمة وغنية حول العوامل المحلية والدولية المؤثرة في نجاح أو فشل عمليات السلام، لكنها غالباً ما تفتقر إلى إطار نظري موحد يمكن من تعميم النتائج واستخلاص دروس قابلة للتطبيق في سياقات أخرى.
· الاتجاه الرابع: دراسات التحديات المعاصرة: وهي الدراسات التي تركز على التحديات الجديدة والمستجدة التي تواجه السلام، مثل الإرهاب (دراسة كرونين، 2009)، وتغير المناخ (دراسة بارنت وأدجر، 2007)، والحروب الجديدة (دراسة ماري كالدور، 2012). هذه الدراسات مهمة لمواكبة التحولات المعاصرة في النظام الدولي، لكنها غالباً ما تنظر إلى كل تحد على حدة، دون تحليل التشابكات والتفاعلات المعقدة بينها.

تحديد الفجوة المعرفية:

من خلال استعراض وتحليل هذه الاتجاهات الرئيسية في الدراسات السابقة، يمكننا تحديد الفجوة المعرفية التي يسعى هذا البحث إلى سدها:

1. الافتقار إلى التكامل: تعاني معظم الدراسات السابقة من الافتقار إلى التكامل بين المستويات التحليلية المختلفة، فهي إما نظرية بحتة، أو تطبيقية تركز على آلية واحدة، أو دراسة حالة لا تقدم إطاراً عاماً. هذا البحث يسعى إلى سد هذه الفجوة من خلال تقديم دراسة شاملة ومتكاملة تجمع بين التأصيل النظري والتحليل التاريخي ودراسة الآليات العملية وتشخيص التحديات المعاصرة.
2. الفصل بين التنظير والممارسة: هناك فجوة واضحة بين الدراسات النظرية التأصيلية التي تظل في مستوى عالٍ من التجريد، والدراسات التطبيقية التي تفتقر إلى التأصيل النظري الكافي. هذا البحث يحاول أن يضرب جسراً بين التنظير والممارسة، بحيث يستند تحليل الآليات والتحديات إلى أساس نظري متين، وتكون التوصيات العملية مستخلصة من تحليل نظري عميق.
3. إهمال التشابكات المعاصرة: نادراً ما تدرس التحديات المعاصرة للسلام، مثل تغير المناخ والإرهاب والتفاوت الاقتصادي وتحول طبيعة النزاعات، بشكل متكامل يبرز التشابكات والتفاعلات المعقدة بينها. هذا البحث يخصص فصلاً كاملاً لتحليل هذه التشابكات، ويبين كيف أن هذه التحديات لم تعد منفصلة، بل تشكل شبكة معقدة من المخاطر التي تهدد السلام العالمي.
4. قلة الدراسات العربية الشاملة: تعاني المكتبة العربية من ندرة واضحة في الدراسات الأكاديمية الشاملة والمتعمقة التي تتناول موضوع السلام بكل أبعاده النظرية والتطبيقية، وتستفيد من الإنتاج النظري الغربي الغني مع مراعاة الخصوصيات الثقافية والسياسية والدينية للمنطقة العربية. هذا البحث يسعى للمساهمة في سد هذه الفجوة من خلال تقديم دراسة أكاديمية باللغة العربية تراعي هذه الخصوصيات.
5. الحاجة إلى تحديث المعرفة: معظم الدراسات السابقة تعود إلى العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، وهي بحاجة ماسة إلى تحديث جذري في ضوء التحولات الكبرى والهائلة التي شهدها النظام الدولي في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها الأزمة الأوكرانية، والتحولات في منطقة الساحل الأفريقي، والتصاعد الدراماتيكي لتأثير تغير المناخ، وجائحة كوفيد-19 وتأثيراتها العميقة على الهياكل الاجتماعية والاقتصادية العالمية.

6. هيكلية البحث وتقسيماته

لتحقيق أهدافه المعرفية والتحليلية، وللإجابة عن أسئلته البحثية المتشعبة، تم تقسيم هذا البحث إلى ثلاثة فصول رئيسية، يسبقها مقدمة موسعة وتعقبها خاتمة شاملة تتضمن الاستنتاجات والتوصيات، على النحو التالي:

· المقدمة العامة: وتتضمن خلفية الدراسة وأهميتها المعرفية والإنسانية، والإشكالية الرئيسية والأسئلة البحثية المتشعبة، وأهداف البحث النظرية والتطبيقية، ومنهجية البحث والأدوات التحليلية المستخدمة، والدراسات السابقة وموقع البحث منها، وهيكلية البحث وتقسيماته.
· الفصل الأول: الإطار المفاهيمي والنظري للسلام (تأصيل المعرفة): ويتكون من ثلاثة مباحث رئيسية. الأول يتتبع تطور مفهوم السلام في الفكر الإنساني عبر العصور. الثاني يحلل النموذج الغالتونغي والتمييز الحاسم بين السلام السلبي والسلام الإيجابي. الثالث يقدم تحليلاً مقارناً متعمقاً لأهم نظريات السلام في العلاقات الدولية.
· الفصل الثاني: آليات بناء السلام وصيانته (الممارسة والتطبيق): ويتكون من أربعة مباحث رئيسية. الأول يحلل الدبلوماسية الوقائية والوساطة. الثاني يتتبع تطور عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. الثالث يتناول بالتفصيل بناء السلام بعد انتهاء النزاع من خلال برامج نزع السلاح وإعادة الإدماج، والعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية. الرابع يحلل دور الفاعلين من غير الدول، وخاصة المجتمع المدني والمرأة والشباب.
· الفصل الثالث: تحديات السلام في النظام الدولي المعاصر (عقبات وتشابكات): ويتكون من أربعة مباحث رئيسية. الأول يحلل تحول طبيعة النزاعات نحو النزاعات الداخلية المسلحة. الثاني يتناول الإرهاب والعنف السياسي العابر للحدود. الثالث يحلل الفقر وعدم المساواة كعوامل مولدة للنزاع. الرابع يتناول التغير المناخي وأمن الموارد كأحد أكبر التحديات في القرن الحادي والعشرين.
· الخاتمة والاستنتاجات والتوصيات: وتقدم خلاصة تحليلية لأهم ما توصل إليه البحث من نتائج، مع صياغة مجموعة من التوصيات الاستراتيجية القابلة للتطبيق.
· قائمة المراجع: وتتضمن قائمة موسعة ومتنوعة من المراجع العربية والأجنبية التي تم الاعتماد عليها.

الفصل الأول: الإطار المفاهيمي والنظري للسلام (تأصيل المعرفة)

تمهيد

يشكل التأصيل النظري والمفاهيمي لأي ظاهرة بحثية المدخل الأساسي لفهمها فهماً عميقاً وشاملاً. فقبل أن نتمكن من دراسة كيفية بناء السلام أو التحديات التي تواجهه، يجب أن نتفق أولاً على ماهية هذا السلام الذي نتحدث عنه. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للظواهر الاجتماعية عموماً، فإنه يبدو أكثر إلحاحاً وأكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بظاهرة مثل السلام. فالسلام ليس مجرد حالة يمكن وصفها ببساطة أو قياسها بسهولة، بل هو مفهوم متعدد الأبعاد والطبقات، تتداخل فيه الفلسفة بالدين بالسياسة بالاقتصاد بالثقافة، وتتقاطع فيه الرؤى النظرية مع التجارب التاريخية مع الممارسات المعاصرة. إنه مفهوم متنازع عليه بمعنى الكلمة، إذ يختلف تعريفه باختلاف من يعرفه ومن أي زاوية ينظر إليه.

يهدف هذا الفصل التأسيسي إلى بناء إطار مفاهيمي ونظري متكامل يمكن من خلاله فهم ظاهرة السلام بكل تعقيداتها. وسيتم ذلك من خلال ثلاثة مباحث رئيسية، يتعمق كل منها في جانب أساسي من جوانب هذا المفهوم. المبحث الأول يتتبع تطور مفهوم السلام في الفكر الإنساني عبر العصور، آخذاً القارئ في رحلة تاريخية من الفلسفات الشرقية القديمة إلى الفكر الديني التوحيدي وصولاً إلى العصر الحديث ومشاريع السلام الدائم. والمبحث الثاني يحلل النموذج الثوري الذي قدمه يوهان غالتونغ، مع التركيز على التمييز الحاسم بين السلام السلبي والسلام الإيجابي، وتقديم تحليل معمق لنظرية العنف الثلاثي التي تشكل حجر الزاوية في هذا التمييز. أما المبحث الثالث والأخير، فيقدم تحليلاً مقارناً ونقدياً لأهم النظريات المفسرة للسلام في حقل العلاقات الدولية، وهي الليبرالية والواقعية والبنائية، بالإضافة إلى النظريات النقدية الأخرى.

إن الهدف من هذا الفصل ليس مجرد العرض التاريخي أو النظري الجاف، بل هو بالأساس بناء أدوات تحليلية نقدية يمكن توظيفها في الفصول اللاحقة لفهم آليات بناء السلام وتشخيص تحدياته المعاصرة. إنه يشكل القاعدة النظرية الصلبة التي ينطلق منها البحث لتحليل الممارسة وتشخيص الإخفاقات وصياغة التوصيات.

المبحث الأول: تطور مفهوم السلام في الفكر الإنساني (قراءة تاريخية)

أولاً: السلام في الفلسفات القديمة

1. الحضارات الشرقية: السلام كتناغم كوني واجتماعي

في الحضارات الشرقية القديمة، وخاصة في الصين والهند، لم يُنظر إلى السلام بمعناه السياسي الضيق كعلاقة بين الدول، بل ارتبط برؤية كونية شاملة وأخلاقية عميقة تقوم على فكرة التناغم والانسجام بين قوى الكون المتعارضة. فالسلام لم يكن مجرد غياب للصراع، بل كان حالة إيجابية من التوازن والاكتمال تنعكس على علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين وبالطبيعة وبالكون ككل.

في الفلسفة الكونفوشية، التي أسسها الفيلسوف الصيني كونفوشيوس (551-479 ق.م)، يُنظر إلى السلام على أنه نتيجة طبيعية وحتمية لتحقيق “الانسجام الاجتماعي” الذي يقوم على نظام أخلاقي صارم. السلام عند كونفوشيوس ليس مجرد شأن سياسي، بل هو بناء هرمي يبدأ من أعماق الفرد. يجب على كل إنسان أن يهذب نفسه أولاً، وأن يروض أهواءه ورغباته، وأن يتقن الفضائل الأساسية كالعدالة والاحترام والبر الوالدي. ومن هذا الفرد المهذب أخلاقياً، ينتقل السلام إلى الأسرة، حيث يجب أن تسود العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل والرعاية والطاعة في إطار من المحبة. ثم يمتد ليشمل المجتمع بأكمله والدولة. فالسلام الكونفوشي هو ثمرة الفضيلة والنظام الأخلاقي الذي يبدأ من الداخل ويتسع ليصنع النظام في الخارج، وهو عكس الصراع الذي ينشأ من فساد الأخلاق وغياب النظام.

أما في الفلسفة الطاوية، التي ينسب تأسيسها إلى الحكيم لاوتزه، فينظر إلى السلام باعتباره تعبيراً عن “التاو”، أي الطريق أو المبدأ الكوني الذي يسري في كل شيء. الطاوية تدعو إلى العيش في انسجام تام مع الطبيعة، وعدم مقاومة التدفق الطبيعي للحياة، والتحرر من الرغبات والصراعات المصطنعة. السلام الطاوي هو حالة من الهدوء الداخلي العميق والاتزان الروحي، تنعكس طبيعياً على علاقات الإنسان بالآخرين وبالعالم من حوله. لاوتزه يرى أن العنف والصراع والاضطراب لا ينشأ إلا عندما يبتعد الإنسان عن “التاو”، وعن البساطة والعفوية، وعندما يحاول فرض إرادته على الطبيعة وعلى الآخرين.

وفي الحضارة الهندية القديمة، نجد مفهوم “أهيمسا” أو اللاعنف، الذي يشكل أحد الركائز الأخلاقية الأساسية في الديانات الهندية الكبرى مثل الهندوسية والبوذية والجاينية. اللاعنف عند الهندوس ليس مجرد سلوك سلبي قوامه الامتناع عن الأذى، بل هو قوة إيجابية فاعلة ونشطة، تنبع من اعتقاد فلسفي وديني عميق بوحدة الوجود وقدسية كل أشكال الحياة. البوذية، التي أسسها بوذا في القرن السادس قبل الميلاد، تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تضع اللاعنف والرحمة اللامحدودة تجاه جميع الكائنات في صلب تعاليمها. بوذا يدعو إلى نبذ العنف بكل أشكاله، وكسب الأعداء بالمحبة، ويؤكد في مقولته الشهيرة أن “الكراهية لا تزول بالكراهية، الكراهية تزول بالمحبة وحدها”. هذه الرؤية الأخلاقية العميقة ستجد لها أصداء قوية لاحقاً في فلسفات اللاعنف في العصر الحديث، وخاصة عند المهاتما غاندي.

2. اليونان الكلاسيكية: السلام كشرط للفضيلة مقابل السلام كهدنة مؤقتة

في الفكر اليوناني الكلاسيكي، نجد صراعاً فكرياً وسياسياً عميقاً يعكس واقع المدن اليونانية التي كانت تمزقها الحروب البيلوبونيسية المتكررة. هذا الصراع تجلى في رؤيتين متباينتين للسلام: من ناحية، هناك الرؤية المثالية التي يمثلها أفلاطون وأرسطو، ومن ناحية أخرى، هناك الرؤية الواقعية التي يمثلها ثوسيديديس، مؤرخ الحرب.

أفلاطون (427-347 ق.م) ينظر إلى السلام باعتباره الشرط الضروري والأساسي لتحقيق الفضيلة الإنسانية، وممارسة التأمل الفلسفي، والوصول إلى معرفة الحقيقة والخير. في جمهوريته الفاضلة، التي رسمها كنموذج للمجتمع العادل، يسعى أفلاطون إلى بناء مجتمع تتحقق فيه السعادة للجميع، وهذا المجتمع المثالي لا يمكن أن يقوم أو يزدهر في ظل حالة الحرب والصراع الدائمة. السلام عند أفلاطون ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لا غنى عنها لتحقيق الغاية الأسمى، وهي “الخير” و”العدالة” و”الحكمة”. المجتمع العادل، في نظره، هو المجتمع الذي يعرف السلام بطبيعة الحال.

أرسطو (384-322 ق.م) تلميذ أفلاطون، يذهب في اتجاه مشابه ولكن بصياغة أكثر واقعية. فهو يعتبر أن الحرب ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق غاية أعظم هي السلام. فالدولة لا تنشئ جيوشها وتخوض حروبها من أجل حب القتال، بل لكي تعيش في سلام وأمان. “نحن نخوض الحرب لكي نعيش في سلام”، هكذا يلخص أرسطو هذه الرؤية. فالسلام هو الحالة الطبيعية والمرغوبة التي تسمح للإنسان، الذي وصفه بأنه “حيوان سياسي”، بتحقيق غايته الكاملة من خلال المشاركة في الحياة العامة في المدينة، وممارسة الفضيلة، وتحقيق السعادة.

في المقابل، نجد ثوسيديديس (460-395 ق.م)، مؤرخ الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة، يقدم رؤية مختلفة تماماً، أكثر واقعية وتشاؤمية. في كتابه الخالد “تاريخ الحرب البيلوبونيسية”، يصور ثوسيديديس العلاقات الدولية على أنها ساحة صراع دائم وحتمي على القوة والمصالح. فالسلام في هذه الرؤية الواقعية ليس إلا فترة راحة مؤقتة بين حربين، أو هدنة قصيرة تسمح للأطراف المتعبة بأن تلتقط أنفاسها وتعيد ترتيب صفوفها استعداداً للجولة القادمة من الصراع. مقولته الشهيرة التي تلخص أسباب الحرب: “ما جعل الحرب حتمية هو تنامي قوة أثينا والخوف الذي ولدته لدى إسبرطة”، تؤكد على أن دوافع القوة والخوف وعدم الثقة هي المحرك الأساسي للعلاقات الدولية، وليس المبادئ الأخلاقية أو السعي إلى التعايش السلمي.

هذا الصراع العميق بين الرؤيتين، رؤية أفلاطون وأرسطو المتفائلة بإمكانية بناء مجتمع عادل وسالم، ورؤية ثوسيديديس الواقعية التي ترى في الصراع قدراً لا مفر منه، سيمتد تأثيره عبر القرون، وسنجد له أصداء قوية في النظريات الحديثة للعلاقات الدولية، بين الليبرالية التي تؤمن بإمكانية السلام الدائم، والواقعية التي تنظر إلى السلام باعتباره مجرد توازن مؤقت للقوى.

ثانياً: السلام في الفكر الديني التوحيدي

شكلت الأديان التوحيدية الثلاثة الكبرى، اليهودية والمسيحية والإسلام، محطة مفصلية وحاسمة في تطور مفهوم السلام في التاريخ البشري. هذه الأديان لم تكتفِ بتقديم رؤى فلسفية عن السلام، بل أدخلت بعداً جديداً كلياً يتمثل في العلاقة مع الإله، وجعلت من السلام قيمة متعالية ومقدسة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالخلاص الفردي والجماعي، وبالعلاقة الصحيحة مع الخالق.

1. المفهوم العبري للسلام (شالوم)

كلمة “شالوم” في اللغة العبرية تحمل في طياتها دلالات أعمق وأكثر ثراءً من مجرد الترجمة البسيطة “سلام” بمعنى غياب الحرب. الجذر اللغوي الثلاثي (ش.ل.م) يدل على معاني الاكتمال، والتمام، والكمال، والوفاء، والجزاء، والسلامة. فالسلام، أو “شالوم”، في المنظور العبري للعهد القديم، هو حالة كلية وشاملة من الرفاهية والرخاء والاستقرار والأمن والطمأنينة، تنبع في المقام الأول من العلاقة الصحيحة والصادقة مع الله، ومن ثم مع الآخرين ومع الذات ومع الطبيعة.

إنه حالة من التوازن والانسجام التام على جميع المستويات: مع الله من خلال طاعة أوامره والوفاء بالعهد، ومع الذات من خلال الرضا والطمأنينة الداخلية، ومع الآخرين من خلال إقامة العدل والرحمة في المجتمع، ومع الطبيعة من خلال مبدأ الاستخلاف وعمارة الأرض. لذلك، فإن “شالوم” ليس مجرد مفهوم سياسي أو اجتماعي، بل هو مفهوم ديني وروحي وأخلاقي شامل.

الأنبياء العبريون، وفي مقدمتهم إشعياء وميخا، يقدمون رؤية كونية ومستقبلية للسلام، ترتبط بـ”نهاية الأيام” أو العصر المسيحاني المنتظر. في هذا العصر الموعود، ستحدث تحولات كونية جذرية: “يَصْنَعُونَ سُيُوفَهُمْ سَكَاكِينَ وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ، لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ”. هذا السلام المسيحاني (Mesianic Peace) يتجاوز كل التسويات السياسية المؤقتة والاتفاقيات الهشة، ليحقق مصالحة كونية نهائية وشاملة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان والطبيعة. إنه السلام الكامل الذي لا يعرف الحرب ولا يعرف الظلم.

2. المفهوم المسيحي للسلام (Pax Christi)

ينطلق المفهوم المسيحي للسلام من شخص يسوع المسيح نفسه، الذي يوصف في العهد الجديد بأنه “رئيس السلام” (Prince of Peace). التعاليم المسيحية الأولى، كما وردت في الأناجيل ورسائل بولس، تدعو إلى موقف ثوري من العنف والأعداء. إنها تدعو إلى محبة الأعداء، والصلاة من أجل المضطهدين، ورد الإساءة بالإحسان، وليس بالانتقام. “أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ”. هذا الموقف الأخلاقي المتطرف من العنف يعكس رؤية إيمانية عميقة مؤداها أن الانتصار على الشر لا يكون بمقاومته ومجابهته بنفس أساليبه، بل بإذابة الشر في الخير، وكسب الأعداء بالمحبة والتسامح.

ومع التحول التاريخي الكبير للمسيحية من ديانة مضطهدة إلى دين الدولة الرسمي في الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، برزت إشكالية لاهوتية وسياسية جديدة ومعقدة: كيف يمكن التوفيق بين تعاليم المسيح السلمية والداعية إلى اللاعنف من جهة، وبين متطلبات الدولة التي تحتاج إلى جيوش قوية لحماية نفسها وحدودها ومصالحها من جهة أخرى؟ هنا تبرز فلسفة القديس أوغسطين (354-430 م) الذي صاغ نظرية “الحرب العادلة” (Just War)، في محاولة جادة للتوفيق بين ضرورة الدفاع عن الدولة ومتطلبات الأخلاق المسيحية.

أوغسطين يرى أن السلام هو الهدف الأسمى الذي يجب أن تسعى إليه الدولة، وأن الحرب لا يمكن أن تكون مبررة أخلاقياً إلا إذا كانت لتحقيق سلام عادل، أي سلام أكثر عدلاً مما كان سائداً قبل الحرب. ولكنه في الوقت نفسه، يبقى متشبثاً بالرؤية الإيمانية الأعمق للسلام كهدية إلهية وسكينة داخلية يمنحها الله للمؤمنين، وليس مجرد نظام سياسي أو اجتماعي يمكن فرضه بالقوة. هذا التوتر بين السلام كغاية سياسية والسلام كحالة روحية سيظل سمة من سمات الفكر المسيحي حول السلام عبر العصور.

3. المفهوم الإسلامي للسلام (السلم في القرآن والسنة)

يحتل مفهوم السلام موقعاً مركزياً ومحورياً في الإسلام، سواء على المستوى اللغوي أو العقدي أو التشريعي أو الأخلاقي. الجذر اللغوي (س ل م) هو أحد أكثر الجذور انتشاراً وثراءً في اللغة العربية، ويدل على معاني السلامة والبراءة والنجاة والاستسلام والخضوع. من هذا الجذر الواحد تفرعت وتشعبت كلمات أساسية في صلب المعجم الإسلامي: الإسلام الذي يعني الاستسلام لله بالتوحيد والطاعة، والإيمان الذي يعني الأمان والطمأنينة القلبية، والمسلم وهو من سلم المسلمون من لسانه ويده، والجنة التي توصف بأنها “دار السلام”.

السلام في القرآن الكريم: يتجلى المعنى العميق للسلام في القرآن من خلال عدة مستويات. أولاً، يُعد “السلام” اسماً من أسماء الله الحسنى، فهو “السلامُ المؤمنُ المهيمنُ”. ثانياً، توصف الجنة بأنها “دار السلام” عند الله، وتحيتهم فيها “سلام”. ثالثاً، التحية الإسلامية التي يتناقلها المسلمون في كل أنحاء العالم، “السلام عليكم”، هي تحية جامعة وشاملة تدعو إلى الأمن والأمان والمحبة ونبذ العنف بين الناس. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.

آيات السلم والقتال بين المكي والمدني: وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى السلم والمسالمة والتعايش، وأخرى تأذن بالقتال وتأمر به. وهذه الآيات لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقها التاريخي والنصي، وتتطلب مقاربة منهجية دقيقة. فآيات السلم، التي نزل معظمها في المرحلة المكية وما قبل الهجرة، تدعو إلى الصبر والحوار والجدال بالتي هي أحسن، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، وقوله: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. هذه الآيات تدعو بوضوح إلى التعايش السلمي والإحسان والقسط مع غير المسلمين الذين لا يعادون المسلمين ولا يحاربونهم.

أما آيات القتال، التي نزل معظمها في المرحلة المدنية بعد الهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى، فهي تأتي في سياق الدفاع عن النفس ورد العدوان وحماية الدولة الناشئة، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. وهي أيضاً تأتي في سياق تاريخي محدد للتعامل مع المشركين الذين نقضوا العهود والمواثيق وحاربوا المسلمين. الفهم المتكامل للقرآن يقتضي النظر إلى هذه الآيات جميعاً في ضوء بعضها البعض، وفي ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية الكبرى التي تهدف إلى حفظ النفس والعقل والدين والمال والنسل، وهي مقاصد لا تتحقق إلا في ظل الأمن والسلام.

شروط التعايش مع غير المسلمين: وضع الفقهاء والعلماء المسلمون عبر التاريخ الطويل للإسلام شروطاً وأحكاماً دقيقة ومفصلة لتنظيم التعايش مع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي. هذه الأحكام تقوم على مبدأ “الذمة” الذي كان سائداً في الفقه الإسلامي الكلاسيكي، والذي يضمن لغير المسلمين، وخاصة أهل الكتاب، حق المواطنة والحماية والأمان مقابل دفع الجزية. هذا المبدأ، رغم كونه نتاج عصره التاريخي ومرتبطاً بظروفه الاجتماعية والسياسية، فإنه يعكس اعترافاً مبكراً وهاماً بحق الاختلاف الديني والمذهبي، وضرورة تنظيم العلاقة بين أتباع الديانات المختلفة في دولة واحدة على أسس من الحقوق والواجبات المتبادلة.

ثالثاً: السلام في العصر الحديث: من السلام الدائم إلى السلام العلمي

شهد العصر الحديث، منذ القرن السادس عشر الميلادي وحتى اليوم، تحولات جذرية وكبرى في مفهوم السلام، ارتبطت هذه التحولات بشكل وثيق بنشأة الدولة القومية الحديثة، وحركة التنوير الفكرية في أوروبا، والحربين العالميتين المدمرتين، وإنشاء المنظمات الدولية.

1. صلح وستفاليا (1648) وتأسيس نظام وستفاليا

يعتبر صلح وستفاليا (1648) الذي أنهى حرب الثلاثين عاماً المدمرة في أوروبا، محطة مفصلية وحاسمة بكل المقاييس في تاريخ العلاقات الدولية ومفهوم السلام. فقد أسس هذا الصلح لمبدأ “سيادة الدولة” (State Sovereignty) كحجر الزاوية والأساس المتين للنظام الدولي الحديث. بموجب هذا المبدأ الثوري في حينه، أصبحت الدولة القومية هي الوحدة السياسية الأساسية والشرعية الوحيدة في العلاقات الدولية، وأصبح لكل دولة، كبيرها وصغيرها، قويها وضعيفها، الحق الحصري في تقرير شؤونها الداخلية دون أي تدخل خارجي (مبدأ عدم التدخل). كما أقر الصلح بمبدأ “توازن القوى” (Balance of Power) كآلية عملية وعقلانية للحفاظ على السلام الهش بين الدول الأوروبية المتنافسة.

نظام وستفاليا مثل قطيعة معرفية وتاريخية مع المفهوم الوسيط للسلام، الذي كان مرتبطاً بسلطتين عالميتين هما الكنيسة (البابوية) والإمبراطورية الرومانية المقدسة. أصبح السلام الآن مسألة دنيوية وعملية بحتة، تتعلق بتنظيم العلاقات بين الدول ذات السيادة على أساس المصالح والتوازنات، وليس تحقيقاً لمثال ديني أو أخلاقي متعالٍ. هذا التحول الجذري وضع الأسس الفعلية للنظام الدولي الحديث الذي لا نزال نعيش تداعياته وتأثيراته حتى اليوم.

2. عصر التنوير ومشروع “السلام الدائم” لإيمانويل كانط (1795)

يمثل الفيلسوف الألماني الكبير إيمانويل كانط (1724-1804) ذروة التفكير التنويري المتفائل في إمكانية تحقيق سلام دائم وعالمي بين الدول. في كتيبه الفلسفي والسياسي الشهير “مشروع السلام الدائم” (1795)، لم يكتفِ كانط بالتنظير المجرد، بل وضع تصوراً عملياً وواضحاً لتحقيق السلام، يقوم على ثلاث مواد نهائية أساسية:

· المادة الأولى: يجب أن يكون الدستور المدني في كل دولة “جمهورياً”. والجمهورية عند كانط لا تعني بالضرورة إلغاء الملكية، بل تعني نظاماً سياسياً يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، وتمثيل الشعب في مؤسسات صنع القرار، وسيادة القانون على الجميع. الدستور الجمهوري، في نظر كانط، يضمن أن قرار الحرب، وهو أخطر قرار تتخذه الدولة، لا يمكن أن يتخذ دون موافقة المواطنين الذين سيتحملون بأنفسهم ويلاتها وتكاليفها البشرية والمادية.
· المادة الثانية: يجب أن يقوم القانون الدولي على أساس “اتحاد فيدرالي للدول الحرة”. هذا الاتحاد المقترح ليس دولة عالمية موحدة، بل هو رابطة طوعية وحرة تضم الدول الجمهورية التي تتبنى الدستور الجمهوري، وهدفها الأساسي هو الحفاظ على السلام فيما بينها من خلال آليات التفاوض والتشاور وحل النزاعات بالطرق السلمية.
· المادة الثالثة: يجب أن يكون “حق المواطنة العالمية” محدوداً بشروط “الضيافة الكونية”. ويعني ذلك حق كل فرد، متى يزور بلداً آخر، في أن يعامل دون عداء أو تمييز، مما يسهل ويسرع التواصل التجاري والثقافي والفكري بين الشعوب، ويكسر حواجز الخوف والجهل المتبادل.

مشروع كانط أحدث نقلة نوعية هائلة في تاريخ التفكير في السلام. فقد انتقل به من دائرة الحلم الطوباوي والرغبة الأخلاقية إلى دائرة المشروع السياسي العقلاني القائم على أسس واضحة ومحددة: الديمقراطية (الجمهورية) على المستوى الداخلي، والتعاون الدولي المؤسسي (الاتحاد الفيدرالي) على المستوى الخارجي، والانفتاح التجاري والثقافي (المواطنة العالمية) على المستوى الإنساني. هذه الأفكار الكانطية الثورية ستشكل النواة الصلبة والمحورية للنظرية الليبرالية في العلاقات الدولية، وستجد صداها العملي لاحقاً في إنشاء عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة.

3. القرن العشرون: الحربان العالميتان وإنشاء الأمم المتحدة

شكلت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) صدمة هائلة وكارثية للوعي الأوروبي والعالمي، ليس فقط بسبب حجم الدمار المادي والبشري غير المسبوق (أكثر من 16 مليون قتيل)، بل أيضاً بسبب الشعور بالعبثية واللامعنى الذي خلفته. من رحم هذه الصدمة والخيبة الكبيرة ولدت فكرة إنشاء “عصبة الأمم” (1920) كأول منظمة دولية دائمة في التاريخ، تهدف إلى الحفاظ على السلام والأمن الدوليين ومنع نشوب حروب جديدة. لكن عصبة الأمم، بسبب عيوبها البنيوية وضعف آلياتها، فشلت فشلاً ذريعاً في منع الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، التي كانت أكثر دموية وتدميراً من سابقتها بكثير (أكثر من 70 مليون قتيل، ولأول مرة استخدام الأسلحة النووية).

الحرب العالمية الثانية، وما رافقها من جرائم وحشية ضد الإنسانية، وعلى رأسها محرقة اليهود (الهولوكوست)، شكلتا نقطة تحول جذرية وأساسية في التفكير العالمي في السلام. فقد أدرك المجتمع الدولي، بعد هذه الكارثة، أن السلام لا يمكن تركه للتوازنات العفوية للقوى أو لحسن نية الحكام، بل يحتاج إلى مؤسسات دولية دائمة وقوية، وآليات قانونية ملزمة، وقيم إنسانية مشتركة. هكذا ولدت منظمة الأمم المتحدة (1945) كمنظمة دولية عالمية شاملة، تهدف في المقام الأول إلى “إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب”، وحماية حقوق الإنسان الأساسية، وتعزيز التقدم الاجتماعي والاقتصادي لجميع الشعوب.

ميثاق الأمم المتحدة مثل نقلة نوعية كبرى في مفهوم السلام على المستوى الدولي، حيث جمع بين ثلاث ركائز أساسية: “الأمن الجماعي” المنصوص عليه في الفصل السابع من الميثاق، والذي يسمح باستخدام القوة ضد الدول المعتدية، و”حماية حقوق الإنسان” التي أصبحت جزءاً من القانون الدولي، و”التنمية” كشرط أساسي للاستقرار والسلام (الفصل التاسع). لكن سرعان ما واجهت الأمم المتحدة تحديات جسيمة، أبرزها الحرب الباردة التي جمدت عمل مجلس الأمن لعقود بسبب استخدام حق النقض (الفيتو)، ثم تحديات ما بعد الحرب الباردة التي كشفت عن محدودية قدرتها على بناء سلام مستدام في مناطق النزاع الداخلي المعقدة.

هذا التطور التاريخي الطويل والمعقد للمفهوم، من الفلسفات القديمة إلى الأمم المتحدة، يقودنا بشكل منطقي إلى ضرورة التمييز بين مستويات وأنواع السلام، وهو ما سنتناوله بالتفصيل والتحليل في المبحث التالي من خلال النموذج التحليلي الثوري الذي قدمه يوهان غالتونغ.

المبحث الثاني: السلام السلبي مقابل السلام الإيجابي (النموذج الغالتونغي)

أولاً: يوهان غالتونغ وميلاد دراسات السلام العلمية

يعتبر عالم الاجتماع والرياضيات النرويجي يوهان غالتونغ (1930-2024) بلا منازع المؤسس الحقيقي والأب الروحي لدراسات السلام العلمية (Peace Studies) كحقل أكاديمي مستقل وقائم بذاته. لم يكتفِ غالتونغ بدراسة السلام كفكرة فلسفية أو قيمة أخلاقية، بل سعى إلى تحويله إلى موضوع قابل للبحث العلمي الرصين، له مناهجه وأدواته ومفاهيمه الخاصة. في عام 1959، أسس معهد أبحاث السلام في أوسلو (PRIO)، والذي يعتبر أول معهد أكاديمي في العالم مخصص حصرياً لدراسة السلام من منظور علمي متعدد التخصصات. كما أسس مجلة “أبحاث السلام” (Journal of Peace Research) التي أصبحت المنبر الأكاديمي الرائد والأكثر تأثيراً في هذا المجال على مستوى العالم.

ما يميز مشروع غالتونغ الفكري ويشكل جوهره هو نقده الحاد والجذري للبحوث التقليدية في العلاقات الدولية، التي كانت تركز بشكل حصري تقريباً على دراسة الحرب والعنف، وتهمل تماماً دراسة السلام. كان غالتونغ يرى أن دراسة الحرب ضرورية بالطبع، ولكنها غير كافية على الإطلاق. فالتركيز على الحرب وتحليل أسبابها يشبه دراسة الأمراض والأوبئة دون دراسة الصحة والعافية. إذا أردنا بناء السلام حقاً، يجب أن نفهم أولاً ما هو السلام في جوهره، وما هي مكوناته، وما هي شروط تحققه واستمراريته، وليس فقط ما هي أسباب الحرب وكيف تنشأ.

انطلاقاً من هذا الموقف النقدي البناء، طور غالتونغ على مدى عقود من البحث والكتابة مجموعة من المفاهيم التحليلية الثورية التي أحدثت نقلة نوعية في مجال دراسات السلام. وأهم هذه المفاهيم على الإطلاق هو التمييز الحاسم بين السلام السلبي والسلام الإيجابي، والذي لا يمكن فهمه فهماً صحيحاً إلا في ضوء نظريته المتكاملة عن العنف، والتي تعرف باسم “نظرية العنف الثلاثي”.

ثانياً: نظرية العنف الثلاثي

لكي نفهم مفهومي السلام عند غالتونغ، يجب أن نفهم أولاً نظريته في العنف، فهما وجهان لعملة واحدة. فغالتونغ يرى أن السلام هو ببساطة “غياب العنف”. وبالتالي، فإن فهم أنواع وأشكال العنف المختلفة هو المفتاح الأساسي لفهم مستويات وأنواع السلام. لقد ميز غالتونغ بدقة تحليلية عالية بين ثلاثة أشكال رئيسية ومترابطة من العنف:

1. العنف المباشر (Direct Violence):

هو الشكل الأكثر وضوحاً والأكثر ظهوراً للعنف، وهو العنف الذي يمارسه فاعل محدد (سواء كان فرداً أو جماعة أو دولة) ضد فاعل آخر بشكل مباشر وعلني. هذا هو العنف الذي تلتقطه كاميرات وسائل الإعلام، والذي يثير السخط والإدانة الدولية الفورية. يتخذ العنف المباشر أشكالاً متعددة:

· العنف الجسدي: ويشمل القتل العمد، والتعذيب بجميع أشكاله، والضرب المبرح، والتهجير القسري للسكان، والتشريد.
· العنف النفسي: ويشمل الإهانة والتحقير، والترهيب والتخويف، والتمييز اللفظي، وخطاب الكراهية الذي يستهدف فئة معينة.
· العنف الجنسي: ويشمل الاغتصاب كسلاح حرب، والاستغلال الجنسي، والاعتداءات الجنسية بجميع أنواعها.

هذا هو الشكل التقليدي للعنف، وهو الذي تركز عليه الدراسات الحربية والقانون الدولي الإنساني. إنه عنف يمكن، نظرياً على الأقل، إيقافه بوقف إطلاق النار أو بتغيير النظام السياسي.

2. العنف البنيوي (Structural Violence):

هذا هو مفهوم غالتونغ الأكثر ابتكاراً وتأثيراً على الإطلاق، وهو الذي أحدث ثورة حقيقية في فهمنا للعنف والسلام. العنف البنيوي هو العنف غير المباشر، وغير الشخصي، وغير المرئي، والمضمن بعمق في البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع. إنه ما يمكن تسميته بـ”الظلم الاجتماعي المتجسد”، أي الظلم الذي لم يعد مجرد فعل فردي، بل صار جزءاً من بنية المجتمع ذاتها، يمارس على الناس ليس من قبل فرد معين يمكن محاكمته، بل من خلال النظام الاجتماعي برمته.

أمثلة على العنف البنيوي:

· الفقر المدقع والحرمان: عندما يموت الناس جوعاً أو يمرضون دون علاج، ليس لأن أحداً قرر قتلهم، بل لأن النظام الاقتصادي والاجتماعي يحكم عليهم بذلك بسبب سوء توزيع الثروات والموارد.
· الحرمان من الاحتياجات الأساسية: كالحرمان من الغذاء الكافي، أو المسكن الآمن، أو الدواء الضروري، أو التعليم الأساسي.
· التمييز المؤسسي: عندما تكون هناك قوانين أو أنظمة تمارس تمييزاً منهجياً ضد فئة معينة على أساس العرق أو الجنس أو الدين أو الأصل الاجتماعي، مما يحرمها من فرص متكافئة في الحياة.
· القمع السياسي وانعدام المشاركة: عندما يُحرم المواطنون من حقهم في المشاركة في صنع القرار، وفي اختيار حكامهم، وفي محاسبتهم.
· البطالة المقنعة والتهميش الاقتصادي: عندما تُهمش مناطق بأكملها أو فئات اجتماعية كاملة من عملية التنمية، وتُحرم من فرص العمل الكريم.

ما يميز العنف البنيوي هو أنه لا يحتاج إلى فاعل مباشر. فالضحايا قد لا يعرفون من المسؤول عن معاناتهم. النظام الاجتماعي نفسه هو الذي يمارس العنف. وهذا ما يجعل العنف البنيوي أكثر فتكاً وأقل وضوحاً وأصعب في المعالجة من العنف المباشر. غالتونغ يذكرنا دائماً بحقيقة صادمة وهي أن عدد ضحايا العنف البنيوي، أي الذين يموتون بسبب الفقر والجوع والأمراض القابلة للعلاج والتفاوت الاجتماعي، يفوق بكثير عدد ضحايا العنف المباشر في الحروب والصراعات عبر التاريخ.

3. العنف الثقافي (Cultural Violence):

هو الشكل الثالث والأكثر خفاءً وعمقاً في نظرية غالتونغ. العنف الثقافي هو تلك الجوانب من الثقافة الإنسانية، بمفهومها الواسع، التي تُستخدم لتبرير العنف المباشر أو البنيوي أو شرعنتهما، وجعلهما يبدوان أمراً طبيعياً أو مقبولاً أو حتى ضرورياً. إنه “المشروعية الرمزية” للعنف، أو الغطاء الأخلاقي والفكري الذي يسمح للناس بممارسة العنف أو قبوله دون شعور بالذنب أو المسؤولية.

أمثلة على العنف الثقافي:

· خطاب الكراهية: الذي يصور الآخر كعدو حقير أو كائن أدنى درجة، أو كخطر وجودي يجب القضاء عليه. هذا الخطاب يمهد نفسياً لارتكاب العنف ضده.
· الأساطير القومية: التي تخلق صورة العدو التاريخي، وتروي قصصاً عن بطولات الأمة وتفوقها، مما يغذي مشاعر التفوق والاستعلاء.
· الأيديولوجيات العنصرية: التي تبرر التمييز والاستعلاء والاستعباد والاستغلال على أساس اختلافات عرقية مفترضة.
· النصوص الدينية المؤولة: عندما يتم تأويل النصوص الدينية بشكل انتقائي ومغرض لتبرير العنف ضد المخالفين في الدين أو المذهب، أو لتكريس دونية المرأة.
· اللغة: التي تحمل في طياتها تمييزاً جنسياً أو عنصرياً، أو التي تكرس صورة نمطية سلبية عن الآخر.
· الإعلام والتعليم: عندما يصور الإعلام العنف كحل وحيد وفعال للمشكلات، أو عندما تقدم المناهج التعليمية رواية تاريخية أحادية ومغرضة تحرض ضد الآخر.

العنف الثقافي هو الذي يجعل العنف المباشر والعنف البنيوي يبدوان “طبيعيين” و”مقبولين”. إنه الطبقة العميقة من الجبل الجليدي، والتي تبقى تحت سطح الوعي، ولكنها تدعم وتمنح الشرعية للطبقات الظاهرة فوقه. لذلك، فإن معالجة العنف الثقافي وتفكيك خطاباته هي شرط أساسي وقبلي لأي عملية بناء سلام حقيقي ومستدام. فإذا لم تتغير الثقافة السائدة، وإذا استمر خطاب الكراهية والأساطير المحرضة، فإن أي سلام يتحقق سيكون هشاً ومؤقتاً.

ثالثاً: تحليل معمق للسلام السلبي والسلام الإيجابي

بناءً على نظرية العنف الثلاثي هذه، يقدم غالتونغ تعريفين مترابطين ومتكاملين للسلام، يشكلان معاً رؤيته المتكاملة:

1. السلام السلبي (Negative Peace):

السلام السلبي هو ببساطة غياب العنف المباشر فقط. إنه حالة من “اللا-حرب”، أي مجرد توقف القتال والمعارك. في حالة السلام السلبي، قد تتوقف أصوات المدافع، وتُوقع اتفاقيات وقف إطلاق النار، وتُرسل قوات حفظ السلام الدولية لمراقبة الهدنة. لكن البنى الاجتماعية غير العادلة التي كانت سبباً في النزاع لا تزال قائمة كما هي. والتمييز والفقر المدقع والقمع السياسي لا يزالون مستمرين، وثقافة الكراهية والتحريض لا تزال منتشرة في الإعلام والتعليم والخطاب الديني.

السلام السلبي يمكن أن يتخذ عدة أشكال:

· سلام قائم على القمع: كما هو الحال في بعض الأنظمة الديكتاتورية التي تفرض الهدوء بالقوة، وتقمع أي صوت معارض، ولكن البركان يغلي تحت السطح.
· سلام قائم على الخوف: كما هو الحال في حالة توازن الرعب النووي بين القوى العظمى، حيث يردع الخوف من الدمار المتبادل الأطراف عن شن الحرب.
· سلام قائم على الإنهاك: بعد حرب طويلة ومدمرة تنهك جميع الأطراف، فتضطر إلى وقف القتال مؤقتاً لالتقاط الأنفاس.

المشكلة الجوهرية في السلام السلبي أنه يحمل في داخله بذور العنف المستقبلي. فالظلم الاجتماعي لا يزال قائماً، والاحتقان يتراكم في النفوس، والثقة بين المجموعات معدومة، وخطاب الكراهية يغذي مشاعر الانتقام. لذلك، غالباً ما ينهار السلام السلبي بعد سنوات قليلة، ليعود العنف المباشر من جديد، ولكن بشكل أشد وأكثر وحشية. إنه سلام هش، يشبه بناء منزل على أرض غير صلبة، سرعان ما يتصدع وينهار عند أول هزة.

2. السلام الإيجابي (Positive Peace):

هذا هو مفهوم السلام الحقيقي والكامل والشامل في نظر غالتونغ. السلام الإيجابي هو غياب جميع أشكال العنف الثلاثة معاً: المباشر والبنيوي والثقافي. إنه حالة من التكامل الاجتماعي، والعدالة التوزيعية الحقيقية، والمشاركة السياسية الواسعة والفاعلة، والاحترام الكامل لكرامة الإنسان وحقوقه. السلام الإيجابي هو المشهد المجتمعي المتكامل الذي تختفي فيه الأسباب العميقة للنزاع، وتصبح إدارته بالوسائل السلمية أمراً طبيعياً.

السلام الإيجابي يعني تحقيق شروط متكاملة على مستويات متعددة:

· على المستوى الاقتصادي: توزيع عادل ومنصف للثروات والموارد الطبيعية، وتوفير فرص متكافئة للعمل والعيش الكريم لجميع المواطنين، وشبكات أمان اجتماعي قوية تحمي الفقراء والمهمشين والضعفاء.
· على المستوى السياسي: مشاركة حقيقية وفاعلة للمواطنين في صنع القرار على جميع المستويات، وحكم رشيد (Good Governance) يقوم على الشفافية الكاملة والمساءلة الصارمة، وسيادة القانون التي تطبق على الجميع دون تمييز، واحترام كامل لحقوق الإنسان السياسية والمدنية.
· على المستوى الاجتماعي: تماسك اجتماعي قوي، وقبول الاختلاف والتعددية الثقافية والدينية والمذهبية كقيمة إيجابية، ومساواة حقيقية بين الجنسين وبين جميع الفئات الاجتماعية، وغياب تام لأي شكل من أشكال التمييز.
· على المستوى الثقافي: ثقافة مجتمعية سائدة تعزز الحوار والتسامح والتعايش، ومناهج تعليمية تنشر قيم السلام وحقوق الإنسان والمواطنة، وإعلام مسؤول لا يحرض ولا يكرس الصور النمطية السلبية، وخطاب ديني يعزز قيم الرحمة والتعايش والمحبة.

السلام الإيجابي هو سلام ديناميكي وحيوي، وليس جامداً أو ساكناً. هو يعترف بأن الصراعات هي جزء طبيعي وحتمي من الحياة الاجتماعية، ولكنه يوفر آليات مؤسسية وثقافية راسخة لإدارتها بشكل سلمي وبناء، وتحويلها من صراعات وجودية تدمر المجتمع إلى صراعات مصالح يمكن التفاوض بشأنها. إنه ليس سلاماً مثالياً أو طوباوياً بعيد المنال، بل هو مشروع مجتمعي طموح ولكنه قابل للتحقيق، يتطلب إرادة سياسية قوية ومستمرة، ومشاركة مجتمعية واسعة وفاعلة، واستثماراً طويل الأمد في المؤسسات والثقافة والتعليم.

رابعاً: مؤشرات قياس السلام الإيجابي (معهد الاقتصاد والسلام)

انطلاقاً من الرؤية الثورية التي طرحها غالتونغ، وتطبيقاً لمبدأ أن ما لا يُقاس لا يُدار، قام معهد الاقتصاد والسلام (Institute for Economics and Peace) الأسترالي بتطوير مجموعة متكاملة من المؤشرات العملية لقياس السلام الإيجابي في الدول حول العالم. يصدر المعهد سنوياً تقريره الشهير “مؤشر السلام العالمي” (Global Peace Index) الذي يقيس حالة السلام في 163 دولة مستقلة، وهو التقرير الأكثر موثوقية واعتماداً في هذا المجال.

يقيس مؤشر السلام الإيجابي السلام من خلال ثماني ركائز أساسية مترابطة، تعكس مجتمعة صحة المجتمع ومرونته وقدرته على الصمود أمام الصدمات والنزاعات. هذه الركائز هي:

1. حكومة فعالة (Well-functioning Government): وتعني وجود حكومة قادرة على تقديم الخدمات العامة الأساسية بكفاءة وعدالة، وتتمتع بالشفافية والمساءلة أمام الشعب، وتحترم سيادة القانون، وتتمتع بشرعية شعبية حقيقية.
2. بيئة أعمال سليمة (Sound Business Environment): وتعني وجود مناخ اقتصادي صحي يشجع على الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل، مع وجود قوانين واضحة وعادلة تحمي الملكية الخاصة وتنظم المنافسة وتكافح الاحتكار.
3. توزيع عادل للموارد (Equitable Distribution of Resources): وتعني توزيعاً عادلاً ومنصفاً للثروات الوطنية والخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والبنية التحتية بين مختلف فئات المجتمع ومناطقه، وعدم تركيزها في أيدي نخبة صغيرة أو في منطقة دون أخرى.
4. قبول حقوق الآخرين (Acceptance of the Rights of Others): وتعني احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية لجميع الأفراد دون تمييز، وقبول التعددية الثقافية والدينية والاجتماعية كقيمة إيجابية، وعدم التمييز ضد الأقليات أو الفئات المختلفة.
5. علاقات جيدة مع الجيران (Good Relations with Neighbours): وتعني وجود علاقات تعاونية وسلمية مع الدول المجاورة، وحل النزاعات والخلافات بالطرق الدبلوماسية والقانونية، وعدم اللجوء إلى التهديد باستخدام القوة أو العداء الممنهج.
6. تدفق حر للمعلومات (Free Flow of Information): وتعني وجود صحافة حرة ومستقلة، ووسائل إعلام متنوعة، وإتاحة المعلومات للمواطنين بحرية وشفافية، وقدرتهم على الوصول إلى مصادر المعرفة المختلفة، والمشاركة في النقاش العام المستنير.
7. مستويات عالية من رأس المال البشري (High Levels of Human Capital): وتعني استثماراً جاداً ومستمراً في التعليم والصحة والتدريب، وتمكين المواطنين من تطوير قدراتهم ومهاراتهم وإمكانياتهم، واعتبار الإنسان الثروة الحقيقية للأمة.
8. فساد منخفض (Low Levels of Corruption): وتعني انخفاض مستوى الفساد المالي والإداري والسياسي في المؤسسات العامة والخاصة، وسيادة مبدأ النزاهة والشفافية والمساءلة في جميع التعاملات.

هذه المؤشرات الثمانية تقدم أداة عملية وعلمية لا تقدر بثمن لقياس السلام الإيجابي بشكل كمي ونوعي، وتوجيه السياسات العامة نحو تحقيق سلام أكثر استدامة وعدالة. كما تسمح بإجراء مقارنات دقيقة بين الدول، وتتبع التغيرات والتطورات عبر الزمن، وتحديد نقاط القوة والضعف في بنية كل مجتمع.

المبحث الثالث: نظريات السلام في العلاقات الدولية (تحليل مقارن)

تقدم مدارس الفكر الرئيسية في حقل العلاقات الدولية رؤى مختلفة ومتباينة أحياناً، ومتكاملة أحياناً أخرى، لمصادر السلام وآليات تحقيقه واستدامته. هذا المبحث يقدم تحليلاً مقارناً ونقدياً متعمقاً لأهم هذه النظريات، مع التركيز على نقاط القوة والضعف في كل منها، وقدرتها على تفسير تعقيدات السلام والنزاع في عالمنا المعاصر.

أولاً: النظرية الليبرالية / السلام الديمقراطي

1. الأطروحة المركزية:

تعتبر النظرية الليبرالية بلا شك من أكثر النظريات تفاؤلاً وإيماناً بقدرة البشر على تجاوز الصراع وبناء سلام دائم. الأطروحة المركزية لهذه النظرية، والتي تعرف باسم “نظرية السلام الديمقراطي” (Democratic Peace Theory)، تنص على أن الديمقراطيات لا تتحارب مع بعضها البعض تقريباً. بعبارة أخرى، إن الدول التي تتبنى النظام الديمقراطي ونادراً ما تخوض حروباً ضد بعضها البعض. هذه المقولة، التي يراها أنصارها “أقرب ما يكون إلى قانون تجريبي في العلاقات الدولية”، تشكل النواة الصلبة والثابتة للرؤية الليبرالية للسلام العالمي.

2. آليات التفسير:

كيف تفسر النظرية الليبرالية هذه الظاهرة المهمة؟ هناك ثلاث آليات رئيسية مترابطة تفسر لماذا تميل الديمقراطيات إلى السلام فيما بينها:

· القيود المؤسسية (Institutional Constraints): في الأنظمة الديمقراطية، لا يمكن لقرار الحرب، وهو أخطر قرار تتخذه الدولة، أن يتخذه الحاكم بمفرده أو مجموعة صغيرة حوله. هناك برلمانات منتخبة تمثل الشعب، وهناك مجالس نيابية تناقش القرارات المصيرية، وهناك انتخابات دورية تجعل القادة مسؤولين ومحاسبين أمام الناخبين. المواطنون العاديون، الذين سيتحملون التكاليف الباهظة للحرب من أرواح أبنائهم وضرائبهم واستقرار حياتهم، لن يقبلوا بخوض حرب إلا إذا كانت ضرورة قصوى للدفاع عن الوطن. هذه القيود المؤسسية المتعددة تجعل الديمقراطيات أكثر تردداً وحذراً في خوض الحروب، خاصة ضد بعضها البعض.
· القيم الديمقراطية المشتركة (Shared Democratic Norms): الديمقراطيات تتبنى وتكرس قيماً سياسية وأخلاقية مشتركة تقوم على التسوية والتفاوض والوساطة والحوار، واحترام سيادة القانون، والاعتراف بحقوق الإنسان. هذه القيم والممارسات، التي تطبقها الديمقراطيات في علاقاتها الداخلية بين مكونات المجتمع، تمتد بشكل طبيعي إلى علاقاتها الخارجية مع غيرها من الديمقراطيات. عندما ينشأ نزاع بين ديمقراطيتين، فإنهما تميلان غريزياً إلى حله بالطرق السلمية والمألوفة لديهما، مثل التفاوض المباشر، والوساطة، والتحكيم الدولي، واللجوء إلى المحاكم، بدلاً من التفكير في اللجوء إلى الحرب كخيار أول.
· الترابط الاقتصادي (Economic Interdependence): الديمقراطيات، بطبيعتها، تميل إلى الاندماج بقوة في الاقتصاد العالمي، وتطوير علاقات تجارية واستثمارية ومالية مكثفة ومتشابكة مع بعضها البعض. هذه المصالح الاقتصادية المتبادلة والضخمة تخلق حافزاً قوياً جداً للحفاظ على السلام والاستقرار. فالحرب بين شريكين تجاريين كبيرين ستكلفهما خسائر اقتصادية فادحة لا يمكن تعويضها، وستدمر سنوات طويلة من بناء العلاقات الاقتصادية. هذه الفكرة تعرف في الأدبيات باسم “نظرية السلام التجاري” (Commercial Peace Theory).

3. الانتقادات الرئيسية:

رغم جاذبية نظرية السلام الديمقراطي وتأثيرها الكبير في الأوساط الأكاديمية والسياسية الغربية، فإنها تتعرض لنقودات حادة ومتنوعة:

· مشكلة تعريف الديمقراطية: ما هو التعريف الدقيق والدقيق للديمقراطية الذي نعتمده في هذه النظرية؟ هل هو تعريف شكلي وضيق يقتصر على وجود انتخابات وبرلمان، أم تعريف جوهري وموسع يشمل احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والحكم الرشيد وحرية الإعلام واستقلال القضاء؟ إذا أخذنا التعريف الشكلي الضيق، فكثير من الأنظمة التي تطلق على نفسها اسم ديمقراطية، مثل إسرائيل، تخوض حروباً مستمرة وتعيش في صراع دائم. أما إذا أخذنا التعريف الجوهري الواسع، فقد لا نجد الكثير من الديمقراطيات الحقيقية في العالم لنختبر عليها النظرية.
· الديمقراطيات قد تتحارب مع غير الديمقراطيات: النظرية الليبرالية تتحدث فقط عن السلام بين الديمقراطيات، ولكنها تعترف صراحة بأن الديمقراطيات قد تخوض حروباً مع غير الديمقراطيات، بل وتقوم بذلك بشكل متكرر ومستمر. تاريخ الولايات المتحدة مليء بالحروب التي خاضتها ضد دول غير ديمقراطية، مثل كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان. هذا يطرح تساؤلاً أخلاقياً كبيراً: هل السلام الذي يستثني الآخرين ويقبل بإباحتهم هو سلام حقيقي وعالمي؟
· تجاهل العنف الذي تمارسه الديمقراطيات ضد الآخرين: التركيز المكثف على السلام بين الديمقراطيات يتجاهل تماماً أشكال العنف الأخرى التي تمارسها الديمقراطيات باستمرار، مثل دعم أنظمة ديكتاتورية وقمعية في العالم النامي، والتآمر لقلب الأنظمة التي لا ترضى عنها، والحروب بالوكالة التي تشنها عبر أطراف أخرى، والعقوبات الاقتصادية الخانقة التي تسبب مقتل الآلاف من المدنيين وتدمير اقتصادات دول بأكملها. هذا العنف غير المباشر لا يقل فتكاً عن الحرب المباشرة.
· العلاقة السببية العكسية: هل الديمقراطية هي التي تؤدي إلى السلام، أم أن السلام والاستقرار هما اللذان يسمحان بنشوء الديمقراطية وتطورها؟ التجارب التاريخية تشير بقوة إلى أن بناء الديمقراطية في مجتمعات خارجة من نزاعات دموية هو عملية بالغة الصعوبة والتعقيد، وغالباً ما تفشل. فالسلام المستقر قد يكون شرطاً مسبقاً للديمقراطية، وليس العكس دائماً.

ثانياً: النظرية الواقعية: السلام كتوازن قوى أو هيمنة

1. الأطروحة المركزية:

تقدم المدرسة الواقعية (Realism) رؤية أكثر تشاؤمية وواقعية، بل وساخرة أحياناً، من رؤية الليبرالية. الواقعيون ينطلقون من افتراض أساسي هو أن العالم الدولي هو عالم “فوضوي” (Anarchic) بطبيعته، أي أنه لا توجد سلطة عليا مركزية فوق الدول، مثل حكومة عالمية، تحكم العلاقات بينها وتفرض القوانين. في هذا العالم الفوضوي، الدول هي الفاعل الأساسي، وهي تتصارع بشكل دائم على القوة والمصالح والأمن، والصراع هو الحالة الطبيعية، وليس الاستثناء. في هذا السياق المتشائم، لا يمكن للسلام أن يكون إلا نتيجة لحسابات المصالح الوطنية الباردة، وتوازن القوى العسكرية، وليس لقيم أخلاقية أو مؤسسات دولية.

2. توازن القوى:

الواقعيون يرون أن السلام يمكن أن يتحقق بشكل مؤقت عندما تتوازن قوى الدول الكبرى، بحيث لا تستطيع أي دولة بمفردها فرض إرادتها على الأخرى. هذا “توازن الرعب” أو “توازن القوى” يخلق حالة من الردع المتبادل تمنع اندلاع الحرب، لأن كل طرف يعلم أن تكلفة الحرب ستكون باهظة للغاية. المثال التاريخي الكلاسيكي على ذلك هو مؤتمر فيينا (1815) الذي أعقب الحروب النابليونية. تمكنت القوى الأوروبية الكبرى في ذلك الوقت، وهي النمسا وبروسيا وروسيا وبريطانيا، من بناء نظام دقيق لتوازن القوى حافظ على سلام نسبي في أوروبا لنحو قرن كامل من الزمان، حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.

3. نظرية هيمنة القوة العظمى (Hegemonic Stability Theory):

تذهب بعض فروع المدرسة الواقعية، وخاصة الواقعية الهجومية، إلى أن السلام يتحقق بشكل أفضل وأكثر استقراراً عندما تهيمن قوة عظمى واحدة على النظام الدولي وتفرض قواعده ونظامه. هذه القوة المهيمنة أو القطب الأوحد (Hegemon) تستخدم قوتها الاقتصادية الهائلة وعسكرتها الجبارة لردع المعتدين المحتملين، وحماية النظام الاقتصادي العالمي (التجارة الحرة، الممرات البحرية)، وفرض نوع من الاستقرار والنظام على الفوضى الدولية. أمثلة تاريخية على ذلك:

· السلام البريطاني (Pax Britannica): في القرن التاسع عشر، هيمنت الإمبراطورية البريطانية على المحيطات والتجارة العالمية بأسطولها البحري الذي لا يقهر، وساهمت في الحفاظ على سلام نسبي في أوروبا والعالم، وفرضت قواعد التجارة الحرة التي خدمت مصالحها.
· السلام الأمريكي (Pax Americana): بعد الحرب العالمية الثانية، هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية على العالم الغربي، وأنشأت وأنفقت على مؤسسات دولية قوية (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، حلف شمال الأطلسي – الناتو) ساهمت في الحفاظ على السلام والاستقرار في مناطق نفوذها لعقود طويلة.

4. الانتقالات الرئيسية:

· سلام مؤقت وهش: السلام في النظرية الواقعية هو سلام مؤقت وهش بطبيعته، لأنه قائم على الخوف والحسابات الباردة للقوة، وليس على قيم أو مبادئ أو مؤسسات راسخة. إذا تغيرت حسابات القوة، أو إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير قوة الطرف الآخر، يمكن للسلام أن ينهار في أي لحظة.
· يتجاهل دور المؤسسات والأفكار: الواقعيون يقللون من شأن دور المؤسسات الدولية (مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية) والأفكار والقيم (مثل حقوق الإنسان والعدالة) في بناء السلام وتعزيزه. التجارب التاريخية تشير إلى أن هذه العوامل غير المادية تلعب دوراً مهماً ومستقلاً في بعض الأحيان، ولا يمكن اختزالها في حسابات القوة فقط.
· يتجاهل السلام الداخلي: الواقعيون يركزون بشكل حصري تقريباً على السلام بين الدول، ولكنهم يهملون أو يتجاهلون السلام داخل الدول، أي الحروب الأهلية والعنف البنيوي والثقافي، والذي أصبح الشكل السائد والمهيمن للنزاعات المسلحة في عالمنا المعاصر.

ثالثاً: النظرية البنائية (البنائية الاجتماعية): السلام كثقافة وهوية

1. الأطروحة المركزية:

تقدم المدرسة البنائية (Constructivism) رؤية ثالثة ومختلفة، تسعى للتوفيق بين بعض عناصر الليبرالية والواقعية، مع إضافة عنصر جديد هو “الأفكار”. البنائيون يرون أن بنية النظام الدولي ليست مادية فقط، أي لا تقتصر على توزيع القوى العسكرية والاقتصادية، بل هي أيضاً بنية اجتماعية، أي تتكون من توزيع الأفكار والمعتقدات والهويات والمعايير والقيم. الأفكار والهويات المشتركة هي التي تشكل مصالح الدول وتحدد سلوكها تجاه بعضها البعض. بعبارة أخرى، العالم كما نراه ونعيشه ليس مجرد واقع مادي موضوعي، بل هو نتاج لأفكارنا وتصوراتنا الذهنية المشتركة.

2. ألكسندر ويندت: “الأناركية هي ما تصنعه الدول منها”

المقولة الأشهر والأكثر تأثيراً في النظرية البنائية هي مقولة عالم السياسة الأمريكي ألكسندر ويندت: “الأناركية هي ما تصنعه الدول منها” (Anarchy is what states make of it). بهذه العبارة البليغة، يريد ويندت أن يقول إن الفوضى الدولية، أي غياب سلطة مركزية عالمية، لا تؤدي بالضرورة وبشكل حتمي إلى الصراع والحرب، كما يدعي الواقعيون. الفوضى يمكن أن تأخذ أشكالاً وأنماطاً مختلفة تماماً، حسب الأفكار والهويات السائدة بين الدول. يمكن تصور ثلاثة أنماط رئيسية من “ثقافات الأناركية” حسب ويندت:

· فوضى هوبزية (Hobbesian): حيث تنظر الدول إلى بعضها البعض كأعداء وجوديين، والصراع هو القاعدة والحالة الطبيعية، والسلام ليس إلا مجرد هدنة مؤقتة. هذه هي الصورة التي ترسمها الواقعية.
· فوضى لوكية (Lockean): حيث تنظر الدول إلى بعضها كمنافسين، والصراع وارد ومحتمل، ولكنه محدود ومقيد بقواعد معينة، والسلام ممكن عبر توازن القوى والمنافسة المنظمة. هذه صورة أكثر اعتدالاً.
· فوضى كانطية (Kantian): حيث تنظر الدول إلى بعضها كأصدقاء أو شركاء في مشروع مشترك، والصراع المسلح مستبعد تماماً، والتعاون هو القاعدة السائدة، والسلام مستدام ودائم عبر المؤسسات المشتركة والقيم المتفق عليها. هذه هي الصورة التي ترسمها الليبرالية.

3. بناء السلام من خلال تغيير الأفكار والهويات:

من منظور بنائي، فإن بناء السلام هو في جوهره عملية تغيير وتطوير للتصورات والهويات والخطابات السائدة. إذا تمكنت جماعتان متنازعتان من إعادة تعريف هويتهما، وهويتهما تجاه بعضهما البعض، من “عدو” يجب القضاء عليه إلى “منافس” يمكن التعامل معه، ثم إلى “شريك” يمكن التعاون معه، يصبح السلام ممكناً ومستداماً على المدى الطويل.

المثال الكلاسيكي والتاريخي على ذلك هو التحول الجذري في العلاقات الفرنسية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية. بعد قرون طويلة من العداء الدموي والحروب المتكررة، وكان آخرها الحرب العالمية الثانية، تمكنت فرنسا وألمانيا من إعادة بناء علاقتهما بالكامل على أسس جديدة تماماً. هذا التحول المذهل لم يكن مجرد نتيجة لتوازن قوى جديد، أو لمصالح اقتصادية متبادلة، بل كان قبل كل شيء ثمرة تغيير عميق في الأفكار والتصورات والهويات. قادة عظماء مثل كونراد أديناور في ألمانيا وشارل ديغول في فرنسا، عملوا بوعي وإصرار على بناء خطاب سياسي وإعلامي جديد، يصور ألمانيا وفرنسا كشريكين أساسيين في بناء أوروبا الموحدة والمزدهرة، وليس كعدوين تقليديين لدودين. هذا التغيير الجذري في الخطاب ترجم إلى مشاريع ومؤسسات ملموسة، مثل الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، ثم السوق الأوروبية المشتركة، ثم الاتحاد الأوروبي، مما جعل الحرب بينهما “غير واردة فحسب، بل غير متصورة” كما قال بعض القادة.

4. الانتقادات الرئيسية:

· صعوبة قياس تأثير الأفكار: كيف يمكن قياس تأثير الأفكار والهويات بدقة وموضوعية، وفصلها عن العوامل المادية الأخرى المؤثرة مثل المصالح الاقتصادية وتوازن القوى العسكرية؟ هذا يشكل تحدياً منهجياً كبيراً للبنائية.
· الانتقاء المفرط للأمثلة الناجحة: هل يمكن تعميم التجربة الفريدة والخاصة جداً للعلاقات الفرنسية الألمانية على حالات أخرى أكثر تعقيداً واستعصاءً، مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، أو الصراعات الإثنية في أفريقيا؟ ينتقد البعض البنائية لتركيزها على أمثلة ناجحة وانتقائها.
· إهمال البنى المادية: النقاد يتهمون البنائية أحياناً بالمبالغة في التركيز على الأفكار وإهمال البنى المادية الصلبة (مثل القوة العسكرية والثروات الطبيعية والجغرافيا السياسية) التي تضع حدوداً حقيقية لتأثير الأفكار وتحد من قدرتها على التغيير.

رابعاً: نظريات نقدية أخرى

بالإضافة إلى المدارس الكبرى الثلاث (الليبرالية والواقعية والبنائية)، هناك نظريات نقدية مهمة تقدم رؤى مختلفة وجذرية للسلام، وتكشف عن أبعاد كانت مهمشة في النظريات التقليدية:

1. النظرية الماركسية: ترى النظرية الماركسية أن السبب الجذري والأساسي للحروب والعنف في المجتمع الدولي هو النظام الرأسمالي العالمي، الذي يقوم على الاستغلال الطبقي والصراع على الأسواق والموارد. فالسلام الحقيقي والدائم لا يمكن تحقيقه في ظل الرأسمالية، بل يتطلب تجاوزها وبناء مجتمع اشتراكي عادل لا طبقي. ماركس وإنجلز رأيا في الحرب العالمية الأولى تعبيراً صارخاً عن الصراع التنافسي بين الدول الرأسمالية الكبرى على إعادة تقسيم المستعمرات والأسواق العالمية.
2. نظرية ما بعد الكولونيالية (Post-colonialism): تركز هذه النظرية على الإرث التاريخي الثقيل للاستعمار الغربي، ودوره الحاسم في خلق بنى عنف مستمرة ومتجذرة في المجتمعات والعالم النامي. السلام الحقيقي، من هذا المنظور، يتطلب تفكيك هذه البنى الاستعمارية المتجذرة في الأفكار والمؤسسات والعلاقات الدولية غير المتكافئة. فرانز فانون وإدوارد سعيد هما من أبرز مفكري هذا التيار، حيث كشفا عن الآليات النفسية والثقافية التي يستمر بها الهيمنة الغربية حتى بعد الاستقلال السياسي.
3. النظرية النسوية (Feminism): تنتقد النظرية النسوية النظريات التقليدية للسلام لأنها تركز بشكل حصري على السلام بين الدول، وتهمل العنف الممنهج داخل المجتمعات، وخاصة العنف ضد النساء والفتيات. النسويات يرين أن بناء السلام الحقيقي والشامل يتطلب معالجة البنى الأبوية (Patriarchal) السائدة في المجتمعات، والتي تنتج العنف وعدم المساواة على جميع المستويات، من الأسرة إلى الدولة. كما يدعون بقوة إلى إشراك النساء بشكل فاعل في عمليات صنع السلام، ليس فقط كضحايا، بل كفاعلات رئيسيات وصانعات قرار، لأن تجاربهن وخبراتهن المختلفة ضرورية لبناء سلام شامل ومستدام.

خلاصة الفصل الأول

قدم هذا الفصل التأسيسي تحليلاً شاملاً ومتعمقاً للإطار المفاهيمي والنظري للسلام. بدأنا رحلتنا بتتبع تطور هذا المفهوم المرن عبر تاريخ الفكر الإنساني، من الفلسفات الشرقية القديمة التي رأت في السلام تناغماً كونياً، مروراً بالأديان التوحيدية التي جعلت منه قيمة متعالية، وصولاً إلى العصر الحديث بمشاريع السلام الدائم والمنظمات الدولية. ثم انتقلنا إلى تحليل النموذج الغالتونغي الثوري، وأبرزنا التمييز الحاسم بين السلام السلبي (غياب العنف المباشر فقط) والسلام الإيجابي (غياب العنف البنيوي والثقافي أيضاً)، وكيف أن هذا التمييز يعيد تعريف فهمنا للسلام بشكل جذري. وأخيراً، قمنا بتحليل مقارن ونقدي لأهم نظريات السلام في العلاقات الدولية، وكشفنا عن نقاط القوة والضعف في كل منها.

الخلاصة المركزية والأساسية التي نخرج بها من هذا الفصل هي أن السلام ليس مفهوماً بسيطاً يمكن اختزاله في غياب الحرب. السلام مفهوم متعدد الأبعاد والطبقات، ومركب بشكل كبير. فالسلام الحقيقي والمستدام، أي السلام الإيجابي، يتطلب معالجة الجذور العميقة للعنف، المتمثلة في الظلم الاجتماعي (العنف البنيوي) وثقافة الكراهية (العنف الثقافي)، وبناء مؤسسات عادلة وشاملة، ونشر قيم التسامح والحوار والمواطنة. هذا الفهم المتعمق والمتشعب للسلام سيشكل الأساس النظري الذي ينطلق منه البحث في الفصول التالية، حيث سننتقل من التنظير إلى تحليل آليات بناء السلام على أرض الواقع، ومن ثم إلى تشخيص التحديات المعاصرة التي تعترض سبيله.


الفصل الثاني: آليات بناء السلام وصيانته (الممارسة والتطبيق)

تمهيد

بعد أن أنجزنا في الفصل الأول التأصيل النظري والمفاهيمي العميق للسلام، وتبين لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن السلام الحقيقي المنشود هو السلام الإيجابي الذي يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار إلى بناء مجتمع عادل ومتماسك وقادر على الصمود، ينتقل بنا البحث في هذا الفصل من عالم التنظير إلى عالم الممارسة والتطبيق. السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف نبني هذا السلام المعقد؟ ما هي الآليات العملية المتاحة لنا؟ وكيف يمكن توظيفها بشكل فعال ومبدع لتحقيق سلام مستدام في مجتمعات مزقتها النزاعات؟

هذا الفصل مخصص بالكامل للإجابة عن هذه الأسئلة المصيرية، من خلال تحليل نقدي ومتعمق للآليات الرئيسية لبناء السلام وصيانته. سنتناول بالبحث والتحليل أربعة مباحث رئيسية ومترابطة. المبحث الأول يركز على الدبلوماسية الوقائية والوساطة، أي الجهود المبذولة لمنع نشوب النزاعات قبل أن تتفاقم. المبحث الثاني يتناول عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، بتطورها التاريخي عبر ثلاثة أجيال، وبتحدياتها وإشكالياتها المزمنة. المبحث الثالث والأكثر تفصيلاً يغطي بناء السلام بعد انتهاء النزاع، مع التركيز على أربع عمليات حاسمة: نزع السلاح وإعادة إدماج المقاتلين، والعدالة الانتقالية بمكوناتها الأربعة، وإصلاح المؤسسات الأمنية، والمصالحة الوطنية كهدف أسمى. وأخيراً، المبحث الرابع يسلط الضوء على الدور الحيوي والمهمل غالباً للفاعلين من غير الدول، وخاصة منظمات المجتمع المدني، والمرأة، والشباب، في بناء السلام من القاعدة إلى القمة.

الهدف الأساسي من هذا الفصل ليس مجرد العرض الوصفي الجاف لهذه الآليات، بل تحليلها نقدياً بعمق، واستخلاص عوامل النجاح والإخفاق من خلال دراسات الحالة الواقعية، وتقديم رؤية واضحة حول كيفية تطويرها وتكييفها لتصبح أكثر فعالية وملاءمة لمواجهة التحديات المعقدة في عالمنا المعاصر.

المبحث الأول: الدبلوماسية الوقائية والوساطة

أولاً: مفهوم الإنذار المبكر وتحليل النزاعات

الدبلوماسية الوقائية (Preventive Diplomacy) هي مجموعة الإجراءات والتدابير السياسية والدبلوماسية والقانونية التي تهدف إلى منع نشوب النزاعات أصلاً، أو منع تصاعد النزاعات القائمة وتطورها إلى مستوى العنف المسلح المفتوح. الفكرة الأساسية بسيطة جداً وعملية للغاية: منع الحرب أسهل بكثير وأقل تكلفة بكل المقاييس (بشرية ومادية وسياسية) من إيقافها بعد اندلاعها، وهو أصعب وأكثر تعقيداً من بناء السلام بعد انتهائها. الاستثمار في الوقاية هو أوفر استثمار يمكن للمجتمع الدولي القيام به.

لكن الدبلوماسية الوقائية لا يمكن أن تعمل في فراغ، ولا يمكن أن تكون مجرد أمنيات طيبة. هي تحتاج بشكل أساسي إلى نظام فعال ورصين للإنذار المبكر (Early Warning System) يمكنه رصد المؤشرات الدالة على احتمالية نشوب النزاع أو تصاعده، قبل أن تتفاقم الأوضاع وتخرج عن السيطرة. نظام الإنذار المبكر الفعال يجب أن يكون قادراً على رصد وتحليل مجموعة واسعة من المؤشرات على مستويات متعددة:

· المؤشرات السياسية: مثل تصاعد الخطاب السياسي المتطرف، وتزايد انتهاكات حقوق الإنسان، وأزمات الشرعية السياسية، وانسداد آفاق الإصلاح السياسي، وتدهور العلاقات بين الأحزاب، وفقدان الثقة في المؤسسات.
· المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية: مثل التفاقم الحاد في معدلات الفقر والبطالة، واتساع فجوة التفاوت بين الأغنياء والفقراء، وتدهور الخدمات العامة الأساسية (التعليم، الصحة)، وظاهرة النزوح الجماعي من المناطق المتضررة.
· المؤشرات الأمنية: مثل الانتشار الواسع وغير المنضبط للسلاح بين المدنيين، وتشكل الميليشيات المسلحة على أسس قبلية أو مناطقية، والتوترات على الحدود الدولية، وعلامات التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية.
· المؤشرات الثقافية: مثل تنامي خطاب الكراهية في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وترويج الأساطير القومية أو الدينية المحرضة ضد الآخر، والممارسات التمييزية الممنهجة ضد أقليات معينة.

تحليل النزاعات (Conflict Analysis) هو الأداة التحليلية الأساسية التي تستخدم لفهم الأسباب العميقة والجذور التاريخية للنزاع، وتحديد الأطراف الفاعلة الرئيسية، وتحليل ديناميكيات التفاعل المعقدة بينهم. من أشهر وأبسط النماذج المستخدمة في تحليل النزاعات نموذج “شجرة النزاع” (Conflict Tree)، الذي يميز بوضوح بين ثلاثة مستويات:

· الجذور (Root Causes): وهي الأسباب العميقة والبنيوية للنزاع، مثل الفقر المزمن، والتمييز البنيوي، وضعف الدولة، وغياب الديمقراطية والمشاركة، وتراكم المظالم التاريخية. هذه هي الأسباب التي يجب معالجتها لتحقيق سلام دائم.
· الجذع (Core Problems): وهي القضايا المركزية والمحورية التي يدور حولها النزاع بشكل مباشر، مثل الصراع على السلطة، أو الصراع على الثروات والموارد الطبيعية، أو الصراع على الهوية.
· الأغصان (Triggers): وهي العوامل المحفزة المباشرة التي تؤدي إلى اندلاع العنف الفعلي، مثل حادثة معينة (اغتيال شخصية سياسية)، أو انتخابات مزورة، أو كارثة طبيعية فجائية، أو خطاب تحريضي في وقت حرج.

ثانياً: أنواع الوساطة وأشكالها

الوساطة (Mediation) هي عملية تدخل طرف ثالث محايد، قد يكون فرداً أو دولة أو منظمة دولية أو إقليمية، بهدف تسهيل عملية التفاوض المباشر بين أطراف النزاع، والمساعدة في الوصول إلى تسوية مقبولة ومرضية للجميع، دون أن يكون للوسيط سلطة إلزامية لفرض حل معين. يمكن تصنيف الوساطة وفق عدة معايير:

1. حسب المستوى (Level):

· وساطة المستوى الأول (Track 1 Diplomacy): وهي وساطة رسمية على أعلى مستوى، تجري بين القادة السياسيين والدبلوماسيين الرسميين. تتعامل مع القضايا الكبرى والمصيرية مثل وقف إطلاق النار، وتقاسم السلطة، والترتيبات الدستورية. الوسيط هنا غالباً ما يكون دولة كبرى ذات ثقل دولي، أو منظمة دولية مثل الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي.
· وساطة المستوى الثاني (Track 2 Diplomacy): وهي وساطة غير رسمية على مستوى الخبراء والأكاديميين، والباحثين، وقادة المجتمع المدني، والشخصيات الدينية المؤثرة، والصحفيين. تركز هذه الوساطة على بناء الثقة بين الأطراف، وتطوير أفكار مبتكرة وحلول خلاقة، وتهيئة المناخ النفسي والاجتماعي المناسب للحوار الرسمي.
· وساطة المستوى الثالث (Track 3 Diplomacy): وهي وساطة شعبية على مستوى القاعدة الشعبية، تشمل مبادرات مجتمعية، ولقاءات شبابية ونسائية، ومشاريع مشتركة بين أبناء المجموعات المتنازعة. تهدف إلى بناء سلام من أسفل إلى أعلى، وخلق نسيج اجتماعي جديد يتجاوز الانقسامات.

2. حسب نوع الوسيط:

· الوسيط الفردي: شخصية بارزة تتمتع بالمصداقية الأخلاقية والنفوذ السياسي، مثل كوفي عنان في وساطته في الأزمة السورية، أو مارتي أهتيساري في وساطته في نزاع إقليم آتشيه في إندونيسيا.
· الوساطة الجماعية: مجموعة من الدول أو المنظمات تعمل معاً بشكل منسق، مثل اللجنة الرباعية للشرق الأوسط التي ضمت الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
· الوساطة الدولية أو الإقليمية: عبر منظمة دولية مثل الأمم المتحدة، أو منظمة إقليمية مثل الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية أو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

ثالثاً: شروط نجاح الوساطة

التجارب المتراكمة على مدى عقود في مجال الوساطة في النزاعات الدولية والداخلية تسمح لنا بتحديد مجموعة من الشروط الأساسية لنجاحها:

1. الحياد والمصداقية: يجب أن ينظر إلى الوسيط من قبل جميع أطراف النزاع على أنه طرف محايد حقاً، لا يميل لأي طرف على حساب الآخر، ولا يسعى لتحقيق مصالح خاصة به. فقدان الحياد يعني فقدان الثقة، وفقدان الثقة يعني فشل الوساطة حتماً.
2. فهم عميق ودقيق لثقافة النزاع: لا يمكن لوسيط أن ينجح في مهمته دون أن يمتلك فهماً عميقاً ودقيقاً للسياق الثقافي والتاريخي والاجتماعي والديني للنزاع. ما يصلح في سياق أمريكا اللاتينية قد لا يصلح في سياق أفريقيا أو آسيا.
3. توقيت مناسب وحاسم: الوساطة تحتاج إلى “نافذة فرصة” (Window of Opportunity) حقيقية تكون فيها جميع الأطراف مستعدة نفسياً وسياسياً للتفاوض بجدية. غالباً ما تتفتح هذه النافذة بعد معاناة الجميع من ويلات الحرب لفترة طويلة، وإدراكهم أن لا حل عسكري ممكن، وأن الاستمرار في الحرب سيكون مكلفاً للجميع.
4. دعم دولي وإقليمي قوي: الوساطة تحتاج إلى دعم نشط من القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، لضمان عدم تقويضها من الخارج، ولممارسة الضغط اللازم على الأطراف المترددة، ولتقديم الدعم المادي والسياسي لتنفيذ الاتفاق.
5. الاستمرارية والصبر الطويل: عمليات الوساطة في النزاعات المعقدة والمستعصية تأخذ وقتاً طويلاً جداً، وتحتاج إلى صبر كبير ومثابرة مستمرة من الوسيط، وعدم اليأس من الانتكاسات المؤقتة.

رابعاً: دراسة حالة: وساطة الأمم المتحدة في النزاع الكولومبي

تعتبر وساطة الأمم المتحدة في النزاع الكولومبي (2012-2016) بين الحكومة الكولومبية وقوات “القوات المسلحة الثورية الكولومبية” (فارك)، واحدة من أنجح وأهم عمليات الوساطة في التاريخ الحديث. هذا النجاح الباهر لم يأت من فراغ، بل يرجع إلى مجموعة من العوامل المترابطة:

· استعداد الأطراف الحقيقي: بعد أكثر من 50 عاماً من الحرب الأهلية الطاحنة (1964-2016)، أدرك الطرفان أخيراً أنه لا حل عسكري ممكن. فالجيش الحكومي لم يستطع القضاء على حركة التمرد رغم كل إمكانياته، وفارك أدركت أنها لن تستطيع الإطاحة بالحكومة والوصول إلى السلطة عبر السلاح.
· دور الوسيط المحايد والبناء: لعبت الأمم المتحدة دوراً محاياً وبناءً وذكياً، خاصة من خلال ممثلها الخاص. كما وفرت الأمم المتحدة غطاء دولياً وضمانات لتنفيذ الاتفاق، مما أعطى الطرفين ثقة أكبر في المستقبل.
· مزيج من السرية والعلانية: جرت المفاوضات في سرية تامة في البداية في هافانا عاصمة كوبا، مما سمح للأطراف بالتفاوض بحرية وصراحة دون ضغوط الإعلام والرأي العام. ثم أصبحت المفاوضات علنية في المراحل النهائية لضمان الشفافية والمشاركة.
· مشاركة ودعم المجتمع الدولي: حظيت العملية بدعم إقليمي قوي من دول مثل كوبا والنرويج، ودعم دولي واسع من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مما أعطى العملية زخماً وقوة.
· شمولية الاتفاق: لم يقتصر اتفاق السلام على وقف إطلاق النار ونزع سلاح المقاتلين، بل شمل قضايا جوهرية وهيكلية تتعلق بجذور النزاع، مثل الإصلاح الريحي الشامل، والمشاركة السياسية للمقاتلين السابقين، وحل مشكلة المخدرات التي كانت تمول الحرب، وإنشاء نظام للعدالة الانتقالية، وتعويض الضحايا.

لكن التحديات الجسيمة لا تزال قائمة بعد توقيع الاتفاق، وخاصة في مجال إعادة دمج المقاتلين السابقين في المجتمع، وحماية قادة المجتمع المدني والناشطين الذين اغتيل العشرات منهم في المناطق الريفية النائية، مما يذكرنا بأن توقيع الاتفاق ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة وصعبة من مراحل بناء السلام.

المبحث الثاني: عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (التطور التاريخي والنقد)

تمثل عمليات حفظ السلام (Peacekeeping Operations) إحدى أبرز وأهم أدوات الأمم المتحدة في إدارة النزاعات والحفاظ على السلام والأمن الدوليين. منذ أن شهد العالم أول عملية حفظ سلام في عام 1948، وهي هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة في فلسطين (UNTSO)، تطورت هذه العمليات بشكل كبير وجذري لمواكبة التحولات العميقة في طبيعة النزاعات الدولية والداخلية على حد سواء. يمكن تمييز ثلاثة أجيال رئيسية ومتميزة من عمليات حفظ السلام، يعكس كل منها مرحلة تاريخية وفلسفة معينة في التعامل مع النزاعات:

أولاً: الجيل الأول (التقليدي)

يمتد هذا الجيل من عام 1948، تاريخ إنشاء أول عملية حفظ سلام، حتى نهاية الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات. كانت عمليات هذا الجيل تقليدية في طبيعتها ومحدودة في مهامها.

· الخصائص:
· كانت هذه العمليات تركز بشكل أساسي على مراقبة الهدنة ووقف إطلاق النار، وفصل قوات الأطراف المتنازعة بعد انتهاء الحرب بين الدول.
· قامت على ثلاثة مبادئ أساسية وحاسمة: أولاً، موافقة الأطراف (Consent) على وجود القوة الدولية ونشاطها. ثانياً، الحياد التام (Impartiality) وعدم الانحياز لأي طرف على حساب الآخر. ثالثاً، عدم استخدام القوة إلا في حالة الدفاع المشروع عن النفس بشكل صارم ومحدود.
· كان المكون الأساسي لهذه البعثات هو المكون العسكري بشكل شبه حصري، مع وجود مراقبين عسكريين غير مسلحين أو قوات خفيفة التسليح.
· أمثلة: قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان (UNDOF) التي أنشئت عام 1974، وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) التي أنشئت عام 1978.
· النقد:
· كانت هذه العمليات فعالة فقط عندما تكون الأطراف المتنازعة راغبة حقاً في السلام، ولديها إرادة سياسية لتنفيذ الاتفاقات. لكنها كانت عاجزة تماماً عن التعامل مع النزاعات الداخلية المعقدة، أو مع الأطراف غير الحكومية التي لا تلتزم بقواعد الحرب التقليدية.
· مبدأ الحياد الصارم، الذي كان يشكل قوة هذه البعثات، تحول في بعض الحالات إلى نقطة ضعف كبيرة، حيث كان يعني التخلي عن حماية المدنيين عندما ينتهك أحد الأطراف الاتفاق، أو عندما ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ثانياً: الجيل الثاني (متعدد الوظائف)

مع انتهاء الحرب الباردة واندلاع موجة جديدة من النزاعات الداخلية في التسعينيات، ظهر جيل جديد من عمليات حفظ السلام أكثر تعقيداً وطموحاً.

· الخصائص:
· توسعت مهام هذه البعثات بشكل كبير لتشمل مسؤوليات مدنية وسياسية وإنسانية واسعة، إضافة إلى المهام العسكرية التقليدية.
· أصبحت المهام تشمل: المساعدة في تنظيم وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ومراقبة أوضاع حقوق الإنسان، ونزع سلاح المقاتلين السابقين وإعادة إدماجهم في المجتمع (DDR)، وتقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين، والمساهمة في إعادة بناء المؤسسات الوطنية المنهارة.
· أصبحت البعثات متكاملة ومتعددة الأبعاد، تضم مكونات عسكرية ومدنية وشرطية، بالإضافة إلى خبراء في مجالات القانون والإدارة والتنمية.
· أمثلة: سلطة الأمم المتحدة الانتقالية في كمبوديا (UNTAC, 1992-1993)، وقوة الأمم المتحدة في الصومال (UNOSOM, 1992-1995)، وبعثة الأمم المتحدة للإشراف على الاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو).
· النقد:
· غالباً ما كان طموح المهام الموكلة إلى هذه البعثات لا يتناسب مع الموارد المتاحة لها، سواء من حيث عدد الأفراد أو حجم التمويل أو مدة التفويض.
· واجهت البعثات صعوبات كبيرة في التنسيق بين المكونات المتعددة (العسكري، المدني، الشرطي)، ولكل منها ثقافته ولغته وأساليب عمله.
· ظهرت مشكلة “فجوة التوقعات” بين ما تعد به البعثة من تحقيق السلام والاستقرار، وبين ما تستطيع تحقيقه فعلياً على أرض الواقع في ظل ظروف صعبة ومعقدة.

ثالثاً: الجيل الثالث (الفرض القوي للسلام)

بعد الإخفاقات الكبيرة والمأساوية في التسعينيات، خاصة في رواندا (1994) والبوسنة (1995)، ظهر جيل ثالث من عمليات حفظ السلام يتمتع بولايات أكثر قوة وصلابة.

· الخصائص:
· تُنشأ هذه العمليات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يسمح باستخدام “كل الوسائل الضرورية” بما في ذلك القوة العسكرية لتنفيذ المهمة، وليس فقط للدفاع عن النفس.
· تسمح هذه الولايات باستخدام القوة بشكل استباقي لحماية المدنيين المعرضين للخطر، ولردع الأطراف التي تعطل عملية السلام، ولفرض السلام حتى في غياب موافقة جميع الأطراف.
· غالباً ما تتعامل هذه البعثات مع نزاعات داخلية معقدة للغاية حيث لا يوجد اتفاق سلام واضح، أو حيث توجد جماعات مسلحة متعددة لا تعترف بالعملية السياسية.
· أمثلة: بعثة الأمم المتحدة في سيراليون (UNAMSIL, 1999-2005)، والبعثة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (MINUSMA, 2013-2023)، وبعثة منظمة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO).
· النقد:
· مبدأ الحياد، الذي كان حجر الزاوية في الأجيال السابقة، أصبح موضع تساؤل جاد: هل يمكن لقوة عسكرية تقاتل أحد الأطراف وتستخدم القوة ضده أن تظل محايدة في نظر الأطراف الأخرى؟
· تعرضت هذه البعثات لمخاطر عالية جداً، وسقط العديد من جنود حفظ السلام قتلى في مواجهات مع جماعات مسلحة، كما حدث في مالي.
· ظهرت صعوبة كبيرة في تحديد متى وأين وكيف تستخدم القوة، وخطر الانجرار إلى صراع طويل الأمد يشبه حروب العصابات.

رابعاً: إشكاليات وتحديات عمليات حفظ السلام

تواجه عمليات حفظ السلام، بغض النظر عن جيلها، مجموعة من الإشكاليات المزمنة والتحديات المستعصية التي تهدد فعاليتها ومصداقيتها:

1. الحياد مقابل حماية المدنيين: أظهرت تجارب رواندا (1994) بكل وضوح مأساوي أن التمسك الصارم بمبدأ الحياد في مواجهة جرائم الإبادة الجماعية يمكن أن يتحول إلى تواطؤ في الجريمة. لكن من ناحية أخرى، فإن تجاوز الحياد نحو استخدام القوة يضع البعثة في موقف “طرف في النزاع” وليس قوة سلام محايدة، مما يعرضها للخطر ويقوض قدرتها على أداء مهامها الأخرى.
2. فجوة التوقعات والموارد: المهام الواسعة والطموحة التي تُسند إلى البعثات (حماية المدنيين في مناطق شاسعة، وبناء مؤسسات الدولة، ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان) غالباً ما لا تتناسب إطلاقاً مع الموارد المتاحة، سواء من حيث عدد الجنود والشرطة، أو حجم التمويل، أو الفترة الزمنية المحدودة للتفويض.
3. الاستغلال والانتهاكات: للأسف الشديد، تعرضت بعض بعثات حفظ السلام لفضائح مدوية تتعلق بالاستغلال الجنسي وانتهاكات حقوق الإنسان من قبل بعض عناصرها ضد السكان المحليين الذين جاءوا لحمايتهم. هذه الفضائح شوهت سمعة الأمم المتحدة بشكل كبير، وأضعفت مصداقية عمليات حفظ السلام في أعين المجتمعات المحلية.
4. فعالية العمليات على الأرض: دراسات وأبحاث متعددة شككت في الفعالية الحقيقية لعمليات حفظ السلام في حماية المدنيين، خاصة في المناطق النائية والريفية حيث تتركز أعمال العنف. فالقوات الدولية غالباً ما تتمركز في المدن الكبرى، وتكون بطيئة في الاستجابة للأحداث في الأرياف.
5. استراتيجية الخروج (Exit Strategy): كيف يمكن لبعثة حفظ السلام أن تنهي مهمتها بنجاح وتنسحب دون أن ينهار السلام الذي ساعدت في بنائه؟ كثير من البعثات تغادر تاركة وراءها أوضاعاً هشة وغير مستقرة، لا تلبث أن تنفجر من جديد بعد فترة وجيزة من انسحابها، مما يثير تساؤلات حول جدوى العملية برمتها.

المبحث الثالث: بناء السلام بعد انتهاء النزاع (Post-Conflict Peacebuilding)

بناء السلام بعد انتهاء النزاع هو مفهوم أوسع وأشمل من مجرد حفظ السلام. إنه مجموعة الجهود والتدخلات الدولية والوطنية والمحلية المتنوعة والمنسقة، التي تهدف إلى منع عودة العنف، وبناء سلام مستدام وعادل، ومعالجة الأسباب الجذرية والعميقة للنزاع التي تم تجاهلها لفترة طويلة. هذا المبحث يحلل بالتفصيل أربعة مكونات رئيسية ومترابطة لبناء السلام.

أولاً: نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR)

برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (Disarmament, Demobilization and Reintegration) هي عمليات حاسمة وضرورية لتحويل المقاتلين السابقين من تهديد للأمن إلى مواطنين منتجين ومساهمين في بناء المجتمع.

· نزع السلاح (Disarmament): هو عملية جمع الأسلحة الفردية والجماعية (الخفيفة والمتوسطة) من المقاتلين السابقين، وتوثيقها، وتدميرها بشكل آمن، أو تخزينها في مستودعات تحت إشراف دولي لضمان عدم عودتها إلى التداول مرة أخرى.
· التسريح (Demobilization): هو عملية حل الجماعات المسلحة رسمياً، وتسريح المقاتلين من هياكلهم العسكرية وثكناتهم، ونقلهم إلى معسكرات مؤقتة، وتقديم مساعدات انتقالية لهم (مالية وغذائية وصحية) لفترة محدودة، تمهيداً لعودتهم إلى الحياة المدنية.
· إعادة الإدماج (Reintegration): هي العملية الأطول والأكثر تعقيداً والأهم على الإطلاق. وهي تهدف إلى مساعدة المقاتلين السابقين وأسرهم على العودة إلى الحياة المدنية بشكل كامل ومستدام، من خلال برامج متكاملة تشمل: التدريب المهني على حرف جديدة، وتعويضات مالية تساعدهم على بدء حياة جديدة، ودعم نفسي واجتماعي لمساعدتهم على تجاوز صدمات الحرب، وتوفير فرص عمل حقيقية في القطاعين العام والخاص.

التحديات الهائلة لبرامج إعادة الإدماج:

· صعوبة التأكد من جمع جميع الأسلحة: غالباً ما يخفي المقاتلون أسلحة احتياطية تحسباً لأي طارئ، مما يشكل تهديداً أمنياً مستقبلياً.
· المشاكل النفسية العميقة للمقاتلين: سنوات طويلة من العنف تترك آثاراً نفسية عميقة (صدمات، كوابيس، اضطرابات)، بالإضافة إلى ثقافة عنف متجذرة يصعب تغييرها.
· رفض المجتمع المحلي: كثيراً ما يرفض أفراد المجتمع المحلي، الذين عانوا من ويلات الحرب، إعادة دمج من قتلوا أبناءهم ودمروا ممتلكاتهم. هذا الرفض يمكن أن يؤدي إلى أعمال ثأر وعنف جديد.
· الكلفة العالية: برامج إعادة الإدماج الحقيقية والناجحة تحتاج إلى تمويل ضخم ومستدام، وهو ما لا يتوفر غالباً، حيث يتحول اهتمام المانحين الدوليين إلى أزمات جديدة بعد فترة قصيرة.

ثانياً: العدالة الانتقالية (Transitional Justice)

العدالة الانتقالية هي مجموعة الآليات القضائية وغير القضائية المتكاملة التي تستخدمها المجتمعات لمواجهة إرث انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة في الماضي، بهدف تحقيق المساءلة، والعدالة للضحايا، والمصالحة الوطنية، ومنع تكرار الانتهاكات. تتضمن العدالة الانتقالية أربع ركائز أساسية ومترابطة:

1. المحاكمات الجنائية:

· المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY): أنشئت لمحاكمة مرتكبي الجرائم في حروب البلقان. نجحت في محاكمة العديد من كبار القادة السياسيين والعسكريين، مما شكل سابقة مهمة في مكافحة الإفلات من العقاب. لكنها اتهمت بالبطء الشديد، والتكلفة الباهظة، والتركيز على محاكمة الصرب أكثر من غيرهم.
· المحكمة الجنائية الدولية لرواندا (ICTR): أنشئت لمحاكمة مرتكبي الإبادة الجماعية ضد التوتسي. ساهمت بشكل كبير في تطوير القانون الدولي، خاصة في تعريف الاغتصاب كجريمة إبادة جماعية، وفي محاكمة المتورطين من وسائل الإعلام.
· المحكمة الجنائية الدولية الدائمة (ICC): أول محكمة جنائية دولية دائمة في التاريخ، أنشئت عام 2002. تواجه تحديات كبيرة جداً، خاصة في تنفيذ مذكرات الاعتقال التي تصدرها (مثل قضية الرئيس السوداني عمر البشير)، واتهامات متكررة بالانحياز ضد الدول الأفريقية واستهدافها بشكل غير متناسب.

2. لجان تقصي الحقائق والمصالحة:
النموذج الأبرز والأشهر هو لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا (1995-2002) برئاسة الأسقف ديزموند توتو. فلسفة اللجنة كانت تقوم على مبدأ “الكشف مقابل العفو” (Truth for Amnesty). بموجب هذا المبدأ، كان المجرمون الذين ارتكبوا انتهاكات في ظل نظام الفصل العنصري يُعرضون على اللجنة للاعتراف بجرائمهم علناً وبشكل كامل، مقابل الحصول على عفو وعدم ملاحقتهم قضائياً. الهدف الأساسي لم يكن العقاب، بل كشف الحقيقة كاملة، والاعتراف العلني بمعاناة الضحايا وآلامهم، وبناء سردية وطنية مشتركة للماضي، وتمهيد الطريق للمصالحة الحقيقية بين أبناء الوطن الواحد.

· نقاط القوة:
· سمحت بكشف الحقيقة بشكل واسع دون الدخول في المتاهات الطويلة والمعقدة للمحاكمات الجنائية.
· أعطت صوتاً للضحايا ومكانة اعتبارية لأول مرة، ومكنتهم من رواية قصصهم أمام الملأ.
· ساهمت بشكل كبير في انتقال جنوب أفريقيا من نظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية دون حرب أهلية شاملة، وهو إنجاز تاريخي بحد ذاته.
· نقاط الضعف:
· تعرضت لانتقادات حادة من ذوي الضحايا الذين رأوا في العفو الممنوح للمجرمين إفلاتاً من العقاب، وطعناً في مبدأ العدالة.
· لم تحقق عدالة جنائية حقيقية للمتورطين في أبشع الجرائم.
· ثبتت صعوبة تطبيق هذا النموذج في حالات أخرى مختلفة، مثل رواندا، حيث كانت الجرائم أكثر اتساعاً وانتشاراً، والبنية الاجتماعية مختلفة.

3. برامج التعويضات وإعادة التأهيل:
تهدف هذه البرامج إلى تعويض ضحايا الانتهاكات الجسيمة بشكل مادي ومعنوي، وإعادة تأهيلهم صحياً ونفسياً واجتماعياً واقتصادياً. يمكن أن تشمل التعويضات دفعات مالية، أو تقديم خدمات مجانية (تعليم، صحة، سكن)، أو اعترافاً رمزياً بمعاناتهم (نصب تذكارية، أيام وطنية لإحياء الذكرى).

4. الإصلاح المؤسسي (Security Sector Reform – SSR):
إصلاح قطاع الأمن (الجيش، الشرطة، المخابرات، القضاء) هو عملية حاسمة لضمان عدم عودة الانتهاكات. يتضمن هذا الإصلاح:

· تطهير المؤسسات: من العناصر المتورطة بشكل مباشر في انتهاكات حقوق الإنسان والفساد.
· التدريب: تدريب الكوادر الجديدة على مبادئ حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والشفافية، والمساءلة.
· الرقابة: تعزيز الرقابة البرلمانية والمجتمعية على قطاع الأمن، لضمان خضوعه للسلطة المدنية المنتخبة.
· التمثيل: ضمان تمثيل جميع مكونات المجتمع (إثنياً وطائفياً وجغرافياً) في المؤسسات الأمنية، لتعزيز شعور الجميع بالانتماء والولاء للدولة.

ثالثاً: المصالحة الوطنية: بناء جسور الثقة

المصالحة الوطنية هي العملية الأطول والأعمق والأكثر تعقيداً في بناء السلام. إنها ليست حدثاً أو اتفاقاً، بل هي عملية طويلة وشاقة تهدف إلى بناء جسور الثقة بين المجموعات المتناحرة، وعلاج الصدمات الجماعية العميقة التي خلفتها سنوات العنف، وبناء رؤية مشتركة ومستقبل موحد للجميع. المصالحة الوطنية تتجاوز العدالة الانتقالية التي تركز على الماضي، إلى بناء مستقبل مشترك قائم على التسامح والتعايش.

أدوات وسبل المصالحة الوطنية:

· التعليم: تطوير مناهج تعليمية جديدة تعزز قيم التسامح والتعايش وحقوق الإنسان والمواطنة، وتقدم رواية تاريخية متوازنة وعادلة لا تحرض ضد الآخر أو تكرس صوراً نمطية سلبية.
· الإعلام: إنتاج محتوى إعلامي (مسلسلات، أفلام، برامج حوارية) يعزز ثقافة السلام ويكسر الصور النمطية السلبية ويسلط الضوء على قصص التعايش والمصالحة.
· الفنون: استخدام المسرح والسينما والأدب والفن التشكيلي كأدوات قوية لعلاج الصدمات الجماعية، والتعبير عن المعاناة، وخلق مساحات آمنة للحوار والتواصل بين أبناء المجموعات المختلفة.
· المبادرات المجتمعية: دعم اللقاءات الشبابية والنسائية المشتركة، والمشاريع الاقتصادية التعاونية التي تجمع أبناء المجموعات المختلفة، والحوارات المجتمعية على المستوى المحلي.

المبحث الرابع: دور الفاعلين من غير الدول في بناء السلام

أولاً: المجتمع المدني: من القاعدة إلى القمة (Bottom-up)

يلعب المجتمع المدني، بشقيه المنظمات غير الحكومية والنقابات والجمعيات الأهلية والمؤسسات الدينية المستقلة، دوراً حاسماً ولا غنى عنه في بناء السلام، وخاصة على المستوى المحلي الذي غالباً ما تغفله الجهود الدولية الكبرى. يمكن تلخيص هذا الدور المتعدد الأوجه في:

· الرقابة والمساءلة: مراقبة أداء الحكومة والمؤسسات الرسمية، ورصد انتهاكات حقوق الإنسان، وكشف الفساد، والمطالبة بالشفافية والمساءلة.
· تقديم الخدمات الأساسية: تقديم خدمات صحية وتعليمية وإنسانية في المناطق النائية والمهمشة التي تغيب عنها الدولة، مما يعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات.
· الضغط والمناصرة (Advocacy): الضغط على صانعي القرار المحليين والدوليين لتبني سياسات أكثر عدالة وإنصافاً، والمناصرة لحقوق الفئات المهمشة والمتضررة.
· بناء السلام من القاعدة: تنفيذ برامج مجتمعية للمصالحة على المستوى المحلي، وتدريب الأفراد على مهارات حل النزاعات والحوار، وتمكين الشباب والنساء من المشاركة الفاعلة.

ثانياً: المرأة والسلام والأمن (أجندة 1325)

شكل قرار مجلس الأمن التاريخي رقم 1325 (2000) نقطة تحول كبرى في الاعتراف الدولي بالدور الحيوي للمرأة في بناء السلام. القرار وأخواته من القرارات اللاحقة (1820، 1888، 1889، 2122، 2242) يؤكد على أربع ركائز أساسية:

1. مشاركة المرأة: ضرورة المشاركة الفاعلة والمتساوية للمرأة في جميع مستويات صنع القرار المتعلق بالسلام والأمن، من المفاوضات إلى تنفيذ الاتفاقيات ومراقبتها.
2. حماية المرأة: حماية النساء والفتيات بشكل خاص من العنف الجنسي والجنساني في أوقات النزاع وما بعده.
3. الوقاية: منع العنف ضد المرأة من خلال تعزيز حقوقها ومشاركتها الاقتصادية والسياسية، ومعالجة الأسباب الجذرية لعدم المساواة.
4. الإغاثة والتعافي: تلبية احتياجات النساء الخاصة في عمليات الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار والتعافي.

أهمية إشراك المرأة (بالأدلة):
دراسة رائدة أجرتها جامعة بروكسل الحرة عام 2015، حللت 182 اتفاق سلام تم توقيعها بين عامي 1989 و2011، وأظهرت نتيجة مذهلة: مشاركة المرأة في عملية التفاوض تزيد من فرص استدامة اتفاقيات السلام بنسبة تصل إلى 35%. لماذا؟ لأن النساء عادة ما:

· يمتلكن قدرة أكبر على بناء جسور الثقة عبر الانقسامات المجتمعية.
· يضعن قضايا مجتمعية أوسع (مثل التعليم، الصحة، الحماية الاجتماعية) على طاولة المفاوضات، وليس فقط قضايا تقاسم السلطة.
· يكن أقل تورطاً في شبكات العنف والاقتصادات غير الشرعية التي تستفيد من استمرار الصراع.

التحديات المستمرة:

· تهميش المرأة بشكل مستمر في طاولات المفاوضات الرسمية، حيث لا تزال نسب مشاركتها متدنية جداً.
· استمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي بشكل ممنهج في فترات النزاع وما بعدها.
· صعوبة تحقيق التوازن بين المشاركة الكمية (وجود عدد من النساء) والمشاركة النوعية (تأثير حقيقي في القرارات).

ثالثاً: الشباب: تحويل الطاقات من الصراع إلى البناء

يشكل الشباب، وخاصة في الفئة العمرية بين 15 و29 عاماً، نسبة كبيرة جداً من سكان الدول الهشة والخارجة من النزاعات. تهميش هذه الفئة الكبيرة وحرمانها من فرص العمل والتعليم والمشاركة السياسية يشكل خطراً كبيراً على السلام (نظرية “طفرات الشباب” – Youth Bulge – تربط بين كتلة الشباب العاطلين وزيادة احتمالية العنف). في المقابل، فإن تمكين هؤلاء الشباب واستثمار طاقاتهم يمكن أن يحولهم إلى قوة دافعة هائلة للبناء والتنمية.

دور الشباب في بناء السلام:

· المبادرات المجتمعية: قيادة مبادرات مجتمعية مبتكرة للمصالحة والتعايش، وتنظيم فعاليات ثقافية ورياضية مشتركة تجمع شباباً من خلفيات مختلفة.
· الإعلام الجديد: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام الرقمي لنشر ثقافة السلام والتسامح، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف الإلكتروني، وخلق مساحات افتراضية للحوار.
· ريادة الأعمال: إنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة توفر فرص عمل حقيقية للشباب، وتجمع في نفس الوقت شباباً من خلفيات متنوعة في فرق عمل مشتركة، مما يعزز التعايش والتواصل.
· المشاركة السياسية: الانخراط الفاعل في الأحزاب السياسية، والمجالس المحلية، والبرلمان، والمطالبة بحقوقهم والمشاركة في صنع القرار.

خلاصة الفصل الثاني

قدم هذا الفصل تحليلاً شاملاً ومفصلاً للآليات المتعددة والمتكاملة لبناء السلام وصيانته. بدأنا بالدبلوماسية الوقائية التي تهدف إلى منع النزاعات قبل اندلاعها، ثم انتقلنا إلى عمليات حفظ السلام بثلاثة أجيالها المختلفة وتحدياتها المزمنة، ثم تعمقنا في العمليات المعقدة لبناء السلام بعد انتهاء النزاع من خلال برامج نزع السلاح وإعادة الإدماج، والعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية، وأخيراً أبرزنا الدور الحيوي للفاعلين من غير الدول، المجتمع المدني والمرأة والشباب، كشركاء أساسيين لا يمكن الاستغناء عنهم.

الخلاصة الرئيسية والمركزية هي أن بناء السلام الفعال والمستدام ليس عملية بسيطة أو خطية، بل يتطلب مقاربة شاملة ومتكاملة، تدمج بشكل خلاق بين الجهود الأمنية والسياسية والتنموية والاجتماعية والثقافية، وتشرك جميع الفاعلين على مختلف المستويات. كما أن نجاح هذه الآليات يعتمد بشكل حاسم على ملاءمتها للسياق المحلي الفريد لكل مجتمع، وعلى تملك المجتمعات المحلية لهذه العمليات والإحساس بأنها “عملياتهم” وليست مفروضة من الخارج، وعلى استمرارية الدعم الدولي لفترة كافية تسمح بترسيخ دعائم السلام.

الفصل الثالث: تحديات السلام في النظام الدولي المعاصر (عقبات وتشابكات)

تمهيد

بعد أن استعرضنا في الفصل الثاني بالتفصيل آليات بناء السلام المتاحة، ننتقل في هذا الفصل الثالث والأخير إلى تحليل التحديات الكبرى والمستعصية التي تواجه هذه الآليات وتعوق تحقيق سلام مستدام وعادل. هذه التحديات ليست منفصلة أو مستقلة عن بعضها البعض، بل هي متشابكة ومتداخلة بشكل وثيق، مما يخلق معادلة معقدة ومتعددة الأبعاد يصعب حلها. سنتناول بالتحليل أربعة تحديات رئيسية ومترابطة: تحول طبيعة النزاعات نحو النزاعات الداخلية المسلحة، والإرهاب والعنف السياسي العابر للحدود، والفقر وعدم المساواة كعوامل مولدة للنزاع، وأخيراً التغير المناخي وأمن الموارد كتحدي صاعد وخطير في القرن الحادي والعشرين.

المبحث الأول: تحول طبيعة النزاعات: النزاعات الداخلية المسلحة (New Wars)

أولاً: نظرية ماري كالدور عن “الحروب الجديدة”

تقدم الباحثة البريطانية البارزة ماري كالدور في كتابها الشهير والمؤثر “الحروب الجديدة والقديمة” (New and Old Wars, 2012) تحليلاً عميقاً ومهماً للتحول الجذري في طبيعة النزاعات المسلحة بعد نهاية الحرب الباردة. وفقاً لكالدور، فإن “الحروب الجديدة” (New Wars) التي نشهدها اليوم تختلف جوهرياً عن “الحروب القديمة” (Old Wars) التقليدية التي كانت بين الدول، وذلك في عدة جوانب حاسمة:

1. الفاعلون: في الحروب القديمة، كان الفاعلون الرئيسيون هم جيوش الدول النظامية، بزيها الرسمي وقيادتها الواضحة. في الحروب الجديدة، الفاعلون متنوعون ومعقدون: ميليشيات محلية قبلية أو عشائرية، جماعات متمردة مسلحة، أمراء حرب (Warlords)، جماعات إجرامية منظمة، مرتزقة وشركات أمن خاصة، وحتى قوات حفظ السلام الدولية في بعض الأحيان.
2. الأهداف: الحروب القديمة كانت تخاض لتحقيق أهداف سياسية واضحة ومحددة: السيطرة على أرض، تغيير حدود، فرض هيمنة استراتيجية. الحروب الجديدة أهدافها أكثر غموضاً وتشابكاً وتعقيداً: السيطرة على موارد طبيعية ثمينة (نفط، ماس، أخشاب)، تصفية حسابات إثنية أو طائفية قديمة، تحقيق مكاسب شخصية لقادة الميليشيات، وحتى السيطرة على تجارة المخدرات أو تهريب البشر.
3. الأساليب: الحروب الجديدة لا تعتمد على معارك تقليدية بين جيشين في جبهات محددة. هي تعتمد على حرب العصابات، والكمائن، والتفجيرات، والاغتيالات. والأخطر من ذلك، تعتمد على استهداف المدنيين بشكل متعمد ومنهجي كاستراتيجية أساسية (التطهير العرقي، الاغتصاب الجماعي كسلاح حرب، التهجير القسري للسكان، الحصار والتجويع).
4. الاقتصاد: الحروب الجديدة تمول نفسها بنفسها عبر الاقتصادات غير الشرعية والعابرة للحدود: تهريب المخدرات، الاتجار بالبشر، بيع الموارد الطبيعية في السوداء، الابتزاز والنهب، والسيطرة على المساعدات الإنسانية وتحويل مسارها. هذا يعني أن استمرار الحرب قد يصبح مصلحة اقتصادية حقيقية للبعض (أمراء الحرب، تجار السلاح).
5. العلاقة مع المدنيين: في الحروب التقليدية، كان هناك تمييز نظري على الأقل بين المقاتلين والمدنيين. في الحروب الجديدة، المدنيون هم الهدف الأساسي والمركزي. الحرب تدور في وسط المجتمعات، ويتم استهداف المدنيين بشكل متعمد لخلق الخوف والرعب، وإجبارهم على النزوح الجماعي، وتفريغ المناطق من سكانها الأصليين.

هذا التحول الجذري في طبيعة النزاعات يشكل تحدياً هائلاً لآليات بناء السلام التقليدية. كيف يمكن التفاوض مع جماعات لا تمثلها قيادة واضحة وموحدة؟ كيف يمكن تطبيق القانون الدولي الإنساني في حروب لا تحترم أي قواعد أو أعراف؟ كيف يمكن إعادة بناء مجتمع بعد أن تم تدمير نسيجه الاجتماعي بالكامل، وزرع بذور الكراهية العميقة بين أبنائه؟

ثانياً: العوامل الإثنية والطائفية: كيف يتم تسييس الهويات وتحويلها إلى أداة للعنف؟

من أبرز وأخطر ملامح النزاعات الداخلية المعاصرة هو تسييس الهويات الإثنية والطائفية، وتحويلها من مجرد انتماءات ثقافية أو دينية إلى أدوات فتاكة للعنف والتعبئة الجماهيرية. هذا لا يعني أن هذه النزاعات هي “قديمة” أو “بدائية” بطبيعتها، كما يحاول البعض تصويرها. بل على العكس، هي حداثية في آلياتها وأدواتها: تستخدم الإعلام الحديث والتكنولوجيا المتطورة، وتوظف خطابات قومية ودينية معاصرة، وتستفيد من البنى السياسية والاقتصادية القائمة.

كيف تتحول الهوية إلى أداة عنف؟

· تأريخ المظالم: يتم إحياء ذاكرة جماعية انتقائية للمظالم التاريخية (حقيقية أو متخيلة) وتوظيفها بشكل مكثف لتبرير العنف الحالي، وخلق شعور بالثأر والانتقام.
· خطاب الكراهية: يتم استخدام وسائل الإعلام، وخاصة الإعلام الجديد ومنصات التواصل الاجتماعي، لنشر خطاب كراهية واسع ومنظم، يصور الآخر كخطر وجودي يجب القضاء عليه، وككائن أدنى درجة يستحق الاحتقار.
· تجييش الهوية: يتم حشد الناس وتعبئتهم حول هويتهم الإثنية أو الطائفية، وتحويل الانتماء الثقافي أو الديني إلى انتماء سياسي – عسكري يتطلب الولاء المطلق والاستعداد للقتال.
· اقتصاد الهوية: يتم توزيع الموارد والمناصب والثروات على أساس الهوية، مما يخلق مصالح اقتصادية قوية وشخصية لشريحة واسعة في استمرار الانقسام والصراع.

ثالثاً: دراسة حالة: الإبادة الجماعية في رواندا (1994)

تعتبر الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 واحدة من أبشع وأفظع تجليات تحول الهوية إلى أداة عنف منظم. في حوالي 100 يوم فقط، قُتل ما بين 800,000 إلى مليون شخص من أقلية التوتسي وأيضاً من معتدلي الهوتو، على أيدي ميليشيات الهوتو المتطرفة، في واحدة من أسرع عمليات الإبادة الجماعية في التاريخ.

دور الإعلام في التحريض: كانت إذاعة “آر تي إل إم” (RTLM) أداة أساسية ومحورية في التحريض على الإبادة. كانت تبث خطاب كراهية يومياً ومكثفاً يصف التوتسي بـ”الصراصير” ويدعو إلى قتلهم وتصفيتهم جسدياً، ويحدد أماكن تواجدهم، ويشجع الهوتو على القيام بواجبهم الوطني. هذا الاستخدام الشيطاني للإعلام يحول مفهوم “العنف الثقافي” عند غالتونغ إلى واقع ملموس ومأساوي.

دروس مستفادة من رواندا:

· الفشل الدولي الذريع: المجتمع الدولي بأسره (الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، فرنسا، بلجيكا) فشل فشلاً ذريعاً في منع الإبادة أو حتى التحرك لوقفها في الوقت المناسب، مما شكل وصمة عار في جبين الإنسانية.
· دور المجتمع المحلي الإيجابي: على النقيض من الفشل الدولي، كان هناك أفراد ومجموعات محلية من الهوتو الشجعان الذين اختبأوا وأخفوا جيرانهم التوتسي، وخاطروا بحياتهم لإنقاذهم، مما يؤكد أن الهوية ليست قدراً محتوماً، وأن هناك دائماً خيارات فردية للشجاعة والإنسانية.
· المصالحة بعد الإبادة: كيف يمكن بناء سلام في مجتمع بعد إبادة جماعية بهذا الحجم؟ التجربة الرواندية الفريدة اعتمدت على مزيج معقد من آليات العدالة (محاكم غاتشاتشا التقليدية التي حاكمت المئات من مرتكبي الجرائم الصغرى على المستوى المحلي)، والمصالحة المجتمعية (برامج جمعت الضحايا والجلادين في حوارات جماعية)، والتنمية الاقتصادية السريعة، وبناء هوية وطنية موحدة تتجاوز الانقسام الإثني القديم. لكن التحديات الهائلة لا تزال قائمة حتى اليوم.

المبحث الثاني: الإرهاب والعنف السياسي العابر للحدود

أولاً: تحديات الجماعات الإرهابية لعمليات بناء السلام

تمثل الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، مثل داعش والقاعدة وبوكو حرام والشباب، تحدياً خاصاً ومستعصياً لعمليات بناء السلام التقليدية. هذه الجماعات:

· لا تسعى للتفاوض: هدفها الأيديولوجي المتطرف ليس الحصول على تنازلات سياسية أو تقاسم سلطة، بل فرض رؤيتها المتطرفة بالقوة، وتدمير النظام السياسي والاجتماعي القائم بالكامل.
· لا تعترف بالحدود الوطنية: تعمل بحرية عبر الحدود الدولية، وتستفيد من المناطق غير المستقرة والضعيفة كملاذات آمنة لها.
· تستهدف المدنيين بشكل متعمد: لخلق الرعب والفوضى وزعزعة الاستقرار، وإثبات قدرتها على ضرب أي هدف في أي مكان.
· تمتلك قدرات إعلامية متطورة: تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإنترنت بذكاء للترويج لدعايتها، وجذب المقاتلين الجدد من جميع أنحاء العالم، ونشر الرعب.

ثانياً: صعوبة تطبيق آليات بناء السلام التقليدية

الآليات التقليدية التي استعرضناها في الفصل الثاني، مثل الوساطة والحوار ونزع السلاح وإعادة الإدماج، تفقد فعاليتها بشكل كبير مع هذه الجماعات:

· الوساطة: مع من تتفاوض بالضبط؟ هذه الجماعات لا مركزية في كثير من الأحيان، وليس لها قيادة واضحة يمكن التفاوض معها، وهي معنية باستمرار العنف، وقد تستخدم المفاوضات لمجرد كسب الوقت أو تحسين مواقعها.
· نزع السلاح: لا يمكن نزع سلاح من لا يعترف بشرعية الدولة ولا بالاتفاقيات الموقعة.
· إعادة الإدماج: كيف يمكن إعادة دمج مقاتلين يحملون أيديولوجية متطرفة عميقة ترفض الآخر وتبارك قتله، وتعتبر العنف واجباً دينياً؟

ثالثاً: التناقض بين منطق مكافحة الإرهاب ومنطق بناء السلام

هناك توتر بنيوي وأساسي بين منطقين مختلفين: منطق مكافحة الإرهاب (المنظور الأمني والعسكري) ومنطق بناء السلام (المنظور التنموي والحقوقي والإنساني):

· مكافحة الإرهاب: تركز بشكل أساسي على القوة العسكرية والعمليات الأمنية، وتصنف الأطراف بسرعة إلى “خير مطلق” و”شر مطلق”، وتتجاهل في الغالب الأسباب الجذرية للعنف والتطرف (الفقر، التهميش، الظلم، الجهل).
· بناء السلام: يركز على معالجة الأسباب الجذرية للعنف، ويفتح قنوات حوار حتى مع أطراف صعبة، ويحاول إعادة دمج الجميع في العملية السياسية.

الخطر الحقيقي هو أن تتغول سياسات مكافحة الإرهاب المتشددة على جهود بناء السلام، مما يؤدي إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتوسيع دائرة العنف بدلاً من تضييقها، وتغذية الإرهاب نفسه من خلال خلق المزيد من الساخطين والراغبين في الانتقام.

المبحث الثالث: الفقر، وعدم المساواة، والتفاوت الاقتصادي

أولاً: العودة إلى مفهوم غالتونغ للعنف البنيوي

هذا التحدي يعيدنا بشكل مباشر وأساسي إلى مفهوم يوهان غالتونغ الثوري عن “العنف البنيوي”. الفقر المدقع الذي يحرم ملايين البشر من الكرامة، والتفاوت الاقتصادي الحاد والفجوة الصارخة بين الأغنياء والفقراء، والحرمان من الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، والتهميش الاقتصادي الممنهج لمناطق بأكملها أو فئات اجتماعية كاملة، كل هذه أشكال من العنف البنيوي الذي يخلق أرضاً خصبة جداً لنشوء النزاعات وتفجرها. ليس الفقر في حد ذاته هو المسبب المباشر للنزاع دائماً، بل هو الشعور العميق بالظلم والحرمان النسبي وغياب الأمل.

ثانياً: نظرية “الحرمان النسبي” لتيد غر

يقدم عالم السياسة الأمريكي الشهير تيد غر في كتابه الكلاسيكي “لماذا يتمرد الرجال” (Why Men Rebel, 1970) نظرية “الحرمان النسبي” (Relative Deprivation) لشرح أسباب العنف السياسي والتمرد. الفكرة الأساسية والبسيطة هي: العنف لا ينشأ عندما يكون الناس فقراء فقط، بل عندما يشعرون بوجود فجوة كبيرة بين توقعاتهم (ما يعتقدون أنهم يستحقونه من حياة كريمة) وبين قدرتهم الفعلية على تحقيق هذه التوقعات. عندما تتحسن الظروف قليلاً ثم تتراجع فجأة، أو عندما تنتشر أفكار المساواة والعدالة عبر الإعلام في مجتمع تقليدي، يزداد الشعور بالحرمان النسبي بشكل حاد، مما يزيد بشكل كبير من احتمالية الاحتجاج العنيف والتمرد.

ثالثاً: العلاقة الجدلية بين التنمية والسلام

العلاقة بين التنمية والسلام هي علاقة جدلية متبادلة ووثيقة:

· السلام شرط أساسي للتنمية: لا يمكن تحقيق أي تنمية اقتصادية أو اجتماعية حقيقية في ظل حرب مستعرة وعدم استقرار مزمن. الحرب تدمر البنى التحتية، وتقتل الكفاءات، وتخيف الاستثمارات، وتقطع أوصال المجتمع.
· التنمية العادلة شرط لاستدامة السلام: التنمية غير العادلة وغير المتوازنة، التي تزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتهمش مناطق معينة وتفضل أخرى، وتخلق شعوراً بالإحباط واليأس بين الشباب، هذه التنمية تخلق بذور نزاع مستقبلي حتمي.

هذا يعني أن بناء السلام لا يمكن فصله بتاتاً عن بناء نموذج تنموي عادل وشامل وإنساني. إن فشل النموذج النيوليبرالي السائد في توفير تنمية عادلة وشاملة في كثير من المجتمعات الهشة والنامية ساهم بشكل كبير في خلق بيئة مواتية لنشوء النزاعات وتفجرها.

المبحث الرابع: التغير المناخي وأمن الموارد (التحدي الأكبر في القرن الحادي والعشرين)

أولاً: تغير المناخ كمضاعف للتهديد (Threat Multiplier)

لا يعتبر تغير المناخ في حد ذاته سبباً مباشراً وحيداً للنزاعات المسلحة. لكن دوره الأخطر هو أنه يعمل كـ”مضاعف للتهديد” (Threat Multiplier). بمعنى أنه يأخذ المشاكل والتوترات القائمة (فقر، ضعف مؤسسات، توترات إثنية، بطالة، ندرة موارد) ويزيدها سوءاً وتعقيداً. تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عام 2014 وصف تغير المناخ بأنه “مسرع لعدم الاستقرار” (instability accelerator).

كيف يعمل تغير المناخ كمضاعف للتهديد؟

· يزيد من حدة ندرة الموارد الحيوية والأساسية مثل المياه العذبة، والغذاء، والأراضي الصالحة للزراعة، والطاقة.
· يتسبب في موجات هجرة جماعية قسرية غير مسبوقة (لاجئو المناخ)، مما يضغط على المجتمعات المضيفة.
· يضعف قدرة الدول الهشة بالفعل على توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، ويقوض شرعيتها.
· يخلق أزمات إنسانية متتالية ومتراكمة (جفاف، فيضانات، مجاعات، حرائق) تستنزف الموارد.

ثانياً: ندرة الموارد والصراع عليها

تعتبر ندرة الموارد الطبيعية، وخاصة المياه العذبة، واحدة من أبرز وأخطر قنوات تأثير تغير المناخ على النزاع. الصراع على المياه يزداد حدة وتوتراً في العديد من المناطق الحيوية حول العالم:

· حوض النيل: التوتر المزمن بين دول المصب (مصر والسودان) ودول المنبع (إثيوبيا) حول سد النهضة الإثيوبي الكبير.
· حوض دجلة والفرات: التوتر بين تركيا (دولة المنبع التي تسيطر على منابع النهرين) وسوريا والعراق (دولتا المصب).
· نهر الأردن: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يتضمن بعداً مائياً مهماً جداً، حيث تسيطر إسرائيل على معظم مصادر المياه في الضفة الغربية.

كذلك، فإن ندرة الأراضي الزراعية الخصبة بسبب التصحر وتدهور التربة وارتفاع منسوب مياه البحر، تخلق صراعات جديدة وخطيرة بين الرعاة الرحل والمزارعين المستقرين، كما يحدث بشكل متزايد في منطقة الساحل الأفريقي ونيجيريا والسودان.

ثالثاً: الهجرة القسرية بسبب المناخ

“لاجئو المناخ” (Climate Refugees) لم يعد مصطلحاً مستقبلياً، بل أصبح واقعاً ملموساً ومأساوياً. الملايين من البشر يضطرون قسراً للنزوح من مناطقهم الأصلية بسبب:

· الكوارث الطبيعية المتكررة والشديدة: فيضانات مدمرة (باكستان، البنغال)، أعاصير عنيفة (الولايات المتحدة، منطقة الكاريبي)، موجات حر وجفاف غير مسبوقة (القرن الأفريقي).
· التصحر وتدهور الأراضي الزراعية: مما يجعل الحياة مستحيلة في مناطق رعوية وزراعية شاسعة.
· ارتفاع منسوب مياه البحر: مما يهدد بغرق دول جزرية بأكملها (مثل جزر المالديف وتوفالو) ومناطق ساحلية كثيفة السكان (مثل دلتا النيل في مصر، ودلتا الغانج في البنغال).

هذه الهجرات الجماعية والقسرية تضع ضغوطاً هائلة على المجتمعات المستقبلة، التي غالباً ما تكون فقيرة وتعاني أصلاً من مشاكلها، مما قد يؤدي بسهولة إلى توترات وصراعات حدودية وإثنية جديدة.

رابعاً: دبلوماسية المناخ والموارد

في مواجهة هذه التحديات الهائلة والمتشابكة، يصبح من الضروري الملح تطوير “دبلوماسية المناخ” و”دبلوماسية الموارد” كأدوات أساسية وجديدة لبناء السلام في القرن الحادي والعشرين. هذا يتطلب:

1. دمج البعد البيئي والمناخي في استراتيجيات الأمن القومي والدولي: لم يعد تغير المناخ مجرد قضية بيئية ثانوية، بل هو قضية أمن قومي وسلام دولي بامتياز.
2. إنشاء منصات تفاوض دولية وإقليمية دائمة لإدارة الموارد المشتركة: خاصة الموارد المائية العابرة للحدود. الهدف هو تحويل الصراع المحتمل على المياه إلى تعاون مستدام في إدارة الموارد المائية المشتركة.
3. دعم برامج التكيف مع تغير المناخ في الدول الهشة والأكثر تضرراً: مساعدة المجتمعات الأكثر هشاشة على التكيف مع آثار تغير المناخ (من خلال مشاريع الري الحديثة، الزراعة المقاومة للجفاف، حماية السواحل) هو استثمار مباشر في منع نشوب النزاعات.
4. الاستثمار الضخم في الطاقة المتجددة: تقليل الاعتماد العالمي على الوقود الأحفوري، الذي هو السبب الرئيسي لتغير المناخ وأيضاً مصدر رئيسي للصراعات الدولية (صراعات النفط).

خلاصة الفصل الثالث

قدم هذا الفصل تحليلاً متعمقاً ومتشعباً لأربعة تحديات كبرى ومترابطة تواجه السلام في النظام الدولي المعاصر. أولاً، تحول طبيعة النزاعات نحو نزاعات داخلية معقدة وغير تقليدية (الحروب الجديدة). ثانياً، الإرهاب العابر للحدود الذي يتحدى آليات بناء السلام التقليدية. ثالثاً، الفقر وعدم المساواة والتفاوت الاقتصادي كعوامل بنيوية مولدة للنزاع. ورابعاً، تغير المناخ وأمن الموارد كتحدي صاعد وخطير.

ما يبرز بوضوح من هذا التحليل هو التشابك العميق والتداخل الوثيق بين هذه التحديات. فالنزاع في منطقة الساحل الأفريقي، على سبيل المثال، ليس مجرد نزاع واحد، بل هو مزيج معقد من: صراع داخلي على الموارد الشحيحة (أرض، ماء)، وجود جماعات إرهابية وجهادية تنشط في المنطقة، وفقر مدقع وتهميش مزمن، وتأثيرات متسارعة لتغير المناخ (جفاف، تصحر، ندرة مياه). هذا التشابك المعقد يتطلب استجابات دولية وإقليمية ومحلية متعددة المستويات ومتكاملة، تدمج بشكل خلاق بين العمل الأمني والسياسي والتنموي والبيئي والدبلوماسي والإنساني. لا يمكن لأي حل أحادي أن ينجح في مواجهة هذه التحديات المتشابكة.

الخاتمة والاستنتاجات والتوصيات

أولاً: الاستنتاجات الرئيسية (مركبة ومتعمقة)

بعد هذا التحليل المتعمق والشامل لظاهرة السلام في أبعادها النظرية والتاريخية والمؤسسية، وفي ضوء استعراض آليات بناء السلام وتحليل التحديات المعاصرة الكبرى التي تواجهه، يخلص البحث إلى مجموعة من الاستنتاجات الرئيسية التي تعيد صياغة فهمنا للسلام:

الاستنتاج الأول: السلام عملية تراكمية دائمة لا غاية نهائية

السلام ليس خط نهاية يمكن الوصول إليه مرة واحدة وإلى الأبد، وليس مجرد وثيقة تاريخية توقع في قصر رئاسي أو تحت رعاية أممية. السلام هو بالأساس عملية بناء مستمرة ومتراكمة، تتطلب صيانة وتطويراً ورعاية دائبة. إنه حالة من التوازن الديناميكي، وليس الجمود. المجتمعات التي تظن أنها حققت السلام النهائي تفاجأ بعودة العنف من جديد. السلام مثل الحديقة الغناء، يحتاج إلى رعاية يومية وسقاية مستمرة، وإلا عادت إليها الأعشاب الضارة بسرعة.

الاستنتاج الثاني: أولوية السلام الإيجابي كشرط للاستدامة

لا يمكن استدامة السلام أبداً دون معالجة جذور النزاع العميقة، المتمثلة في العنف البنيوي (الظلم الاجتماعي) والعنف الثقافي (خطاب الكراهية). إن التركيز على السلام السلبي فقط (أي وقف إطلاق النار) دون معالجة الظلم الاجتماعي والفقر والتهميش وثقافة الكراهية، يؤدي حتماً إلى تراكم الاحتقان وتفجره لاحقاً بشكل أشد. السلام الحقيقي والدائم يبدأ حيث تنتهي الحرب، ولكنه لا يكتمل أبداً إلا حيث تبدأ العدالة الاجتماعية بالتحقق.

الاستنتاج الثالث: تعددية المستويات والفاعلين (Multi-track Diplomacy)

بناء السلام الفعال والمستدام يستدعي مقاربة شاملة ومتكاملة تدمج بين الجهود على مختلف المستويات وبين جميع الفاعلين:

· المستوى العالي (Top-down): الوساطة الدولية، الضغوط الدبلوماسية، الاتفاقيات السياسية الكبرى.
· المستوى المحلي (Bottom-up): مبادرات مجتمعية، مصالحة أهلية على مستوى القاعدة، برامج تنموية محلية.
· المستوى المتوسط (Middle-range): قيادات المجتمع المدني، شخصيات دينية وثقافية مؤثرة، أكاديميون وخبراء.

كما يتطلب إشراك جميع الفاعلين دون استثناء: الحكومات، المنظمات الدولية، المجتمع المدني، المرأة، الشباب، القطاع الخاص، المؤسسات الدينية. التجارب الناجحة (جنوب أفريقيا، كولومبيا) هي التي استطاعت التوفيق والربط بين هذه المستويات والفاعلين بشكل خلاق.

الاستنتاج الرابع: مركزية الفاعلين المحليين والتملك الوطني

لا يمكن استيراد السلام من الخارج، ولا يمكن فرضه بقوة خارجية. أي جهد دولي لبناء السلام، مهما كانت موارده ضخمة، سيفشل حتماً إذا لم يُبنَ على احترام عميق للسياقات المحلية، ولم يعزز قدرات المؤسسات الوطنية، ولم يحظَ بقبول حقيقي وتملك واع من قبل المجتمع المحلي. التدخل الخارجي يجب أن يكون مؤقتاً وداعماً، لا بديلاً عن الإرادة الوطنية ولا وصياً على القرار المحلي.

الاستنتاج الخامس: الترابط العضوي بين السلام والعدالة والتنمية

السلام والعدالة والتنمية ثلاثية لا تتجزأ، تشبه أرجل المنضدة الثلاثة:

· لا سلام بدون عدالة: اجتماعية واقتصادية وسياسية. العدالة هي الغراء الحقيقي الذي يمسك المجتمع.
· لا عدالة حقيقية بدون تنمية: شاملة ومستدامة وعادلة. تنمية تترك الفقراء والمهمشين خلفها ليست تنمية، بل هي عنف بنوي مقنع.
· لا تنمية مستدامة في غياب السلام: الحرب تدمر البنى التحتية، وتقتل الكفاءات، وتخيف الاستثمارات، وتقطع أوصال المجتمع.

هذا يعني أن بناء السلام هو في جوهره مشروع تنموي شامل ومشروع عدالة اجتماعية كبرى.

الاستنتاج السادس: تشابك التحديات المعاصرة وتعقيدها

النزاعات الداخلية اليوم لم تعد معزولة، بل تتداخل بشكل وثيق مع الإرهاب العابر للحدود، والجريمة المنظمة العابرة للقارات، والهجرة غير الشرعية الجماعية، وتغير المناخ، وأزمات اللجوء الإنسانية. هذا التشابك المعقد يتطلب استجابات دولية متعددة المستويات (Multilevel Governance) ومتكاملة لصون السلام وتعزيزه. لم يعد ممكناً التعامل مع كل تحد على حدة.

الاستنتاج السابع: ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية بشكل جذري

الأمم المتحدة، التي أنشئت عام 1945 لتعكس واقع ما بعد الحرب العالمية الثانية، تحتاج إلى إصلاح جذري وبنيوي لتصبح قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين المعقدة. إصلاح مجلس الأمن ليعكس تمثيلاً عادلاً لأفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وتطوير آليات التمويل، وتعزيز قدرات الوساطة وحفظ السلام، كلها ضرورات ملحة لا تحتمل التأجيل.

ثانياً: التوصيات الاستراتيجية

في ضوء الاستنتاجات السابقة، يوصي البحث بمجموعة من التوصيات الاستراتيجية الموجهة إلى مختلف الفاعلين المعنيين ببناء السلام:

التوصية الأولى: تبني مفهوم السلام الإيجابي كمرتكز أساسي للسياسات

· على الحكومات والمنظمات الدولية تبني مؤشرات السلام الإيجابي (التي طورها معهد الاقتصاد والسلام) كمعيار أساسي لنجاح سياساتها، وليس فقط مؤشرات غياب الحرب.
· يجب أن تذهب استثمارات ما بعد النزاع إلى ما هو أبعد من إعادة الإعمار المادي (الجسور والمباني)، لتشمل بناء مؤسسات شاملة، وتعزيز سيادة القانون، وتوفير خدمات تعليم وصحة عادلة للجميع.
· معالجة خطاب الكراهية في المناهج التعليمية ووسائل الإعلام والخطاب الديني يجب أن تكون أولوية قصوى.

التوصية الثانية: تطوير أنظمة الإنذار المبكر لتشمل مؤشرات العنف البنيوي والثقافي

· لا يجب أن تقتصر أنظمة الإنذار المبكر على رصد التحركات العسكرية والتوترات الأمنية المباشرة فقط.
· يجب أن تتوسع هذه الأنظمة لرصد المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية (معدلات البطالة، التفاوت في الدخل، تهميش مناطق أو فئات) والمؤشرات الثقافية (تصاعد خطاب الكراهية في الإعلام، تحريض ديني أو إثني).
· إنشاء مراكز إقليمية متخصصة لتحليل النزاعات تعمل على ربط هذه المؤشرات المتنوعة وتقديم توصيات مبكرة للحكومات والمنظمات الإقليمية.

التوصية الثالثة: إصلاح جذري لعمليات حفظ السلام وبناء السلام التابعة للأمم المتحدة

· ربط حفظ السلام ببناء السلام: تصميم ولايات بعثات حفظ السلام بطريقة تضمن انتقالاً سلساً وفعالاً إلى مرحلة بناء السلام، مع تحديد واضح للمسؤوليات والجداول الزمنية.
· تعزيز قدرات الوساطة: إنشاء هيئة دائمة للوساطة في الأمم المتحدة تضم خبراء على أعلى مستوى في ثقافات النزاعات المختلفة، وتكون قادرة على التحرك السريع.
· الشفافية والمساءلة: فرض آليات رقابة صارمة لمنع الانتهاكات من قبل عناصر حفظ السلام، ومحاسبة المتورطين بشدة، وتعزيز مدونة قواعد السلوك.
· التمويل المستدام: إنشاء صندوق دائم ومستقر لبناء السلام (وليس فقط لحفظ السلام) يكون تمويله منتظماً ومستقراً من الدول الأعضاء.

التوصية الرابعة: إلزامية إشراك المرأة والشباب

· الانتقال من لغة “التشجيع” الاختيارية إلى لغة “الإلزام” القانونية في إشراك المرأة في جميع مراحل عمليات السلام: من التفاوض إلى التنفيذ إلى المراقبة.
· تخصيص حصص واضحة ومحددة للنساء في المؤسسات الجديدة (البرلمان، الحكومة، المجالس المحلية).
· تخصيص حصص للشباب في المؤسسات التمثيلية.
· الاستثمار الجاد في برامج تمكين اقتصادي وسياسي للشباب (تدريب، قروض صغيرة، حاضنات أعمال) لتحويل طاقاتهم من الصراع إلى البناء والإعمار.

التوصية الخامسة: بناء “دبلوماسية المناخ والموارد”

· إنشاء منصات تفاوض دولية وإقليمية مخصصة ودائمة لإدارة الموارد الطبيعية المشتركة (المياه بشكل خاص) بشكل تعاوني وعادل ومستدام.
· تحويل ملف تغير المناخ من ملف بيئي بحت إلى ملف أمني وسياسي ذي أولوية قصوى في استراتيجيات بناء السلام الوطنية والدولية.
· دعم برامج التكيف مع تغير المناخ في الدول الهشة والأكثر تضرراً، وربط هذا الدعم بشكل وثيق بجهود بناء السلام.
· الاستثمار في مشاريع مشتركة لإدارة الموارد الطبيعية كأداة فعالة للتعاون وبناء الثقة بين الدول المتجاورة.

التوصية السادسة: إعادة النظر في آليات التمويل الدولي

· تصميم أدوات تمويل مبتكرة ومرنة لدعم جهود بناء السلام على المدى الطويل (وليس فقط في مرحلة الطوارئ والإغاثة).
· ربط المساعدات التنموية بمعايير واضحة للتقدم في بناء السلام والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، مع مرونة كافية لمراعاة خصوصية كل سياق.
· إشراك القطاع الخاص المحلي والدولي في تمويل مشاريع بناء السلام، من خلال تحفيز الاستثمار في المناطق الخارجة من نزاعات وتوفير ضمانات للمستثمرين.

التوصية السابعة: تعزيز البحث العلمي وبناء القدرات الوطنية

· دعم وتمويل مراكز البحوث المتخصصة في دراسات السلام والنزاع في الجامعات العربية والإسلامية.
· تطوير مناهج أكاديمية متخصصة في حل النزاعات وبناء السلام على مستوى الماجستير والدكتوراه.
· بناء قدرات وطنية حقيقية في مجال الوساطة وتحليل النزاعات والعدالة الانتقالية.
· إنشاء شبكات إقليمية للباحثين والممارسين في مجال بناء السلام لتبادل الخبرات والتجارب وأفضل الممارسات.

كلمة أخيرة

السلام ليس حلماً طوباوياً بعيد المنال، ولا هو ترفاً فكرياً يمكن تأجيله. هو ضرورة وجودية ملحة للبشرية جمعاء في زمن الأسلحة النووية وتغير المناخ والإرهاب العابر للحدود والأوبئة العالمية. هو المشروع الإنساني الأكبر والأهم في تاريخنا. بناء السلام الحقيقي والمستدام يتطلب إرادة سياسية قوية، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وصبراً طويلاً على الصعاب، واستثماراً سخياً في المؤسسات والبشر، ومشاركة مجتمعية واسعة وفاعلة. إنه مسؤولية الجميع، كل في موقعه: الحكومات والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني والمرأة والشباب، والباحثين والأكاديميين، ورجال الدين والإعلاميين. في عالم يموج بالصراعات والأزمات المتشابكة، يبقى البحث عن السلام هو البحث عن إنسانيتنا ذاتها، وعن مستقبل أفضل وأكثر كرامة لأجيالنا القادمة.



قائمة المراجع

أولاً: المراجع العربية

· ابن خلدون، عبد الرحمن. (2004). المقدمة. تحقيق: عبد الله محمد الدرويش. دمشق: دار يعرب.
· أبو النصر، مدى. (2017). المرأة والأمن والسلام: دراسة في قرار مجلس الأمن 1325. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
· أشقر، روز. (2014). دور المرأة في بناء السلام في المجتمعات العربية. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
· جالتونج، يوهان. (2015). العنف والسلام. ترجمة: عمر مهيوب. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
· الدوري، زهير. (2010). استراتيجيات حل النزاعات وبناء السلام. عمان: دار زهران.
· سالم، محمد السيد. (2018). النظام الإقليمي العربي وإشكالية بناء السلام. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية.
· سيد أحمد، محمد. (2020). العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية: نماذج مقارنة. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
· كاظم، نعيم. (2015). نظريات العلاقات الدولية: مدارسها واتجاهاتها النقدية. عمان: دار المسيرة.
· مجموعة مؤلفين. (2022). تغير المناخ والأمن في المنطقة العربية. بيروت: اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا).
· الحسن، هاني. (2019). الوساطة الدولية في النزاعات الداخلية: دراسة حالة سوريا. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
· خليل، أمل. (2016). العدالة الانتقالية في الوطن العربي. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
· زهران، جمال. (2017). الأمم المتحدة وحفظ السلام في أفريقيا. القاهرة: مكتبة مدبولي.
· عبد العال، عادل. (2018). نظريات السلام في الفكر السياسي الغربي. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة.

ثانياً: المراجع الأجنبية

· Autesserre, S. (2010). The Trouble with the Congo: Local Violence and the Failure of International Peacebuilding. Cambridge University Press.
· Autesserre, S. (2014). Peaceland: Conflict Resolution and the Everyday Politics of International Intervention. Cambridge University Press.
· Barash, D. P., & Webel, C. P. (2018). Peace and Conflict Studies (4th ed.). SAGE Publications.
· Barnett, M., & Adger, W. N. (2007). Climate Change, Human Security and Violent Conflict. Political Geography, 26(6), 639-655.
· Boutros-Ghali, B. (1992). An Agenda for Peace: Preventive Diplomacy, Peacemaking and Peace-keeping. United Nations.
· Collier, P., & Sambanis, N. (Eds.). (2005). Understanding Civil War: Evidence and Analysis (Vols. 1-2). The World Bank.
· Doyle, M. W., & Sambanis, N. (2006). Making War and Building Peace: United Nations Peace Operations. Princeton University Press.
· Duffield, M. (2001). Global Governance and the New Wars: The Merging of Development and Security. Zed Books.
· Galtung, J. (1969). Violence, Peace, and Peace Research. Journal of Peace Research, 6(3), 167-191.
· Galtung, J. (1996). Peace by Peaceful Means: Peace and Conflict, Development and Civilization. SAGE Publications.
· Gurr, T. R. (1970). Why Men Rebel. Princeton University Press.
· Homer-Dixon, T. F. (1999). Environment, Scarcity, and Violence. Princeton University Press.
· Huntington, S. P. (1996). The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. Simon & Schuster.
· Kaldor, M. (2012). New and Old Wars: Organized Violence in a Global Era (3rd ed.). Polity Press.
· Kant, I. (2003). To Perpetual Peace: A Philosophical Sketch. Hackett Publishing Company. (Original work published 1795)
· Keohane, R. O., & Nye, J. S. (2012). Power and Interdependence (4th ed.). Longman.
· Lederach, J. P. (1997). Building Peace: Sustainable Reconciliation in Divided Societies. United States Institute of Peace Press.
· Lederach, J. P. (2005). The Moral Imagination: The Art and Soul of Building Peace. Oxford University Press.
· Mac Ginty, R. (2011). International Peacebuilding and Local Resistance: Hybrid Forms of Peace. Palgrave Macmillan.
· Mearsheimer, J. J. (2001). The Tragedy of Great Power Politics. W. W. Norton & Company.
· Paris, R. (2004). At War’s End: Building Peace After Civil Conflict. Cambridge University Press.
· Paris, R., & Sisk, T. D. (Eds.). (2009). The Dilemmas of Statebuilding: Confronting the Contradictions of Postwar Peace Operations. Routledge.
· Richmond, O. P. (2011). A Post-Liberal Peace. Routledge.
· Rotberg, R. I. (Ed.). (2004). When States Fail: Causes and Consequences. Princeton University Press.
· Sachs, J. D. (2005). The End of Poverty: Economic Possibilities for Our Time. Penguin Press.
· Sen, A. (1999). Development as Freedom. Oxford University Press.
· United Nations. (2000). Security Council Resolution 1325 on Women, Peace and Security. (S/RES/1325).
· United Nations. (2015). Uniting our Strengths for Peace – Politics, Partnership and People: Report of the High-Level Independent Panel on Peace Operations. (The HIPPO Report).
· Waltz, K. N. (1979). Theory of International Politics. McGraw-Hill.
· Wallensteen, P. (2018). Understanding Conflict Resolution (5th ed.). SAGE Publications.
· Wendt, A. (1999). Social Theory of International Politics. Cambridge University Press.
· World Bank. (2011). World Development Report 2011: Conflict, Security, and Development. The World Bank.
· Zartman, I. W. (2005). Cowardly Lions: Missed Opportunities to Prevent Deadly Conflict and State Collapse. Lynne Rienner Publishers.

التعليقات مغلقة.