اتفاقيات السلام في السودان منذ الاستقلال: بحث تاريخي تحليلي شامل (1956-2026) 13 مارس 2026
اتفاقيات السلام في السودان منذ الاستقلال: بحث تاريخي تحليلي شامل (1956-2026)
13 مارس 2026
تقديم
يُقدِّم هذا البحث الشامل حول اتفاقيات السلام في السودان (1956-2026) إصدار المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية، ليكون مرجعاً أكاديمياً وتحليلياً للباحثين وصنّاع القرار. يستعرض العمل تاريخ النزاعات السودانية وينقد مسارات التفاوض، مستخلصاً الدروس والتوصيات الكفيلة ببناء سلام دائم. ويأتي في إطار التزام المنظمة بدعم جهود الاستقرار والتنمية في المنطقة.
مقدمة تأسيسية: في فهم ظاهرة السلام السوداني
يظل السودان مختبراً إنسانياً فريداً لدراسة العلاقة الإشكالية بين النخبة الحاكمة ومشكلات التنوع والهوية والموارد. فمنذ منتصف القرن العشرين، لم تعرف بلد إفريقية هذا العدد الكثيف من اتفاقيات السلام التي توجت مسارات تفاوضية معقدة، ثم انهارت أو تعثرت أو أدت إلى نتائج مغايرة تماماً لمقاصدها المعلنة. هذه الظاهرة السودانية الفريدة تطرح أسئلة عميقة: لماذا تكتب اتفاقيات السلام في السودان لكي تفشل؟ ولماذا يعود السودانيون إلى مربع الحرب الأول رغم كل الدماء التي أريقت والمواثيق التي وقعت؟
منذ الاستقلال في الأول من يناير 1956، شهد السودان حربين أهليتين كبرى بين الشمال والجنوب امتدت الأولى من 1955 إلى 1972، والثانية من 1983 إلى 2005، أي ما مجموعه تسعة وثلاثون عاماً من الحرب في الجنوب وحده. ثم جاء نزاع دارفور المدمر الذي اندلع في 2003 وما زالت جمرته تحت الرماد، تلته صراعات في شرق السودان وجنوب كردفان والنيل الأزرق. واليوم، تعيش البلاد منذ 15 أبريل 2023 على وقع حرب مدمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهي حرب أعادت رسم الخريطة السياسية والاجتماعية للبلاد بشكل غير مسبوق، وهددت وحدة السودان ذاته بعد أن فقد بالفعل ثلث مساحته بانفصال الجنوب في 2011.
هذا البحث يتجاوز السرد التاريخي التقليدي ليقدم تحليلاً نقدياً معمقاً لاتفاقيات السلام السودانية، كاشفاً عن البنى العميقة التي أحبطت جهود صنع السلام عبر ستة عقود. ويسعى إلى تقديم إطار تفسيري متكامل لظاهرة يمكن تسميتها “اتفاقيات السلام المؤقتة” أو “السلام الهش”، تلك الاتفاقات التي تنجح في وقف إطلاق النار لبعض الوقت، لكنها تفشل في معالجة الجذور العميقة للصراع، فتكون النتيجة حتماً عودة إلى العنف بشكل أكثر ضراوة. كما يهدف البحث إلى استخلاص دروس عملية قابلة للتطبيق للمفاوضين والوسطاء وصناع القرار، ليس فقط في السودان، بل في أي نزاع مشابه يعاني من تعقيدات الهوية والموارد والحكم.
أولاً: الجذور التاريخية للصراع – بنية الأزمة قبل الاستقلال
1.1 سياسات الإدارة الاستعمارية: كيف أسس الاحتلال لثنائية الشمال والجنوب
لكي نفهم لماذا فشلت كل اتفاقيات السلام السودانية في تحقيق سلام دائم، علينا أن نعود إلى الجذور الأولى للصراع في سياسات الحكم الثنائي (الإنجليزي-المصري) الذي استمر من 1899 إلى 1956. هذه الفترة الطويلة لم تكن مجرد احتلال عابر، بل كانت مرحلة تأسيسية للدولة السودانية الحديثة، وقد وضعت فيها الإدارة الاستعمارية أسساً متينة للانقسام والصراع الذي نعيش نتائجه حتى اليوم.
كانت “سياسة المناطق المقفولة” (Closed Districts Ordinance) التي طبقت عام 1922 هي الآلية المركزية في هذا المشروع الاستعماري. هذه السياسة لم تكن مجرد ترتيب إداري مؤقت، بل كانت فلسفة حكم متكاملة أسست لنمطين متباينين تماماً من الحكم والتنمية والهوية في شقي السودان:
في الشمال، عملت الإدارة الاستعمارية على تشجيع انتشار اللغة العربية والإسلام بوصفهما أداتين للحكم غير المباشر عبر النخب التقليدية والدينية. تم ربط النخبة الشمالية بالمؤسسات الحكومية، وأتيح لها التعليم النظامي في مدارس الخرطوم وأم درمان، بل وأرسل بعضهم للتعليم في مصر وبريطانيا. هذا خلق طبقة سياسية شمالية متعلمة، لديها طموحات وطنية، وتتحدث باسم السودان كله، لكنها في الوقت نفسه كانت معزولة عن واقع الجنوب المختلف.
في الجنوب، كانت الصورة مختلفة تماماً. فرضت الإدارة الاستعمارية عزلاً إدارياً كاملاً، فمنعت دخول التجار والمستوطنين الشماليين، وأوقفت حركة التنقل بين الإقليمين. شجعت السلطات البريطانية نشاط البعثات التبشيرية المسيحية الأوروبية والأمريكية، التي أنشأت مدارسها ومستشفياتها، وعلمت النخبة الجنوبية الناشئة باللغة الإنجليزية، وغرس فيها قيماً ثقافية ودينية مختلفة. أكثر من ذلك، تم تعريب بعض القبائل الجنوبية بالقوة، بينما تركت قبائل أخرى على هويتها الإفريقية، مما خلق انقسامات داخل الجنوب نفسه لا تزال فاعلة حتى اليوم.
هذه السياسات المزدوجة لم تكن مجرد إجراءات إدارية عابرة، بل استمرت لأكثر من ربع قرن (1922-1947)، وكانت كافية لخلق واقع اجتماعي وثقافي مختلف تماماً بين شطري السودان. عندما بدأ الحديث عن الاستقلال والوحدة، كان الشماليون والجنوبيون يتحدثون من مرجعيات ثقافية وسياسية مختلفة، بل ويتصورون الدولة القادمة بشكل متناقض. هذه الثنائية الموروثة هي التي أسست لاحقاً لصراع الهوية الذي هيمن على الخطاب السياسي السوداني طوال النصف الثاني من القرن العشرين، والذي فشلت كل اتفاقيات السلام في معالجته بشكل جذري.
1.2 مؤتمر جوبا 1947: لحظة الحسم المأساوية
في يونيو 1947، عقدت الإدارة البريطانية مؤتمراً في مدينة جوبا عاصمة الجنوب، بحضور عدد محدود من الزعماء الجنوبيين تم اختيارهم بعناية فائقة من قبل الإدارة الاستعمارية، إلى جانب ممثلين شماليين. كان الهدف المعلن للمؤتمر هو مناقشة وحدة الإدارة بين الشمال والجنوب، وإنهاء سياسة العزل التي استمرت خمسة وعشرين عاماً.
هنا تكمن المأساة: الحضور الجنوبي في هذا المؤتمر المصيري لم يكن مخولاً بتمثيل شعوب الجنوب المتنوعة. كانوا في الغالب زعماء قبليين وإداريين محليين تابعين للإدارة البريطانية، وليس لديهم تفويض شعبي لاتخاذ قرار في مصير الجنوب كله. رغم ذلك، أقر المؤتمر ضم الجنوب إلى الشمال في إدارة موحدة، تمهيداً لنقل السلطة إلى حكومة سودانية مستقلة تديرها نخبة شمالية.
هذا القرار المصيري وصفه مؤرخون كبار مثل روبرت كولينز بأنه “نقطة اللاعودة” التي زرعت بذور الحرب الأهلية الأولى. فالشماليون خرجوا من المؤتمر وهم يعتقدون أن الجنوبيين وافقوا على الوحدة بشكل نهائي، بينما خرج الجنوبيون وهم يشعرون بأن قراراً مصيرياً فرض عليهم دون مشورتهم الحقيقية. هذه الفجوة في التصور والشرعية كانت قنبلة موقوتة تحت أي بناء سياسي قادم.
1.3 تمرد توريت 1955: الإنذار المبكر الذي لم يسمعه أحد
قبل أربعة أشهر فقط من إعلان الاستقلال، في أغسطس 1955، اندلعت انتفاضة الكتيبة الاستوائية في بلدة توريت بجنوب السودان. كانت هذه الانتفاضة العسكرية بمثابة الإنذار المبكر الأول لما سيحدث لاحقاً، لكن النخبة السياسية الشمالية لم تقرأ الرسالة بشكل صحيح.
ما هي الأسباب المباشرة لهذا التمرد المبكر؟
أولاً، كان قرار نقل ضباط شماليين لقيادة وحدات عسكرية كانت تقليدياً بقيادة جنوبيين بمثابة استفزاز كبير. ثانياً، انتشرت شائعات عن مخطط بريطاني-شمالي لتسريح الجنود الجنوبيين بعد الاستقلال، مما أثار مخاوف وجودية لديهم. ثالثاً، تراكم إحباط عميق من عدم الوفاء بوعود بريطانية سابقة بمنح الجنوب حكماً فيدرالياً يضمن خصوصيته.
تم إخماد التمرد عسكرياً، وأعدم قادته، لكنه شكل القالب الأولي للحرب الأهلية التي ستشتعل بعد سنوات قليلة: تمرد مسلح بقيادة عسكريين جنوبيين، بدعم شعبي محدود لكنه حقيقي، يواجهه جيش حكومي شمالي يعتبر نفسه صاحب الشرعية الوحيدة. هذا النمط تكرر بعد ذلك بعقود في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
ثانياً: الحرب الأهلية الأولى واتفاقية أديس أبابا 1972 – قصة نجاح مؤقت وتحول إلى فشل
2.1 مسار الحرب وتطور حركة الأنيانيا (1956-1971)
بعد إخماد تمرد توريت، لم تنته القضية، بل تحولت فلول التمرد إلى حركة تمرد مسلح منظمة عُرفت باسم “الأنيانيا” (كلمة في لغة المادي تعني سم الأفعى القاتل). هذه الحركة مرت بثلاث مراحل تطورية مهمة:
المرحلة الأولى (1956-1963) كانت مرحلة الكر والفر غير المنظمة. مجموعات صغيرة من المقاتلين السابقين، يتخفون في الغابات والجبال، يشنون هجمات محدودة على مراكز الشرطة والجيش، ثم يعودون إلى مخابئهم. لم تكن هناك قيادة موحدة، ولا برنامج سياسي واضح، فقط مقاومة مسلحة بدائية.
المرحلة الثانية (1963-1969) شهدت تنظيماً أفضل تحت قيادة ضابط جنوبي سابق هو جوزيف لاغو، الذي تلقى تدريباً عسكرياً في الخارج. في هذه المرحلة، تمكنت الحركة من فتح مكاتب سياسية خارجية في كمبالا وأديس أبابا ونيروبي، وبدأت في تلقي دعم محدود من بعض الدول الإفريقية. كما طورت هيكلاً قيادياً موحداً، وبدأت في بلورة مطالب سياسية تتجاوز مجرد التمرد العسكري.
المرحلة الثالثة (1969-1972) كانت حاسمة. في مايو 1969، وصل جعفر نميري إلى السلطة في انقلاب عسكري أطاح بالحكم المدني. نميري كان قومياً يسارياً، وبدأ بانفتاح سياسي تجاه قضية الجنوب، مدركاً أن استمرار الحرب يستنزف موارد الدولة ويضعفها. في نفس الوقت، كانت حركة الأنيانيا تعاني من ضعف عسكري وتعب داخلي بعد سنوات طويلة من القتال. هذا التقارب في الظروف مهد الطريق للمفاوضات.
2.2 محاولات التسوية المبكرة: مؤتمر المائدة المستديرة 1965 وفرصة أكتوبر الضائعة
بعد ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بالرئيس إبراهيم عبود، سادت البلاد روح ديمقراطية وتفاؤل كبير بإمكانية حل القضية الجنوبية. في مارس 1965، عقد مؤتمر المائدة المستديرة في الخرطوم، بحضور اثني عشر ممثلاً شمالياً وتسعة جنوبيين، من بينهم قادة سياسيون جنوبيون بارزون.
كان هذا المؤتمر أول حوار وطني شامل بين الشمال والجنوب، وفيه تجلت كل إشكاليات الصراع بوضوح. الشماليون تمسكوا بشعار “الوحدة الوطنية” ورفضوا أي نقاش حول الفيدرالية أو حق تقرير المصير، معتبرين ذلك بداية لتقسيم البلاد. الجنوبيون طالبوا بحق تقرير المصير كأساس لأي حل، مشيرين إلى أن وحدتهم مع الشمال فرضت عليهم دون رضاهم.
فشل المؤتمر لثلاثة أسباب رئيسية: أولاً، تمسك كل طرف بموقفه الأقصى دون تنازلات حقيقية. ثانياً، غياب الثقة المتبادلة بين الطرفين بعد سنوات من الحرب والدماء. ثالثاً، والأهم، رفض رئيس الوزراء آنذاك محمد أحمد محجوب الاعتراف بحركة الأنيانيا المسلحة كطرف سياسي له شرعية، مكتفياً بالتفاوض مع السياسيين الجنوبيين المدنيين الذين كانوا في الخرطوم. هذا الرفض جعل أي اتفاق غير قابل للتنفيذ على الأرض، لأن من يملك السلاح ليس طرفاً فيه.
2.3 اتفاقية أديس أبابا 1972: التحليل النقدي لاتفاقية سلام استثنائية
في 27 فبراير 1972، وقعت اتفاقية أديس أبابا بحضور الإمبراطور هيلا سيلاسي، بعد مفاوضات مضنية استمرت أشهراً برعاية المجلس العالمي للكنائس ومنظمة الوحدة الإفريقية. كانت هذه الاتفاقية استثنائية في سياقها الإفريقي، وكانت أول اتفاقية سلام ناجحة تنهي حرباً أهلية في القارة.
البنود الأساسية للاتفاقية:
1. الحكم الذاتي الإقليمي: منحت الاتفاقية الجنوب حكماً ذاتياً إقليمياً بحدود 1956، مع سلطات واسعة في المجالات التنموية والثقافية والإدارية.
2. المؤسسات الإقليمية: نصت على إنشاء مجلس تنفيذي جنوبي (حكومة إقليمية) في جوبا، ومجلس تشريعي منتخب.
3. الدمج العسكري: تم دمج حوالي اثني عشر ألف مقاتل من الأنيانيا في الجيش السوداني، في وحدات خاصة، مع احتفاظهم برتبهم وامتيازاتهم.
4. اللغة: اعتمدت اللغة العربية لغة رسمية للدولة، والإنجليزية لغة عمل إضافية في الجنوب، مع الاعتراف باللغات المحلية.
عوامل النجاح النسبي:
ما الذي جعل هذه الاتفاقية ناجحة حيث فشلت غيرها؟
أولاً، الإرادة السياسية الصادقة من الطرفين: جعفر نميري كان جاداً في إنهاء الحرب ليتفرغ لمشروعه التنموي، وجوزيف لاغو كان جاداً في منح شعبه فترة راحة بعد سنوات طويلة من القتال. هذه الإرادة المشتركة كانت حاسمة.
ثانياً، الدعم الإقليمي والدولي الموحد: الإمبراطور هيلا سيلاسي لعب دور الوسيط النزيه، والمجلس العالمي للكنائس قدم دعماً لوجستياً وسياسياً مهماً. في ذلك الوقت، لم تكن هناك تدخلات خارجية متناقضة تغذي الصراع.
ثالثاً، تصميم بنود قابلة للتنفيذ: الاتفاقية ركزت على ما هو ممكن، ولم تضع وعوداً خيالية. آليات التنفيذ كانت واضحة، والجداول الزمنية كانت واقعية.
أسباب الانهيار التدريجي (1972-1983):
مع ذلك، لم تصمد الاتفاقية طويلاً. انهارت تدريجياً على مدى أحد عشر عاماً لأسباب عميقة نستطيع تلخيصها في أربع نقاط رئيسية:
أولاً، تراجع الحكم الذاتي وتآكل صلاحيات الإقليم: بدأ نميري بعد سنوات قليلة في التدخل المباشر في شؤون الإقليم الجنوبي، وعين وأقال رؤساء للحكومة الإقليمية وفق مزاجه السياسي، متجاهلاً النصوص الدستورية. هذا جعل الجنوبيين يشعرون بأن الحكم الذاتي كان وهمياً.
ثانياً، قضية النفط – جوهر الصراع الحقيقي: عندما اكتشف النفط بكميات تجارية في منطقة بنتيو عام 1978، تغير كل شيء. فجأة، أصبح الجنوب يمتلك ثروة هائلة، والحكومة المركزية أرادت السيطرة عليها. بدأت محاولات تغيير حدود الإقليم لضم مناطق النفط إلى الشمال، أو جعلها مناطق مشتركة، مما أثار غضب الجنوبيين الذين رأوا في ذلك سرقة لثرواتهم.
ثالثاً، قوانين سبتمبر 1983: الطعن في روح الاتفاقية: في سبتمبر 1983، فرض نميري الشريعة الإسلامية كقانون للبلاد، في قرار مفاجئ وصادم. هذا القرار ألغى روح الاتفاقية العلمانية التي قامت على احترام خصوصية الجنوب غير المسلمة. بالنسبة للجنوبيين، كان هذا خيانة للعهود والمواثيق.
رابعاً، إعادة تقسيم الجنوب: القشة التي قصمت ظهر البعير: في نفس العام 1983، أصدر نميري قراراً بإعادة تقسيم الجنوب إلى ثلاث أقاليم منفصلة، منهياً بذلك الحكم الذاتي الموحد الذي كان جوهر اتفاقية أديس أبابا. بهذا القرار، كان نميري قد نسف الاتفاقية بالكامل، وأعاد الجنوب إلى مرحلة ما قبل 1972.
الدرس المركزي من تجربة أديس أبابا:
اتفاقية أديس أبابا أثبتت أمراً بالغ الأهمية: أن السلام في السودان ممكن، لكنه يحتاج إلى ضمانات تنفيذ راسخة وإرادة سياسية مستدامة تتجاوز الأشخاص. انهيار الاتفاقية بسبب قرارات فردية من رئيس واحد (جعفر نميري) كشف خطورة تمركز السلطة دون رقابة، وعدم وجود آليات لحماية الاتفاقات من أهواء الحكام. هذا الدرس تكرر بعد ذلك مرات عديدة.
ثالثاً: الحرب الأهلية الثانية (1983-2005) – أطول حرب أهلية في إفريقيا
3.1 نشأة الحركة الشعبية لتحرير السودان: مشروع السودان الجديد
في مايو 1983، تأسست الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة العقيد جون قرنق دي مابور، الذي كان برتبة عقيد في الجيش السوداني وشارك في قمع تمرد سابق في جنوب السودان قبل أن ينقلب على النظام. ما يميز هذه الحركة عن سابقتها (الأنيانيا) هو خطابها السياسي الثوري والمختلف:
شعار السودان الجديد كان العنوان الأبرز: سودان علماني، ديمقراطي، لا مركزي، يعترف بالتنوع الثقافي والديني والعرقي كأساس للدولة، وليس مشكلة يجب إزالتها. هذا الخطاب كان طموحاً وجذاباً، لأنه قدم رؤية وطنية شاملة، وليس مجرد مطالب إقليمية ضيقة.
الهدف الوطني الشامل كان مختلفاً عن الانفصال: جون قرنق أعلن صراحة أنه لا يسعى لانفصال الجنوب، بل لإعادة بناء السودان كله على أسس جديدة. حق تقرير المصير كان مطروحاً كخيار أخير إذا فشل مشروع السودان الجديد، وليس كهدف أولي.
التحالفات مع القوى المعارضة الشمالية كانت استراتيجية ذكية: فتح قرنق قنوات مع الحزب الشيوعي السوداني، والحزب الاتحادي الديمقراطي، وقوى سياسية شمالية أخرى معارضة للنظام. هذا كسر ثنائية شمال-جنوب، وجعل الصراع سياسياً وأيديولوجياً وليس عرقياً.
3.2 اتفاقية كوكادام 1986: الفرصة الضائعة الأولى
في 1986، وبعد سقوط نميري وعودة الديمقراطية، عقدت مفاوضات في بلدة كوكادام الإثيوبية بين رئيس الوزراء المنتخب حديثاً الصادق المهدي وجون قرنق. الاتفاق الذي تم التوصل إليه كان واعداً جداً، ونص على:
· عقد مؤتمر دستوري يضم كل القوى السياسية السودانية لوضع دستور جديد للبلاد.
· رفع حالة الطوارئ وإطلاق الحريات.
· إلغاء قوانين سبتمبر 1983 التي فرضت الشريعة.
لماذا فشلت هذه الاتفاقية؟ السبب الرئيسي هو تراجع الصادق المهدي عن التوقيع تحت ضغط عنيف من حزبه (الأمة) ومن التيار الإسلامي الصاعد بقيادة حسن الترابي. هذا التراجع كان له تأثير كارثي: أكد للحركة الشعبية أن النخبة السياسية الشمالية التقليدية غير جادة في السلام، وأنها غير قادرة على اتخاذ قرارات صعبة حتى عندما تكون مقتنعة بها. هذا الدرس القاسي دفع الحركة الشعبية إلى تعميق شكوكها في أي مفاوضات مع الخرطوم.
3.3 اتفاقية الميرغني-قرنق 1988: نموذج التوافق الذي أجهضه الانقلاب
في نوفمبر 1988، وفي تطور سياسي لافت، وقع محمد عثمان الميرغني (زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي وأحد أقطاب الحكومة الائتلافية) اتفاقية مع جون قرنق في أديس أبابا، تضمنت:
· تجميد فوري لقوانين سبتمبر.
· وقف إطلاق النار تمهيداً لمفاوضات شاملة.
· الدعوة لعقد مؤتمر دستوري.
هذه الاتفاقية كانت أكثر تقدماً من اتفاقية كوكادام، وأظهرت إمكانية حقيقية لتوافق شمالي-جنوبي خارج إطار الحكومة الرسمية. لكن الصادق المهدي رفضها مرة أخرى، بدعوى أن الميرغني ليس مخولاً بالتفاوض باسم الحكومة. مع ذلك، تحت ضغط الجيش الذي كان منهكاً من الحرب، اضطر الصادق المهدي في النهاية لقبول الاتفاقية والموافقة على عقد مؤتمر دستوري.
لكن قبل أن تبدأ الترتيبات، وفي 30 يونيو 1989، وقع الانقلاب الشهير بقيادة عمر البشير وحسن الترابي، بدعم من الجبهة الإسلامية القومية. هذا الانقلاب أجهض كل فرص السلام، وأعاد البلاد إلى مربع الحرب لخمسة عشر عاماً إضافية.
3.4 مبادرة إيغاد وإعلان المبادئ 1994: الاعتراف بحق تقرير المصير
بعد وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة، تبنى خطاباً أيديولوجياً متشددا رفض أي تفاوض مع الحركة الشعبية. لكن ضغوط الحرب واستنزاف الموارد أجبرته في النهاية على القبول بوساطة إقليمية. تولت الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) وساطة إقليمية بقيادة دول شرق إفريقيا.
في 1994، تم إعلان المبادئ الذي حدد أسس أي حل تفاوضي، وتضمن نقاطاً حاسمة:
· حق تقرير المصير للجنوب كخيار أخير.
· فصل الدين عن الدولة (علمانية الدولة).
· حكم لا مركزي حقيقي.
رفض النظام السوداني هذا الإعلان بشدة في البداية، ووصفه بأنه تدخل في الشؤون الداخلية وتهديد لوحدة البلاد. لكن تحت الضغط العسكري المتزايد بعد خسائره الميدانية في منتصف التسعينات، قبل النظام الإعلان مضطراً، مما مهد الطريق لاحقاً لاتفاقية السلام الشامل.
3.5 اتفاقية السلام الشامل CPA 2005 : تحليل بنيوي لاتفاقية أنهت الحرب وأسست لانفصال
في 9 يناير 2005، وقعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان اتفاقية السلام الشامل في مدينة نيفاشا بكينيا، برعاية إيغاد ودعم أمريكي-أوروبي مكثف. كانت هذه الاتفاقية الأكثر شمولاً وتعقيداً في تاريخ السودان، وتضمنت ستة بروتوكولات منفصلة تناولت كل قضايا الصراع.
البروتوكولات الستة بالتفصيل:
بروتوكول مشاكوس (ماشاكوس) كان الأكثر أهمية، حيث نص على حق تقرير المصير للجنوب بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات (2005-2011)، يتم خلالها العمل على جعل الوحدة جاذبة.
بروتوكول تقاسم السلطة أعطى الحركة الشعبية منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، و28% من مقاعد الوزارة الاتحادية، وتمثيلاً كبيراً في المؤسسات السيادية.
بروتوكول تقسيم الثروة نص على تقسيم عائدات النفط مناصفة (50% للشمال و50% للجنوب)، مع آليات محاسبية معقدة.
بروتوكول الترتيبات الأمنية وضع خطة لانسحاب الجيشين من مناطق وجودهما، وتشكيل قوات مشتركة في المناطق الحدودية، ومعالجة قضية المقاتلين.
بروتوكول مناطق أبيي تناول وضع منطقة أبيي الغنية بالنفط، واقترح استفتاء منفصل لسكانها لتحديد مصيرهم.
بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق نص على ترتيبات خاصة لهاتين المنطقتين، بما يسمى “المشورة الشعبية ” لتحديد وضعهما النهائي.
الإنجازات التاريخية للاتفاقية:
لا يمكن إنكار إنجازات هذه الاتفاقية الكبيرة. أولاً، أنها أنهت أطول حرب أهلية في إفريقيا استمرت اثنين وعشرين عاماً (1983-2005). ثانياً، أوصلت البلاد إلى استفتاء يناير 2011 الذي نتج عنه انفصال جنوب السودان بطريقة سلمية نسبياً، وهو إنجاز نادر في تاريخ الصراعات الإفريقية. ثالثاً، خلقت تجربة حكم انتقالي تشاركي بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني في الخرطوم (2005-2011)، كانت مليئة بالصعوبات لكنها شكلت سابقة سياسية مهمة.
الإخفاقات البنيوية التي قوضت الاتفاقية:
لكن النقد العميق للاتفاقية يكشف عن إخفاقات بنيوية كبيرة:
أولاً، تأجيل قضايا المنطقتين وأبيي: كانت هذه أكبر نقطة ضعف في الاتفاقية. لم تحسم وضع جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي، بل أجلته إلى ما بعد انفصال الجنوب. عندما انفصل الجنوب في 2011، تركت هذه المناطق في حالة فراغ سياسي وأمني أدى إلى حروب مدمرة فيها استمرت لسنوات (2011-2020).
ثانياً، إهمال دارفور: الغريب والمأساوي أن الحرب في دارفور اندلعت في 2003 أثناء المفاوضات في نيفاشا، لكن الاتفاقية تجاهلتها تماماً. لم تدرج قضية دارفور في جدول الأعمال، مما خلق شعوراً عميقاً بالتهميش لدى أهل دارفور، وأسس لحرب منفصلة استمرت لعقدين.
ثالثاً، فشل برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR): رغم وجود بنود مفصلة حول دمج المقاتلين، فإن التنفيذ كان كارثياً. لم تنجح البرامج لأسباب متعددة: نقص التمويل، غياب الإرادة السياسية الحقيقية من الطرفين، عدم توفير بدائل اقتصادية حقيقية للمقاتلين السابقين. النتيجة كانت وجود آلاف المقاتلين السابقين عاطلين عن العمل، مما خلق بيئة خصبة لتشكيل ميليشيات موازية وعودة العنف.
رابعاً، النفط والفساد: عائدات النفط التي قسمت مناصفة لم توزع بعدل داخل كل إقليم، ولم تستثمر في التنمية المستدامة. في الجنوب، استولت النخبة الحاكمة الجديدة على العائدات، وفي الشمال استمر الفساد وسوء الإدارة. هذا خلق شعوراً عاماً بأن ثمار السلام لم تصل إلى المواطنين العاديين.
الدرس المركزي من اتفاقية السلام الشامل:
اتفاقية السلام الشامل نجحت في إنهاء الحرب بين طرفين رئيسيين (الشمال والجنوب)، لكنها أخفقت في بناء سلام شامل ومستدام لأنها تجاهلت أطرافاً أساسية وإشكاليات جوهرية أخرى. كانت اتفاقية ثنائية في صراع متعدد الأطراف، وهذا عيب بنيوي أدى إلى حروب جديدة في مناطق أخرى.
رابعاً: نزاع دارفور – من التهميش إلى الإبادة (2003-2026)
4.1 خلفية الصراع: التهميش المزمن والجفاف والصراع على الموارد
لكي نفهم مأساة دارفور، يجب أن ننظر إلى الخلفية التاريخية والبيئية والاجتماعية التي أوقدت شرارة الحرب. دارفور منطقة شاسعة في غرب السودان بحجم فرنسا، يسكنها مزيج معقد من القبائل العربية والإفريقية، عاشت لقرون في توازن هش قائم على التبادل والتعايش.
منذ الاستقلال، عانت دارفور من تهميش تنموي مزمن. غابت البنية التحتية الأساسية: لا طرق معبدة، لا مستشفيات مجهزة، لا مدارس ثانوية كافية، لا مشاريع تنموية حقيقية. الخرطوم كانت بعيدة جداً، ليس فقط بالمسافة، بل بالاهتمام والرعاية.
في السبعينات والثمانينات، ضرب الجفاف الشديد المنطقة، وتصحرت الأراضي، وقلت المراعي والمياه. هذا الخلل البيئي فاقم الصراع التقليدي بين الرعاة (من القبائل العربية بشكل أساسي) والمزارعين (من القبائل الإفريقية) على الأرض والماء. بدأت صراعات قبلية دامية، استغلها النظام لاحقاً لخلق انقسامات أعمق.
الأخطر كانت سياسات التمييز التي انتهجها النظام بدءاً من التسعينات. قام النظام بتسليح القبائل العربية (التي شكلت ميليشيات عرفت باسم “الجنجويد” واستخدمها لمحاربة حركات التمرد الإفريقية الناشئة. هذه الميليشيات لم تكن مجرد قوات مساعدة، بل كانت أداة حرب بالوكالة ضد القبائل الإفريقية.
4.2 اندلاع الحرب 2003: حركات التمرد والرد العنيف
في فبراير 2003، أعلنت حركتان مسلحتان تمردهما على الحكومة: حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور (من قبيلة الفور)، وحركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم (من قبيلة الزغاوة). مطالب الحركتين كانت واضحة: إنهاء التهميش، المشاركة في السلطة والثروة، حماية حقوق سكان دارفور.
رد الحكومة كان عنيفاً وغير متناسب. شنت حملة عسكرية واسعة النطاق، بمشاركة الطيران والجيش النظامي، وبالاعتماد الأساسي على ميليشيات الجنجويد. هذه الحملة اتبعت استراتيجية الأرض المحروقة: تدمير القرى بأكملها، قتل الرجال،نهب الماشية، تدمير آبار المياه والمحاصيل.
النتائج كانت كارثية بكل المقاييس: تشريد أكثر من مليوني شخص داخلياً ولاجئين في تشاد، مقتل ما بين مائتين إلى ثلاثمائة ألف شخص حسب تقديرات الأمم المتحدة، تدمير عشرات القرى، وتفكيك كامل للنسيج الاجتماعي في المنطقة. في 2005، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لكنه ظل في السلطة حتى 2019.
4.3 اتفاقية أبوجا 2006: الإقصاء كسبب للفشل
في 5 مايو 2006، وبعد مفاوضات مضنية في العاصمة النيجيرية أبوجا برعاية الاتحاد الإفريقي، وقعت الحكومة السودانية اتفاقية سلام مع فصيل واحد فقط من حركة تحرير السودان بقيادة ميني مناوي.
لماذا فشلت هذه الاتفاقية فشلاً ذريعاً؟
السبب الأول والأهم هو أن الفصيلين الرئيسيين الآخرين (حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور وحركة العدل والمساواة) رفضا التوقيع. ميني مناوي كان يمثل جزءاً صغيراً من حركة تحرير السودان وليس لديه وزن حقيقي على الأرض. عندما وقعت الاتفاقية السلام، كان الاتفاق ميتاً منذ ولادته لأنه لم يشمل كل الأطراف المسلحة.
السبب الثاني هو أن الاتفاقية لم تعالج قضايا الجذور الحقيقية للنزاع: قضية الأرض والتعويضات، عودة النازحين الطوعية الآمنة، محاسبة مرتكبي الجرائم، الترتيبات الأمنية العادلة. كل هذه القضايا تركت معلقة أو عولجت بشكل سطحي.
السبب الثالث هو ضعف آليات التنفيذ والمراقبة. لم تكن هناك قوات حفظ سلام قوية، ولا آليات رقابة فعالة، ولا عقوبات على المخالفين. لذلك، استمرت الحكومة مليشياتها في انتهاكاتها، واستمر النازحون في معسكراتهم، واستمرت الحرب في مناطق أخرى.
4.4 وثيقة الدوحة لسلام دارفور 2011: محاولة أخرى محدودة
بعد مفاوضات استمرت أكثر من عامين في العاصمة القطرية الدوحة (2009-2011)، تم التوقيع في يوليو 2011 على وثيقة سلام دارفور بين الحكومة السودانية و”حركة التحرير والعدالة”، وهو تحالف جديد من فصائل صغيرة انشقت عن الحركات الرئيسية.
تضمنت الوثيقة بنوداً جيدة على الورق: سلطة إقليمية انتقالية لدارفور بصلاحيات واسعة، صندوق خاص لإعادة الإعمار والتنمية بتمويل من الحكومة والمانحين الدوليين، تعويضات للضحايا، آليات لعودة النازحين، برامج لنزع سلاح الميليشيات.
لكن الإشكاليات كانت نفسها: غياب الحركات الرئيسية (العدل والمساواة وحركة عبد الواحد نور) عن التوقيع، واستمرار انعدام الأمن في معظم أنحاء دارفور رغم الاتفاق، وضعف التمويل الدولي لصندوق الإعمار، وعدم وجود آليات رقابة حقيقية. النتيجة كانت اتفاقاً آخر على الورق لم يغير واقع الناس على الأرض.
4.5 آلية دارفور المشتركة (2020-2022) وتجدد الحرب
بعد ثورة ديسمبر 2018 وسقوط نظام البشير، تشكلت حكومة انتقالية في 2019 كانت أكثر جدية في معالجة قضية دارفور. تم تفعيل آلية مشتركة بين الحكومة الانتقالية وحركات دارفور التي وقعت على اتفاقية جوبا 2020 (ميني مناوي وجبريل إبراهيم).
هذه الآلية حققت بعض التقدم: إطلاق سراح المعتقلين، تشكيل مفوضية الأراضي للبدء في معالجة قضايا الأرض المعقدة، بدء برامج العودة الطوعية للنازحين بمساعدة دولية محدودة، إنشاء آليات أمنية مشتركة.
لكن للأسف، تعطلت هذه الآلية تماماً بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم اندلعت الحرب الحالية في أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع. والأخطر أن دارفور عادت لتكون ساحة رئيسية في هذه الحرب، حيث تحول الصراع إلى اقتتال قبلي عنيف بين القبائل العربية (التي انضمت معظمها للدعم السريع) والقبائل الإفريقية (التي انحاز بعضها للجيش)، مما أعاد مشاهد المأساة والتهجير الجماعي من جديد.
خامساً: فترة ما بعد الانفصال (2011-2019) – أزمات متراكمة وانفجار الثورة
5.1 انفصال الجنوب وتداعياته الكارثية على الشمال
في 9 يوليو 2011، وبعد استفتاء شعبي شارك فيه أكثر من 99% من الجنوبيين واختاروا الانفصال، أعلنت دولة جنوب السودان استقلالها رسمياً. كان هذا حدثاً تاريخياً غير مسبوق، لكن تداعياته على السودان (الشمال) كانت كارثية من عدة جوانب:
الانهيار الاقتصادي: فقد السودان فجأة 75% من عائدات النفط، التي كانت تشكل أكثر من 50% من الإيرادات الحكومية ونسبة كبيرة من الناتج المحلي. هذا يعني خسارة حوالي 3.5 مليار دولار سنوياً من الميزانية، في وقت كانت فيه الدولة تعاني أصلاً من عجز مزمن وديون خارجية هائلة.
أزمة العملة والتضخم: مع فقدان مورد النقد الأجنبي الرئيسي، بدأ الجنيه السوداني في الانهيار التدريجي. ارتفع التضخم إلى مستويات قياسية (تجاوزت 70% في بعض السنوات)، وارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل جنوني، وتآكلت القدرة الشرائية للمواطنين.
تفاقم الصراعات الحدودية: بعد الانفصال، بقيت مناطق حدودية ساخنة مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي معلقة. هذه المناطق كانت قد حاربت مع الجنوب خلال الحرب الأهلية، لكنها بقيت داخل السودان بعد الانفصال. رفضت الحركة الشعبية – شمال (الفرع الشمالي للحركة الشعبية) قبول هذا الوضع، وطالبت بعملية سياسية خاصة، مما أدى إلى اندلاع حروب مدمرة في هذه المناطق استمرت لسنوات.
5.2 حروب المنطقتين (2011-2020): جنوب كردفان والنيل الأزرق
بعد انفصال الجنوب، وجدت الحركة الشعبية – شمال بقيادة مالك عقار (النيل الأزرق) وعبد العزيز الحلو (جنوب كردفان) نفسها في موقف صعب. مقاتلوها الذين قاتلوا مع الجنوب طوال سنوات أصبحوا الآن في دولة مستقلة، بينما هم عالقون داخل السودان.
طالبت الحركة بعملية سياسية خاصة لمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، تشبه ما حدث في الجنوب، تتضمن حكماً خاصاً وحق تقرير المصير أو “التشاور الشعبي” الحقيقي. رفضت الحكومة بشدة، واندلعت حروب مدمرة:
القصف الجوي المكثف: استخدم الجيش السوداني الطيران بشكل مكثف لقصف مناطق سيطرة الحركة الشعبية – شمال، مما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا المدنيين وتدمير قرى بأكملها.
المجاعة والتشريد: تسبب الحصار والقصف في مجاعة حقيقية في مناطق جبال النوبة، وشرد مئات الآلاف من المدنيين الذين لجأوا إلى الخرطوم وإلى جنوب السودان.
مبادرات سلام متعددة فاشلة: جرت عدة مبادرات سلام (إعلان أديس أبابا 2012، مبادرات إفريقية برعاية الآلية الإفريقية رفيعة المستوى، مفاوضات في أديس أبابا برعاية الوسيط الإفريقي ثابو مبيكي)، لكنها جميعاً فشلت بسبب تعنت الطرفين: الحكومة كانت ترفض أي حديث عن حكم خاص أو علمانية، والحركة كانت تمسك بمواقفها كشرط مسبق.
5.3 الاحتجاجات الشعبية وسقوط البشير (ديسمبر 2018 – أبريل 2019)
بعد ثلاثين عاماً من حكم عمر البشير (1989-2019)، وصل السودان إلى نقطة الانهيار. الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، الفساد المستشري، تردي الخدمات العامة، الحروب المستمرة في الأطراف، كلها عوامل تراكمت لتنفجر في ديسمبر 2018.
بدأت الاحتجاجات في مدن صغيرة بسبب ارتفاع أسعار الخبز، لكنها سرعان ما تحولت إلى انتفاضة شعبية شاملة ضد النظام كله. قاد الحركة تحالف واسع من القوى السياسية والمهنية والشعبية:
قوى إعلان الحرية والتغيير: تحالف ضم أحزاب المعارضة التقليدية (الحزب الاتحادي، حزب الأمة)، والنقابات المهنية، ولجان المقاومة، ومكونات مجتمع مدني واسعة.
تجمع المهنيين السودانيين: كان المحرك الأساسي للثورة، ويضم نقابات الأطباء والمهندسين والمحامين والمعلمين والصيادلة، ويمثل جيلاً جديداً من النشطاء غير المرتبطين بالأحزاب التقليدية.
لجان المقاومة: كانت الذراع الشعبية للثورة على مستوى الأحياء والمدن، تنظم المظاهرات، وتوفر الخدمات، وتحمي المتظاهرين، وتنشر الوعي.
في 11 أبريل 2019، وبعد أربعة أشهر من الاحتجاجات المستمرة، تدخل الجيش بضغط من قوات الدعم السريع وأطاحوا بالبشير في انقلاب قاده وزير دفاعه عوض بن عوف، ثم تنحى بن عوف بعد ساعات لصالح الفريق عبد الفتاح البرهان. لكن الجيش لم يسلم السلطة للمدنيين مباشرة، بل بدأت مفاوضات معقدة بين العسكر وقوى الحرية والتغيير.
سادساً: الفترة الانتقالية (2019-2021) – آمال كبيرة وانتكاسات قاسية
6.1 الوثيقة الدستورية واتفاق تقاسم السلطة (أغسطس 2019)
بعد مفاوضات شاقة استمرت من مايو إلى أغسطس 2019، بوساطة إفريقية-إثيوبية قادها الاتحاد الإفريقي وإثيوبيا، تم التوقيع في 17 أغسطس 2019 على وثيقتين أساسيتين: الإعلان الدستوري الذي حدد قواعد الحكم خلال الفترة الانتقالية، والاتفاق السياسي الذي شكل هياكل السلطة.
المكونات الرئيسية للحكم الانتقالي:
مجلس السيادة: يتكون من 11 عضواً (5 عسكريين يختارهم الجيش، 6 مدنيين تختارهم قوى الحرية والتغيير). رئاسة المجلس كانت دورية: أول 21 شهراً للعسكري (البرهان)، ثم 18 شهراً للمدني (عبد الله حمدوك – لكن هذا لم يحدث).
مجلس الوزراء: حكومة كفاءات وطنية مستقلة بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، وهو خبير اقتصادي مرموق كان يعمل في الأمم المتحدة. الحكومة ضمت وزراء أكفاء من ذوي الخبرة، معظمهم غير حزبيين.
المجلس التشريعي: كان من المفترض أن يتكون من 300 عضو يعبرون عن كل القوى السياسية والمجتمعية، لكنه لم يشكل أبداً بسبب الخلافات السياسية بين المكونات المدنية نفسها.
الفترة الانتقالية: حددت بـ 39 شهراً (تم تعديلها لاحقاً) تنتهي بإجراء انتخابات حرة ونزيهة تسلم السلطة لحكومة مدنية منتخبة.
الوساطة: قاد الوساطة الاتحاد الإفريقي عبر مبعوثه محمد الحسن ولد لبات، وإثيوبيا عبر رئيس وزرائها آبي أحمد، بدعم دولي واسع من الولايات المتحدة والإمارات والمملكة المتحدة والأمم المتحدة.
نقاط القوة في الترتيبات الانتقالية:
أولاً، الشرعية الثورية الشعبية: هذه الحكومة لم تأت بانقلاب عسكري أو صفقة نخبوية، بل جاءت نتيجة انتفاضة شعبية هائلة ضحت بالكثير من الأرواح. هذا أعطاها شرعية استثنائية.
ثانياً، التمثيل الواسع: الترتيبات حاولت تمثيل كل القوى السياسية والاجتماعية، بما في ذلك الشباب والنساء (نصت الوثيقة على تمثيل 40% للنساء في المجلس التشريعي) والمكونات المختلفة.
ثالثاً، نصوص دستورية متقدمة: الإعلان الدستوري تضمن مواد متقدمة جداً في مجال حقوق الإنسان والحريات، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحكم الولايات.
نقاط الضعف البنيوية:
أولاً، غياب الحركات المسلحة: الترتيبات الانتقالية تمت دون مشاركة الحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، التي كانت لا تزال في حالة حرب مع الدولة. هذا خلق مشكلة كبيرة، ودفع لاحقاً لمفاوضات منفصلة في جوبا لضمها.
ثانياً، هشاشة التوافق بين العسكر والمدنيين: كانت هناك شراكة قسرية بين طرفين لهما أجندات مختلفة تماماً. قادة الجيش يريدون الحفاظ على مكاسبهم ونفوذهم، والمدنيون يريدون إصلاحاً جذرياً للمؤسسة العسكرية والأمنية. هذا التناقض كان قنبلة موقوتة.
ثالثاً، التركة الاقتصادية الثقيلة: تسلمت الحكومة الانتقالية اقتصاداً منهاراً تماماً: ديون خارجية هائلة (حوالي 60 مليار دولار)، عجز في الميزانية، تضخم جامح، بنية تحتية مدمرة، قطاع إنتاجي متعثر. الإصلاح كان صعباً ومؤلماً.
6.2 اتفاقية جوبا للسلام (أكتوبر 2020): تحليل نقدي لاتفاقية نخبوية
في 3 أكتوبر 2020، وبعد مفاوضات استمرت عدة أشهر في جوبا عاصمة جنوب السودان، تم التوقيع على اتفاقية سلام تاريخية بين الحكومة الانتقالية السودانية وتحالف “الجبهة الثورية” الذي يضم معظم الحركات المسلحة. الوساطة قادها رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت، بدعم من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
الأطراف الموقعة:
من الحكومة: الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) رئيس اللجنة العسكرية للتفاوض، والفريق عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك.
من الحركات المسلحة: حركة تحرير السودان بقيادة ميني مناوي، حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، الحركة الشعبية – شمال بقيادة مالك عقار، تجمع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر، وآخرين.
الأطراف الرافضة للتوقيع:
· الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو (استمرت في الحرب بجنوب كردفان).
· حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور (في دارفور ومنطقة جبل مرة).
البنود الرئيسية للاتفاقية:
1. وقف إطلاق النار: دائم وشامل بين الحكومة والأطراف الموقعة، مع آليات مراقبة وطنية ودولية.
2. الترتيبات الأمنية: دمج مقاتلي الحركات المسلحة في الجيش السوداني والأجهزة النظامية الأخرى، خلال فترة زمنية محددة.
3. تقاسم السلطة: منح الحركات المسلحة 25% من مقاعد المجلس التشريعي الانتقالي، وتمثيل في مجلس السيادة (ثلاثة أعضاء من الحركات)، وحقائب وزارية في الحكومة الاتحادية.
4. قضايا الأرض والتعويضات: تشكيل مفوضية قومية للأرض لمعالجة قضايا الأراضي، وآليات لتعويض المتضررين من الحرب.
5. الحكم في المنطقتين: ترتيبات خاصة لجنوب كردفان والنيل الأزرق، تتضمن حكماً إقليمياً ومشاركة في الثروة.
الإشكاليات البنيوية في الاتفاقية:
أولاً، اتفاق نخبوي لاقتسام الغنائم: وصف كثير من النقاد الاتفاقية بأنها صفقة بين النخب المسلحة لتقاسم السلطة والثروة، دون معالجة حقيقية لجذور المشكلة. تم توزيع المناصب والمكاسب بين قادة الحركات، لكن قضايا العدالة الاجتماعية والتنمية العادلة وحقوق المواطنين بقيت معلقة.
ثانياً، إقصاء حركتي الحلو وعبد الواحد: استمرار رفض هاتين الحركتين للتوقيع يعني استمرار الحرب في مناطق نفوذهما (جبال النوبة وجبل مرة)، مما جعل الاتفاقية جزئية وغير شاملة.
ثالثاً، فشل الدمج الأمني الحقيقي: رغم وجود بروتوكول دمج المقاتلين، فإن التنفيذ كان بطيئاً ومشوهاً. تم استيعاب بعض القادة في مناصب عليا، لكن المقاتلين العاديين ظلوا في معسكراتهم بدون رواتب أو تدريب حقيقي، مما خلق جيوشاً موازية وأبقى على الهياكل الميليشياوية قائمة. هذا كان أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع حرب 2023، حيث دخلت هذه القوات الموازية في صراع مع الجيش.
رابعاً، تجاهل قضايا العدالة الانتقالية: لم ينص الاتفاق على آليات واضحة لمحاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان خلال سنوات الحرب، ولا على كشف الحقيقة وجبر الضرر للضحايا. هذا ترك جراح الماضي تنزف وأبقى على دوافع الانتقام.
خامساً، غياب مشاركة النساء والمجتمع المدني: رغم النصوص التقدمية في الوثيقة الدستورية، كانت مفاوضات جوبا حكراً على الرجال المسلحين. النساء والمجتمع المدني كانوا على الهامش، مما أثر على جودة الاتفاق وشرعيته الشعبية.
6.3 انقلاب 25 أكتوبر 2021: نهاية التجربة الانتقالية
في 25 أكتوبر 2021، وفي صبيحة يوم الإثنين، قاد الفريق أول عبد الفتاح البرهان انقلاباً عسكرياً، أعلن فيه حل مجلسي السيادة والوزراء، واعتقال وزراء وقيادات مدنية، وإعلان حالة الطوارئ. هذا الانقلاب وضع حداً للتجربة الانتقالية الواعدة.
الأسباب المباشرة للانقلاب:
· تصاعد الخلافات بين العسكر والمدنيين حول قضايا جوهرية، خاصة الإصلاح الأمني والعسكري. المدنيون كانوا يطالبون بدمج قوات الدعم السريع في الجيش وإخضاع المؤسسة العسكرية لرقابة مدنية، وهو ما رفضه العسكر بشدة.
· رفض العسكر تسليم رئاسة مجلس السيادة للمدنيين في نوفمبر 2021، كما نصت الوثيقة الدستورية. مع اقتراب الموعد، بدأ العسكر في المماطلة والبحث عن مبررات للبقاء في السلطة.
· ضغوط من مكونات النظام القديم بدعم من الجنرال عبدالفتاح البرهان (الإسلاميون والفلول) الذين كانوا يريدون العودة للسلطة واستغلال الفرصة لإجهاض الثورة.
النتائج المترتبة على الانقلاب:
· انهيار الشراكة السياسية بين العسكر والمدنيين، وعودة الانقسام الحاد في المشهد السياسي.
· عودة الاحتجاجات الشعبية بشكل يومي في كل مدن السودان، بمشاركة الملايين، تطالب بعودة الحكم المدني. قوبلت هذه الاحتجاجات بعنف مفرط من قوات الأمن، وسقط مئات الشهداء والجرحى.
· وساطات محلية ودولية لإيجاد مخرج، أبرزها اتفاق 21 نوفمبر 2021 الذي أعاد حمدوك رئيساً للوزراء، لكنه استقال بعد أسابيع قليلة بسبب استمرار التدخل العسكري وفشل الاتفاق في تحقيق أهدافه.
· تدهور اقتصادي وأمني متسارع مع تجميد المساعدات الدولية، وزيادة حدة الصراعات في الأطراف، وتردي الخدمات بشكل غير مسبوق، مما مهد الطريق لاندلاع الحرب الشاملة في 2023.
سابعاً: الحرب الحالية (15 أبريل 2023 – مستمرة) – انهيار الدولة وإعادة رسم الخريطة
7.1 خلفيات الصراع: صراع الجيش والدعم السريع على السلطة والثروة
ما هي قوات الدعم السريع؟
لفهم الحرب الحالية، يجب أن نفهم طبيعة قوات الدعم السريع. هذه القوات من صنع الجيش والأجهزة الامنية في العقد الأول من الألفية. في 2013، قام النظام السابق (عمر البشير) بتطوير هذه القوات شبه النظامية وتحويلها إلى قوة تحت اسم “قوات الدعم السريع”، وجعلها تابعة لجهاز الأمن والمخابرات مباشرة.
قاد هذه القوات الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهو رجل من دارفور من قبيلة الرزيقات العربية، بنى نفوذه على ولاء مقاتليه الذين يبلغ عددهم عشرات الآلاف.
الدور الأساسي لقوات الدعم السريع كان قمع التمردات في دارفور، وحماية النظام من أي انقلاب، وخلق قوة موازنة للجيش السوداني النظامي. بهذا، رسخ النظام السابق حالة ازدواجية السلاح: جيش نظامي، وقوات موازية أكثر ولاءً للرئيس.
بعد ثورة 2019: شراكة قسرية تتحول إلى صراع وجودي
بعد سقوط البشير، وجد حميدتي نفسه في موقع قوة غير متوقع. قواته كانت الأكثر تماسكاً وولاءً، فانضم إلى المجلس العسكي الانتقالي ثم أصبح نائب رئيس مجلس السيادة في الحكومة الانتقالية. لكن هذه الشراكة مع المدنيين ومع الجيش كانت هشة من البداية.
الخلاف حول الدمج الأمني: جوهر الصراع
نصت اتفاقية جوبا 2020 على دمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني خلال فترة لا تتجاوز 10 سنوات. مع اقتراب نهاية الفترة الانتقالية (2023-2024)، تصاعد الخلاف حول كيفية تنفيذ هذا الدمج:
· الجدول الزمني للدمج: الجيش يريد دمج سريعاً خلال عامين، الدعم السريع يريد فترة أطول (10 سنوات كما نصت الاتفاقية).
· من يقود عملية الدمج: الجيش يرى أن القائد العام للجيش هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبالتالي يجب أن يتبعه الجميع. قوات الدعم السريع تريد الحفاظ على هيكلها القيادي المستقل تحت قيادة حميدتي.
· تبعية القوات: هل تندمج قوات الدعم السريع كأفراد في وحدات الجيش، أم ككتلة واحدة؟ الجيش يريد تفكيكها لمنع أي كتلة ضاغطة، الدعم السريع يريد الحفاظ على تماسكه لضمان نفوذه و حماية نفسه من التصفيات.
· القيادة المستقبلية: هل يمكن لحميدتي أن يكون نائباً للقائد العام، أم يجب أن يتفرغ للعمل السياسي؟ كل الاحتمالات كانت مطروحة.
هذه الخلافات لم تكن تقنية، بل كانت صراعاً على السلطة والنفوذ والثروة بين مؤسستين عسكريتين متنافستين. الجيش بقيادة البرهان يريد استعادة هيمنته الكاملة على القطاع الأمني، وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي تريد أن تكون شريكاً أساسياً في السلطة، ليس مجرد تابع.
7.2 مسار المبادرات الإقليمية والدولية لوقف الحرب
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تعددت المبادرات الإقليمية والدولية لوقف القتال، لكن جميعها فشلت حتى الآن لأسباب عميقة سنحللها لاحقاً.
7.2.1 محادثات جدة (مايو-ديسمبر 2023)
كانت المحادثات الأكثر جدية في بداية الحرب، برعاية سعودية أمريكية مشتركة. عقدت عدة جولات في مدينة جدة السعودية، وتمكنت من تحقيق بعض الإنجازات المحدودة:
· إعلان جدة 1 (مايو 2023): التزام بحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والامتناع عن استهداف الأعيان المدنية.
· إعلان جدة 2 (نوفمبر 2023): اتفاق على هدن إنسانية قصيرة، وتبادل الأسرى، وفتح ممرات إنسانية.
لكن هذه الهدن انتهكت جميعها بشكل صارخ من الجيش ولم تكن هناك آلية مراقبة فعالة لضمان الالتزام. في ديسمبر 2023، انسحب الجيش من جدة دون التوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار.
أسباب فشل محادثات جدة:
· غياب آلية مراقبة فعالة: لم ترسل الولايات المتحدة أو السعودية مراقبين على الأرض، واكتفتا بالمراقبة عبر الأقمار الصناعية والتقارير، وهو ما لم يردع الأطراف عن الانتهاك.
· استمرار الدعم الخارجي للطرفين: ظلت الأطراف تتلقى دعماً عسكرياً ومالياً من قوى خارجية، مما عزز حساباتها العسكرية وأضعف دوافعها للتفاوض الجاد.
· تعقيد الأهداف: كان الجيش يعتقد حتى منتصف 2024 أنه قادر على تحقيق نصر عسكري حاسم، لذلك كان يتعامل مع المفاوضات كمناورة تكتيكية وليس كخيار استراتيجي.
7.2.2 مبادرات إقليمية متعددة ومتنافسة
مبادرة الإيغاد (الهيئة الحكومية للتنمية): عقدت قمماً متعددة في جيبوتي وأوغندا وكينيا، لكنها اصطدمت بعدة عقبات:
· رفض الجيش السوداني مشاركة كينيا في الوساطة، متّهماً إياها باستضافة قادة الدعم السريع ومنحهم منصة سياسية.
· خلاف داخل الإيغاد حول إشراك رئيس وزراء إثيوبيا الجديد آبي أحمد، بسبب علاقاته المثيرة للجدل مع أطراف النزاع.
· انقسام داخلي في الإيغاد بين دول تدعم الجيش (مصر) وأخرى تميل للدعم السريع، مما أفقد المنصة فعاليتها.
الجامعة العربية: أصدرت بيانات وإعلانات، لكن دورها كان محدوداً بسبب الانقسامات العربية وانشغال معظم الدول بقضاياها الداخلية، وعدم رغبتها في الانخراط العميق في ملف معقد.
الاتحاد الإفريقي: حاول تفعيل آليات مجلس السلم والأمن، لكنه يعاني من محدودية الموارد والنفوذ، ومن انقسامات داخلية بين أعضائه حول الموقف من السودان.
7.2.3 محادثات جنيف (أغسطس 2024)
في أغسطس 2024، دعت الولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة إلى جولة محادثات جديدة في جنيف بسويسرا. كانت هناك آمال بأن هذه الجولة قد تكون مختلفة، لكن الجيش السوداني قاطعها رفضاً لحضور الدعم السريع دون تنفيذ شروطه المسبقة (الانسحاب من المدن وفتح الممرات الإنسانية).
الدعم السريع حضر المحادثات، لكن غياب الجيش جعلها غير مثمرة. خرجت بتوصيات عامة وبيانات تضامنية، لكن دون أي تقدم ملموس على الأرض.
7.2.4 الوساطة التركية والإماراتية (2025)
في 2025، ظهرت مبادرات تركية محدودة، حيث حاولت تركيا التقريب بين الأطراف مستغلة علاقاتها الجيدة مع الطرفين. كما ظهرت تحركات إماراتية خلف الكواليس، لكنها اصطدمت بادعاءات الجيش للإمارات بدعم الدعم السريع، مما أفقدها مصداقية لدى الجيش. كل هذه المبادرات لم تحقق تقدماً يذكر.
7.3 تحليل فشل جهود السلام: قراءة في الأسباب العميقة
لماذا فشلت كل جهود الوساطة حتى الآن (مارس 2026) رغم مرور ثلاث سنوات على الحرب؟ التحليل العميق يكشف عن أسباب بنيوية تتجاوز سوء النوايا أو تعنت الأطراف.
أولاً: غياب تعريف دقيق للمشكلة – صراع في الأهداف والتصورات
الأطراف المتحاربة تتحدث بلغات مختلفة تماماً:
· الجيش السوداني يصف الحرب بأنها “حرب على الإرهاب” و”مكافحة للميليشيات المتمردة”. يرى نفسه المؤسسة الوطنية الشرعية الوحيدة التي تدافع عن الدولة ضد عصابات تسعى لتدمير البلاد. هذا التصور يمنع أي تفاوض حقيقي، لأن التفاوض مع “الإرهابيين” غير جائز أخلاقياً وسياسياً.
· قوات الدعم السريع تقدم نفسها على أنها “ثوار ضد فلول النظام البائد” الذين استولوا على الدولة. تقول أنها تحارب من أجل تحرير السودان من سيطرة الإسلاميين والعسكر الفاسدين. هذا الخطاب كسب تعاطف المدنيين، خاصة في المناطق التي تعاني من تهميش طويل.
· القوى المدنية والسياسية منقسمة بين مؤيد لهذا الطرف أو ذاك، أو محايدة تبحث عن مخرج. هناك من يدعم الجيش باعتباره الحارس الأخير للدولة مثل الحزب الشيوعي و حزب المؤتمر الوطني وهناك من يتعاطف مع الدعم السريع كقوة تغيير مثل بعض القوى من حزب الامة والاتحادي الديمقراطي والحزب الجمهوري وهناك من يرفض الطرفين معاً ويطالب بحل ثوري جديد.
هذا التضارب في تعريف المشكلة يجعل أي حل توافقي شبه مستحيل. كيف تتفاوض مع من تعتبره إرهابياً؟ وكيف تثق بمن تصفه بالفلول؟
ثانياً: تعدد الوسائط وتضاربها – ظاهرة “التسوق” السياسي
وجود وسائط متعددة ومتنافسة (إيغاد، الجامعة العربية، الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، تركيا، الاتحاد الإفريقي، منظمة التعاون الإسلامي) سمح للأطراف بممارسة ما يسمى في أدبيات التفاوض بـ “التسوق” أو “forum shopping”. بمعنى أن كل طرف يبحث عن الوسيط الأكثر توافقاً مع مصالحه، أو الأكثر استعداداً لقبول شروطه.
الجيش السوداني، على سبيل المثال، كان يفضل الوساطة المصرية والسعودية على غيرها، بينما كان الدعم السريع يميل للوساطة الإماراتية والإفريقية. هذا التعدد أضعف الضغط الموحد على الأطراف، وأعطاهم مساحة للمناورة والتسويف.
ثالثاً: غياب الضغط الدولي الموحد – انقسام المجتمع الدولي
ربما كان هذا هو السبب الأكثر أهمية. تدخل قوى خارجية بدعم أطراف النزاع بشكل مباشر (بالسلاح والمال والإعلام) جعل الحسابات العسكرية هي المهيمنة، وأقنع الأطراف بإمكانية تحقيق نصر عسكري.
· الإمارات وردت في تقارير أممية ومنظمات بحثية إشارات إلى وجود دعم إماراتي لقوات الدعم السريع، يتمثل في إمدادات عسكرية ولوجستية. هذه التقارير تربط بين هذا الدعم وقدرة الدعم السريع على مواصلة العمليات العسكرية. الإمارات من جانبها تنفي هذه الاتهامات وتؤكد التزامها بموقف الحياد وعدم التدخل في الشأن السوداني. .
· مصر. تؤكد تقارير إعلامية غربية موثقة، بالصور والأقمار الصناعية وسجلات الطيران، استخدام مصر قاعدة جوية في شرق العوينات لشن ضربات بطائرات مسيرة تركية ضد قوات الدعم السريع دعماً للجيش السوداني . هذا التدخل العسكري المباشر، الذي يشمل وجود ضباط مصريين واستشاريين .
· روسيا لها مصالح معقدة مع الطرفين: قوات فاغنر (التي تحولت إلى فيلق إفريقيا) لها وجود في مناطق سيطرة الدعم السريع (الذهب)، وفي نفس الوقت هناك علاقات مع الجيش (قاعدة بورتسودان البحرية). روسيا تمارس سياسة توازن، وقد تستفيد من استمرار الصراع.
· الولايات المتحدة موقفها غير واضح ومتردد. تدعو لوقف الحرب، لكنها لم تمارس ضغطاً حقيقياً على حلفائها في المنطقة (الإمارات) لوقف الدعم للدعم السريع، ولا على مصر لوقف دعم الجيش. العقوبات التي فرضت كانت محدودة ولم تؤثر على القدرات العسكرية للأطراف.
· السعودية تشير التحليلات إلى تحول ملحوظ في الموقف السعودي من وسيط محايد إلى داعم للجيش السوداني، في إطار منافسة إقليمية. هذا الانحياز، ساهم في تعقيد المشهد وجعل السعودية طرفاً في الصراع وليس مجرد وسيط، مما فاقم الأزمة بدلاً من حلها .
· الصين لها استثمارات كبيرة في السودان (خاصة النفط)، وتدعو للحل السلمي لكن بدون انخراط فعال.
هذا الانقسام الدولي سمح للأطراف بمواصلة القتال دون خوف من عقوبات حقيقية، ووفر لهم موارد مستمرة لإطالة أمد الحرب.
عوامل إضافية عميقة:
· انقسام النخبة المدنية: غياب رؤية سياسية موحدة لدى القوى المدنية، وانقسامها بين داعم للجيش وآخر للدعم السريع، أفقدها القدرة على لعب دور وسيط أو ضاغط موحد.
· انهيار الدولة ومؤسساتها: مع استمرار الحرب، انهارت الدولة فعلياً. لا حكومة مركزية، لا خدمات، لا رواتب، لا أمن. هذا الفراغ المؤسسي يجعل أي اتفاق صعب التنفيذ، لأنه لا توجد جهة قادرة على ضمان الالتزام.
· توسع الصراع عرقياً: في دارفور ومناطق أخرى، تحول الصراع من صراع بين جيشين إلى اقتتال قبلي وعرقي دموي ( مخطط من الجيش والنظام القديم ) . قبائل انحازت لهذا الطرف أو ذاك، وبدأت في تصفية حسابات قديمة. هذا التعقيد العرقي يجعل أي تسوية سياسية صعبة للغاية.
ثامناً: تحليل نقدي مقارن – لماذا فشلت اتفاقيات السلام في السودان؟
بعد هذا الاستعراض التاريخي الطويل والمعقد، يمكننا الآن أن نقدم تحليلاً مقارناً شاملاً لأسباب فشل مسيرة السلام في السودان. هذه الأسباب ليست مجرد حوادث عابرة أو أخطاء تكتيكية، بل هي بنى عميقة تتكرر عبر الزمن وتحت مسميات مختلفة.
8.1 إشكالية الشرعية والتمثيل: سلام النخب دون القاعدة
اتفاقيات السلام السودانية عانت من أزمة تمثيل مزمنة يمكن تتبعها في كل محطة:
· اتفاقية أديس أبابا 1972: مثلت حركة الأنيانيا بقيادة جوزيف لاغو، لكنها لم تشمل القوى السياسية الجنوبية الأخرى (مثل اتحاد جبهات الجنوب) ولا قادة الرأي التقليديين. عندما سقط لاغو، لم يبق للاتفاقية حاضنة سياسية في الجنوب.
· اتفاقية السلام الشامل 2005: مثلت الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، لكنها تجاهلت تماماً قضايا دارفور، ولم تعطِ صوتاً حقيقياً لسكان المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق). عندما انفصل الجنوب، انهارت الاتفاقية لأنها لم تكن مبنية على قاعدة شعبية واسعة في الشمال.
· اتفاقية جوبا 2020: مثلت بعض الحركات المسلحة، لكنها استبعدت حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد نور، وتجاهلت تمثيل النساء والمجتمع المدني والنازحين واللاجئين. كان اتفاقاً بين نخبة مسلحة ذكورية توزعت على مغانم السلطة دون العودة للقاعدة الشعبية.
النتيجة الحتمية لهذا النمط هي سلام جزئي يؤدي إلى حروب جديدة. لأن الأطراف المهمشة والمستبعدة ستعود للعنف لفرض وجودها على الطاولة، كما حدث في دارفور بعد 2005، وكما حدث في المنطقتين بعد 2011.
8.2 فشل برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR)
يشير تقرير صادر عن International IDEA في 2024 إلى أن جميع الاتفاقيات السودانية تضمنت بنوداً مفصلة لدمج المقاتلين وبرامج نزع السلاح، لكن التنفيذ كان ضعيفاً جداً. الأسباب العميقة لهذا الفشل:
· نقص التمويل: برامج DDR مكلفة جداً، وتحتاج لميزانيات ضخمة لتدريب المقاتلين وتأهيلهم وتوفير بدائل اقتصادية. المانحون الدوليون يعدون ولا يفون، والحكومات السودانية المتعاقبة كانت مفلسة أو فاسدة.
· غياب الإرادة السياسية الحقيقية: الطرفان (الحكومة والحركات المسلحة) كانا منشغلين بتقاسم السلطة والمكاسب، ولم يكونا جادين في معالجة أوضاع المقاتلين العاديين. هؤلاء المقاتلون كانوا مجرد أوراق ضغط، وليسوا بشراً يحتاجون للرعاية.
· عدم توفير بدائل اقتصادية حقيقية: في غياب مشاريع تنموية حقيقية، عاد المقاتلون السابقون إلى البطالة والفقر، مما جعل العودة للسلاح خياراً مغرياً.
· استمرار الهياكل القبلية والميليشياوية: لم يتم تفكيك الولاءات القبلية والميليشياوية التي شكلت أساس هذه القوات. المقاتل ظل وفياً لقائد الميليشيا أكثر من ولائه للدولة.
النتيجة المأساوية هي آلاف المقاتلين السابقين الذين لم يندمجوا في المجتمع، وتحولوا إلى قوة احتياطية جاهزة لأي حرب جديدة. هذه الظاهرة تفسر كيف يمكن لجيوش ضخمة أن تظهر بين عشية وضحاها في كل صراع جديد.
8.3 غياب المشاركة الشعبية: صفقات فوقية لا تمس الواقع
إذا نظرنا إلى كل اتفاقيات السلام السودانية، سنجد نمطاً متكرراً: هي صفقات بين نخبة ذكورية مسلحة، تجري في فنادق فاخرة خارج السودان، وترعاها حكومات أجنبية ومنظمات دولية. من كان غائباً دائماً؟
· النساء: رغم دورهن البارز في الحراك الشعبي والنزاعات والمجتمعات المحلية، كانت النساء غائبات عن طاولات التفاوض. في أفضل الأحوال، كن يمثلن بنسبة رمزية (2-3%) دون تأثير حقيقي. قضايا النوع الاجتماعي والعنف الجنسي كانت تُهمش أو تُتجاهل.
· النازحون واللاجئون: الملايين الذين شردتهم الحروب، وفقدوا بيوتهم وأرزاقهم، كانوا خارج العملية تماماً. صوتهم لم يُسمع، واحتياجاتهم لم تُلبَّ، وقضاياهم (العودة، التعويض، الأمن) عولجت بشكل سطحي.
· المجتمع المدني: منظمات المجتمع المدني التي تعمل على الأرض وتفهم الواقع المحلي، كانت إما مهمشة أو مستبعدة. الثقة كانت منحصرة في “من يملك السلاح” فقط.
· الشباب: الفئة الأكبر في المجتمع السوداني، والطرف الأكثر تضرراً من الحروب (قتل، تشريد، بطالة)، كانت غائبة عن صنع القرار.
النتيجة: اتفاقات تفتقر للشرعية الشعبية، ولا تعالج هموم المواطنين العاديين. عندما يوقع القادة الاتفاق ويعودون إلى فنادقهم، يبقى المواطن العادي في معسكر النزوح أو الحي المدمر دون أن يشعر بأي تغيير.
8.4 مشكلة الحكم والهوية: المركزية والهيمنة الثقافية
هذه ربما هي العقدة الأعمق في الأزمة السودانية. الدولة السودانية ورثت نموذجاً مركزياً صارماً من الاستعمار، واستمرت النخبة الحاكمة (الشمالية العربية المسلمة) في:
· استئثار المركز بالسلطة والثروة: كل القرارات المصيرية تتخذ في الخرطوم، وكل الثروات تتركز في العاصمة والوسط، والأطراف تعيش على الفتات. مشاريع التنمية الكبرى (سد مروي، مشاريع زراعية) صممت لخدمة مصالح المركز وليس لتنمية الأطراف.
· فرض خطاب قومي عربي إسلامي: صيغت الهوية السودانية الرسمية على أساس العروبة والإسلام، مما همش بقية المكونات الثقافية والدينية والعرقية. حتى الدساتير والمواثيق كانت تعكس هذه الرؤية الأحادية.
· رفض الاعتراف بالتنوع كأساس للدولة: بدلاً من أن يكون التنوع مصدر قوة وثراء، تم التعامل معه كمشكلة يجب حلها عبر “التسويد” أو “التعريب” أو التهميش.
اتفاقيات السلام تناولت هذه المشكلة بشكل سطحي، دون حلول جذرية. تحدثت عن “اللامركزية” و”الحكم الفيدرالي”، لكنها لم تترجم إلى هياكل حقيقية توزع السلطة والثروة. بقيت الخرطوم هي المركز، وبقيت الأطراف هي الهامش.
8.5 التدخلات الخارجية وتضارب المصالح: تغذية الصراع بدلاً من حله
السلام في السودان مرتهن بإرادة إقليمية ودولية أكثر من ارتباطه بإرادة السودانيين أنفسهم. وهذا يتجلى في المقارنات التاريخية:
· في 1972: كان هناك دعم إقليمي (إثيوبيا) ودولي (الكنائس العالمية) موحداً للسلام. لم تكن هناك تدخلات متناقضة تغذي الحرب.
· في 2005: كان هناك دعم أمريكي-أوروبي موحد لاتفاقية السلام الشامل. الولايات المتحدة كانت مهتمة بإنهاء أطول حرب أهلية في إفريقيا، ومارست ضغوطاً على كل الأطراف.
· في 2023: الوضع مختلف تماماً. المجتمع الدولي منقسم، والمصالح الإقليمية متضاربة:
· الولايات المتحدة: مشغولة بصراعاتها مع الصين وروسيا، وبحرب غزة وأوكرانيا. السودان ليس أولوية.
· روسيا: تبحث عن موطئ قدم في البحر الأحمر (بورتسودان)، ومناجم الذهب، وترى في الفوضى فرصة لتعزيز نفوذها.
· الإمارات: تستثمر في الزراعة والذهب والموانئ، وترى في الدعم السريع أداة لتحقيق مصالحها.
· السعودية: تريد استقرار البحر الأحمر، لكنها لا تريد الدخول في مواجهة مع الإمارات أو إيران.
· مصر: تخشى على أمنها المائي والحدودي، وتدعم الجيش لضمان مصالحها.
· إثيوبيا: لها حسابات معقدة مع مصر حول سد النهضة، وقد تستخدم السودان كورقة ضغط.
· تركيا: تبحث عن نفوذ في إفريقيا والعالم الإسلامي.
هذه المصالح المتضاربة تغذي الصراع بدلاً من حله. كل طرف إقليمي يدعم فريقه المحلي، ويوفر له المال والسلاح والغطاء السياسي، مما يطيل أمد الحرب ويجعل الحل العسكري مستحيلاً والحل السياسي بعيد المنال.
8.6 غياب آليات الضمان والمساءلة: اتفاقات بلا أسنان
اتفاقيات السلام السودانية تفتقر لآليات ضمان قوية تجعل الالتزام بها أمراً مفروغاً منه:
· غياب قوات حفظ دولية فعالة: معظم الاتفاقيات اعتمدت على آليات مراقبة محلية أو إفريقية محدودة الإمكانيات. لم تكن هناك قوات حفظ سلام دولية بقرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، قادرة على فرض السلام ومراقبة التنفيذ.
· ضعف آليات المراقبة: لجان المراقبة المشتركة كانت تفتقر للموارد والصلاحيات. كانت تعتمد على حسن نية الأطراف، وهو أمر نادر في بيئة الصراع.
· عدم وجود عقوبات على المخالفين: الأطراف التي تنتهك الاتفاقات كانت تفلت من العقاب. لم تكن هناك عقوبات دولية أو محلية حقيقية تردع المخالفين.
· إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب: استمرار سياسة الإفلات من العقاب شجعت على ارتكاب المزيد من الانتهاكات. المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق البشير وغيره، لكنها لم تنفذ. العدالة الانتقالية كانت غائبة تماماً.
النتيجة: اتفاقات هشة يمكن لأي طرف أن ينقضها متى شاء دون أن يدفع ثمناً حقيقياً.
تاسعاً: الدروس المستخلصة والتوصيات الاستراتيجية
بعد هذا التحليل العميق لأكثر من سبعة عقود من الصراع والسلام الهش، يمكننا استخلاص دروس مهمة للمستقبل، وتقديم توصيات عملية للمفاوضين وصناع القرار والوسطاء والمجتمع الدولي.
9.1 دروس للمفاوضين وصناع السلام السودانيين
الدرس الأول: الشمولية شرط أساسي لسلام دائم
أي اتفاق سلام جزئي هو حرب مؤجلة. يجب إشراك كل الأطراف الفاعلة (مسلحة ومدنية) دون إقصاء. هذا يعني:
· ليس فقط الحركات المسلحة، بل أيضاً الأحزاب السياسية، منظمات المجتمع المدني، لجان المقاومة، النقابات، شيوخ القبائل، قادة الرأي.
· ليس فقط الرجال، بل النساء بنسبة تمثيل حقيقية (50%) وليس رمزية.
· ليس فقط النخب في الخرطوم، بل ممثلين حقيقيين عن كل الأقاليم والمناطق المهمشة.
· ليس فقط من في الداخل، بل النازحون واللاجئون في الخارج.
الشمولية ليست مجرد مبدأ أخلاقي، بل هي ضرورة عملية. لأن الأطراف المستبعدة ستعود للحرب لفرض وجودها.
الدرس الثاني: معالجة الجذور وليس الأعراض
لا يمكن اختزال الصراع السوداني في نزاع على السلطة بين نخب متنافسة. هناك جذور عميقة يجب معالجتها:
· قضايا الهوية: كيف نبني دولة تعترف بتنوعها العرقي والديني والثقافي كأساس، وليس كمشكلة؟ هذا يتطلب دستوراً علمانياً يضمن حقوقاً متساوية لكل المواطنين بغض النظر عن هوياتهم.
· قضايا الأرض: الأرض هي جوهر الصراع في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. يجب وضع آليات عادلة لمعالجة النزاعات على الأرض، وإعادة الأراضي المغتصبة، وتعويض المتضررين.
· قضايا الموارد: كيف نوزع الثروة (النفط، الذهب، الأراضي الزراعية) بشكل عادل بين المركز والأطراف؟ هذا يتطلب فيدرالية اقتصادية حقيقية، لا مجرد وعود.
· قضايا العدالة: كيف نتعامل مع انتهاكات الماضي دون فتح جروح جديدة؟ هذا يتطلب آليات عدالة انتقالية شاملة (محاسبة، مصالحة، تعويض، ضمانات بعدم التكرار).
الدرس الثالث: اللامركزية حل حقيقي وليس شعاراً
نظام الحكم المركزي المفرط فشل فشلاً ذريعاً في إدارة تنوع السودان. المطلوب:
· فيدرالية حقيقية: تمنح الأقاليم صلاحيات واسعة في المجالات التنموية والاقتصادية والثقافية والأمنية (مع احتفاظ المركز بالسياسة الخارجية والدفاع والنقد).
· لا مركزية مالية: تخصيص موارد كافية للأقاليم تمكنها من التنمية الذاتية، دون انتظار فيض من الخرطوم.
· سلطات محلية قوية: تمكين المجالس المحلية المنتخبة، وتقريب صنع القرار من المواطنين.
الدرس الرابع: العدالة الانتقالية شرط للمصالحة الحقيقية
لا سلام دائم دون مصالحة حقيقية، ولا مصالحة حقيقية دون عدالة. يجب:
· محاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى (الإبادة، التهجير القسري، التعذيب) عبر آليات وطنية ودولية.
· كشف الحقيقة عن ما حدث في سنوات الحرب، عبر لجنة حقيقة ومصالحة مستقلة تستمع للضحايا وتوثق الانتهاكات.
· تعويض الضحايا بشكل عادل، وإعادة تأهيلهم نفسياً واجتماعياً واقتصادياً.
· ضمانات بعدم التكرار عبر تفكيك مؤسسات الدولة (الجيش، الأمن، القضاء) لمنع عودة الانتهاكات.
الدرس الخامس: إصلاح القطاع الأمني أولوية قصوى
الازدواجية الأمنية (جيش نظامي وقوات موازية) كانت أحد الأسباب الرئيسية لانهيار الدولة. المطلوب:
· جيش وطني مهني واحد: يخضع لقيادة موحدة، ورقابة مدنية، وعقيدة عسكرية واضحة.
· دمج حقيقي للمقاتلين وليس صورياً، مع برامج DDR حقيقية تمول بشكل كاف وتنفذ بشكل مهني.
· دمج الميليشيات والقوات الموازية وإخضاعها للقانون.
·بناء جديد للمؤسسة الأمنية لتكون محترفة وغير مسيسة، تخدم الدولة والمواطن لا النظام والحاكم.
الدرس السادس: إشراك النساء والمجتمع المدني
النساء ليسوا ضحايا فقط، بل فاعلات أساسيات في بناء السلام. المجتمع المدني ليس هامشاً، بل رقباء على التنفيذ وصانعي سلام على الأرض. المطلوب:
· تمثيل حقيقي للنساء (نسبة 50%) في كل مفاوضات السلام وفي مؤسسات ما بعد السلام.
· إشراك منظمات المجتمع المدني في تصميم وتنفيذ ومراقبة اتفاقيات السلام.
· الاستماع للشباب وإشراكهم في صنع القرار.
9.2 توصيات للوسطاء والمجتمع الدولي
التوصية الأولى: توحيد الوساطة وإنهاء التعددية المربكة
يجب أن يكون هناك منبر تفاوضي واحد برعاية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، بمشاركة إقليمية منسقة (جامعة الدول العربية، إيغاد). هذا المنبر الموحد يجب أن:
· يضع جدول أعمال واضحاً ومحدداً زمنياً.
· يمنع “التسوق السياسي” بين المنصات المختلفة.
· يمارس ضغطاً موحداً على الأطراف.
التوصية الثانية: وقف التدخلات الخارجية وفرض حظر شامل للسلاح
يجب على مجلس الأمن فرض حظر شامل على توريد السلاح إلى السودان، مع آليات مراقبة صارمة (برية وجوية وبحرية). كما يجب:
· فرض عقوبات على الدول التي تنتهك الحظر وتدعم الأطراف.
· تجميد أرصدة وممتلكات قادة الأطراف المتحاربة الذين يعرقلون عملية السلام في الخارج.
· منع سفرهم ومحاكمتهم دولياً إذا لزم الأمر.
التوصية الثالثة: ربط المساعدات الإنسانية والتنموية بالتقدم في مسار السلام
المساعدات الإنسانية والإعمار يجب أن تكون مشروطة بالتقدم الحقيقي في مسار السلام. هذا يعني:
· لا إعادة إعمار لمناطق سيطرة الأطراف قبل وقف إطلاق النار.
· دعم مشروط للمؤسسات الانتقالية.
· عقوبات اقتصادية على الأطراف المعرقلة للسلام.
التوصية الرابعة: دعم المجتمع المدني وتمكينه
المجتمع الدولي يجب أن يدعم منظمات المجتمع المدني السوداني (بتمويل وتدريب وحماية) لتتمكن من:
· المشاركة الفاعلة في مفاوضات السلام.
· مراقبة تنفيذ الاتفاقيات.
· تعزيز ثقافة السلام والمصالحة على المستوى الشعبي.
التوصية الخامسة: الاستثمار في التنمية طويلة المدى
السلام لا يصمد دون تنمية. المجتمع الدولي يجب أن يلتزم ببرامج تنموية طويلة المدى (10-20 سنة) للمناطق المتضررة، تعالج البطالة والفقر والبنية التحتية المتهالكة. هذه البرامج يجب أن:
· تدار بمشاركة محلية.
· تشرف عليها مؤسسات دولية لضمان الشفافية.
· تركز على الشباب والنساء.
9.3 توصيات للمستقبل السوداني: رؤية لسلام مختلف
أولاً: حوار وطني شامل بعد وقف الحرب
بمجرد أن تضع الحرب أوزارها، يجب عقد مؤتمر وطني جامع في السودان (وليس خارجه) يشارك فيه كل القوى السياسية والاجتماعية:
· الأحزاب السياسية (قديماً وحديثاً).
· الحركات المسلحة الموقعة وغير الموقعة.
· لجان المقاومة.
· النقابات المهنية.
· منظمات المجتمع المدني.
· شيوخ القبائل والإدارة الأهلية.
· ممثلو النازحين واللاجئين.
· الشباب والنساء بنسبة تمثيل عادلة.
هذا المؤتمر يجب أن يناقش كل القضايا المصيرية: شكل الدولة، نظام الحكم، الهوية، الموارد، العدالة، الأمن.
ثانياً: وضع دستور دائم جديد
بعد الحوار الوطني، يجب صياغة دستور دائم جديد للسودان، يكرس:
· المواطنة المتساوية أساساً للحقوق والواجبات، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس أو المنطقة.
· فصل الدين عن السياسة (دولة مدنية) تحترم كل الأديان والمعتقدات ولا تميز بين المواطنين على أساس ديني.
· اللامركزية الفيدرالية الحقيقية التي توزع السلطة والثروة.
· استقلال القضاء والفصل بين السلطات.
· حقوق الإنسان والحريات الأساسية كما في المواثيق الدولية.
ثالثاً: إصلاح اقتصادي جذري
الأزمة الاقتصادية هي أم الأزمات. لا سلام دون اقتصاد قادر على توفير حياة كريمة للمواطنين. المطلوب:
· بناء اقتصاد متنوع لا يعتمد فقط على النفط والذهب (اقتصاد ريعي)، بل يستثمر في الزراعة والصناعة والخدمات.
· محاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة.
· إعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية وجعلها أكثر كفاءة وشفافية.
· إعادة الإعمار بخطة وطنية طموحة تشارك فيها كل الأطراف.
رابعاً: مصالحة وطنية مجتمعية
المصالحة لا تتم فقط على مستوى القادة، بل تحتاج لعمليات مجتمعية على المستوى المحلي:
· مؤتمرات صلح بين القبائل المتناحرة.
· مبادرات شبابية ونسوية للتعايش.
· برامج تعليمية وثقافية تنشر قيم التسامح والمواطنة.
· معالجة نفسية جماعية لضحايا الحرب.
خامساً: إعادة الإعمار بمشاركة دولية
يحتاج السودان لخطة مارشال حقيقية لإعادة بناء ما دمرته العقود الطويلة من الحروب. هذه الخطة يجب أن:
· تمولها الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية.
· تدار بشفافية تحت إشراف وطني ودولي.
· تركز على البنية التحتية (طرق، جسور، كهرباء، مياه، مدارس، مستشفيات).
· تخلق فرص عمل للشباب.
خاتمة: في ضرورة سلام مختلف
بعد هذه الرحلة الطويلة في تاريخ اتفاقيات السلام السودانية، نصل إلى خلاصة مؤلمة لكنها ضرورية: مسيرة السلام في السودان كانت في كثير من الأحيان مسيرة لتدوير الحرب، لا لإنهائها.
كل اتفاقية لم تعالج جذور الأزمة، ولم تكن شاملة حقاً، ولم توفر ضمانات تنفيذ قوية، كانت مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة أكثر ضراوة من العنف. من أديس أبابا 1972 التي انهارت بعد أحد عشر عاماً، إلى نيفاشا 2005 التي أنتجت جنوباً مستقلاً وشمالاً مفككاً، إلى الدوحة 2011 وجوبا 2020 اللتين بقيتا حبراً على ورق، إلى الحرب الحالية التي تمزق السودان إرباً.
النجاح النسبي لاتفاقية أديس أبابا (التي استمرت 11 عاماً) يقدم لنا درساً مهماً: السلام ممكن عندما تتوفر إرادة سياسية حقيقية، ودعم إقليمي ودولي موحد، وتصميم بنود قابلة للتنفيذ. لكن انهيارها يذكرنا أيضاً بأن السلام يحتاج إلى ضمانات راسخة وآليات حماية، وإلا فإن قرارات فردية من حاكم واحد يمكن أن تعيد البلاد إلى الحرب.
اتفاقية السلام الشامل 2005 كانت إنجازاً تاريخياً في إنهاء أطول حرب أهلية في إفريقيا، لكنها فشلت في بناء سودان جديد قادر على استيعاب تنوعه. كانت اتفاقية ثنائية في صراع متعدد الأطراف، وهذا العيب البنيوي كلف البلاد غالياً.
أما اتفاقية جوبا 2020، فقد كرست نمط “سلام النخب المسلحة” الذي يوزع المغانم دون معالجة الجذور، ويبقي على هياكل الميليشيات دون تفكيك، ويستبعد النساء والشباب والمجتمع المدني. لم تكن مفاجأة أنها انهارت في أول اختبار حقيقي مع اندلاع حرب 2023.
اليوم، بعد ثلاث سنوات من الحرب المدمرة (2023-2026)، يقف السودان على حافة الهاوية. الملايين شردوا، والبنية التحتية دمرت، والاقتصاد انهار، والمجتمع ممزق إلى أشلاء. الحرب الحالية ليست مجرد نزاع على السلطة، بل هي حرب وجود تهدد وحدة السودان ذاته، وقد تؤدي إلى تقسيم البلاد إلى دويلات متصارعة كما حدث في الصومال.
لكن حتى في هذا الظلام الدامس، تبقى بصيص أمل. شعب السودان أثبت مراراً قدرته على الصمود، وعلى السعي للحرية والسلام. ثورة ديسمبر 2018 أظهرت أن هناك سوداناً آخر يريد العيش بكرامة وحرية وعدالة. لجان المقاومة والنساء والشباب والمجتمع المدني هم الأمل الحقيقي لمستقبل مختلف.
أي سلام قادم يجب أن يكون مختلفاً جذرياً عن كل ما سبق:
· سلاماً يبدأ من القاعدة، لا من القمة.
· سلاماً يشارك فيه الجميع، لا يوقعه نخبة مسلحة ثم تفرضه على الشعب.
· سلاماً يعترف بالجرح ويسعى لمداواته، لا يتجاهله أو يمر عليه مرور الكرام.
· سلاماً يبني دولة المواطنة المتساوية، لا دولة الهيمنة والإقصاء.
· سلاماً يضع أسساً لتنمية حقيقية، لا يوزع مغانم على أمراء الحرب.
· سلاماً يحاسب مرتكبي الجرائم، لا يمنحهم صكوك غفران.
هذا هو التحدي الأكبر. وهذا هو الأمل الوحيد. فشل السلام في السودان لم يكن قدراً محتوماً، بل كان نتيجة خيارات خاطئة، وسياسات فاشلة، وهياكل ظالمة. يمكن تغيير كل ذلك إذا توفرت الإرادة والرؤية والقيادة الصادقة.
يبقى السؤال المفتوح: هل يمتلك السودانيون اليوم، بعد كل هذه المعاناة، القدرة على التعلم من دروس الماضي، وبناء سلام مختلف حقاً؟ الإجابة ليست في الكتب، بل في إرادة الأحياء، وفي تضحيات الشهداء، وفي صبر النازحين، وفي أحلام الأطفال الذين ولدوا في الحرب ولا يعرفون إلا صوت الرصاص.
لعل هذا البحث يكون مساهمة متواضعة في توثيق الدروس، وتفكيك الأخطاء، وتمهيد الطريق نحو سلام أكثر عدالة واستدامة. سلام يستحقه السودان، ويستحقه السودانيون، بعد كل هذه العقود من المعاناة والدماء.
—
المراجع
المراجع الأساسية (عربية وإنجليزية)
1. Johnson, Douglas H. (2016). The Root Causes of Sudan’s Civil Wars: Old Wars and New Wars (Expanded 3rd Edition). James Currey.
· مرجع أساسي لفهم جذور الصراعات السودانية، يقدم تحليلاً تاريخياً واجتماعياً عميقاً.
2. Collins, Robert O. (2008). A History of Modern Sudan. Cambridge University Press.
· تاريخ شامل للسودان الحديث من منظور أكاديمي رصين.
3. Spaulding, Jay, et al. (Eds.). (2010). Sudan’s Wars and Peace Agreements. Cambridge Scholars Publishing.
· تحليل متخصص لاتفاقيات السلام السودانية من باحثين متعددين.
4. Saeed, Sami Abdulhalim. (2024). Disarmament, Demobilization and Reintegration Initiatives in Sudan: A Brief Summary. International IDEA. Stockholm.
· تقرير حديث حول إشكالية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في السودان.
5. Berhe, Mulugeta G. (2025, February 6). “Sudan: Peace in Sudan – What It’s Going to Take”. AllAfrica.com / World Peace Foundation.
· تحليل حديث ومعمق لأسباب فشل جهود السلام في السودان.
6. International Crisis Group. (تقارير دورية). Reports on Sudan and South Sudan.
· تقارير ميدانية وتحليلات استراتيجية تصدر بانتظام.
7. African Union / IGAD. (2005). The Comprehensive Peace Agreement (CPA). Nairobi.
· نص اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) باللغة الإنجليزية.
8. Government of Sudan / Revolutionary Front. (2020). Juba Peace Agreement. Juba.
· نص اتفاقية جوبا للسلام.
9. الوثيقة الدستورية للسودان (أغسطس 2019). الخرطوم.
· النص الرسمي للوثيقة الدستورية التي حكمت الفترة الانتقالية.
مراجع إضافية معمقة
1. El-Battahani, Atta. (2018). “Sudan: The Political Economy of War and Peace”. In: Development, Change, and Conflict in the Contemporary Middle East.
· تحليل للعلاقة بين الاقتصاد السياسي والصراع في السودان.
2. Mahmoud, Fatima. (2022). Women and Peacebuilding in Sudan: From the Margins to the Center. FEMRITE.
· دراسة نادرة عن دور المرأة في بناء السلام في السودان.
3. Deng, Francis M. (2010). Sudan at the Brink: Self-Determination and National Unity. Fordham University Press.
· تحليل من أحد أبرز المفكرين الجنوبيين حول قضية الوحدة والانفصال.
4. Hassan, Ahmed. (2025). The 2023 Sudan War: Causes, Actors, and Regional Implications. Arab Center for Research and Policy Studies.
· دراسة حديثة حول الحرب الحالية وأبعادها الإقليمية.
5. الأمم المتحدة – بعثة اليونيتامس. (تقارير دورية). تقارير الأمين العام عن السودان.
· تقارير رسمية توثق التطورات السياسية والأمنية والإنسانية.
6. مشروع ذاكرة السودان. (أرشيف شفوي). شهادات من الحروب والسلام.
· أرشيف مهم لشهادات حية من ضحايا الحرب وصناع السلام.
7. Khalid, Mansour. (1990). The Government They Deserve: The Role of the Elite in Sudan’s Political Evolution. Kegan Paul International.
· تحليل نقدي لدور النخبة في الأزمة السودانية من وزير سابق وأكاديمي مرموق.
8. Woodward, Peter. (2013). Sudan After Nimeiri. Routledge.
· دراسة للفترة الانتقالية بعد نميري وأثرها على الصراع. للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en
التعليقات مغلقة.