OAAHD

المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنموية السودان – توثيق استراتيجية استهداف المدنيين عبر الغارات الجوية الفترة: يناير – مارس 2026 التاريخ: 12 مارس 2026

المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنموية

السودان – توثيق استراتيجية استهداف المدنيين عبر الغارات الجوية
الفترة: يناير – مارس 2026

التاريخ: 12 مارس 2026

ما وراء الغبار والدخان: استهداف الهوية والمكان

خلال الأسابيع العشرة الأولى من عام 2026، تحولت السماء فوق مساحات واسعة من دارفور وكردفان إلى مصدر دائم للتهديد والرعب بالنسبة للمدنيين. فمن خلال استخدام الطائرات المسيّرة والغارات الجوية، باتت مناطق مدنية مأهولة تتعرض لنمط متكرر من الهجمات. تشير المعطيات الميدانية، بما في ذلك شهادات شهود العيان التي وثقتها المنظمة، إلى أن هذه الهجمات لا تندرج في إطار العمليات العسكرية التقليدية بقدر ما تعكس سياسة منظمة لإيقاع أكبر قدر ممكن من الضرر بالمجتمعات المدنية. بل وتكشف عن بعد آخر أكثر عمقاً: استهداف هذه المجتمعات على أساس هويتها أو انتمائها الإثني أو حتى موقفها من التجنيد الإجباري والاستنفار.
هذا التقرير لا يكتفي برصد الحوادث؛ إنه يحاول تفكيك الاستراتيجية التي تقف وراءها، بالاستناد إلى شهادات ميدانية مباشرة، ومراجعة متقاطعة للمعلومات، وتوثيق أولي للضحايا بأسمائهم الكاملة.
تشير المعطيات إلى أن الهجمات الجوية التي نُفذت خلال هذه الفترة اتخذت طابعاً منهجياً في استهداف مواقع مدنية أساسية. لكن الوقائع الميدانية، التي أكدتها روايات الشهود، تكشف أيضاً أن هذا الاستهداف يتقاطع مع خطوط التماس الاجتماعي والانتماء القبلي، حيث تتعرض مجتمعات بأكملها للعقاب الجماعي إما لرفض أبنائها الاستجابة لنداءات الاستنفار مع الجيش، أو لانتماء بعض أفرادها إلى صفوف قوات الدعم السريع.
إن هذا النمط المتكرر من الاستهداف لا يعكس فقط تجاهلاً واضحاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني، بل يشير إلى استخدام القوة الجوية كوسيلة لفرض واقع قسري على المجتمعات المحلية من خلال بث الرعب وإجبار السكان على النزوح. وقد سبق لهذه المنظمة أن وثقت انتهاكات مماثلة في ولاية سنار، حيث استهدفت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها من قوات “البراء بن مالك” مدنيين عزل بحرق قراهم وقتل سكانها، في سياق ما يمكن وصفه بالتطهير الإثني الممنهج. ونفس هذه الحلقات تتكرر في دارفور وكردفان، لكن الوسيلة اختلفت: القصف من الجو بدلاً من الحرق على الأرض.
أولاً: هندسة الرعب – لماذا تُقصف الأسواق والمستشفيات؟
بين 25 يناير و11 مارس 2026، تكرر المشهد بإصرار لا يحتمل الصدفة. في شمال كردفان، في غربها، في شرق وجنوب دارفور. كل غارة تحمل بصمة واحدة: تعظيم الألم المدني. ليس ضرباً لتحقيق مكسب تكتيكي، بل نسفاً لأي حياة مدنية تحت مناطق سيطرة الطرف الآخر، وأيضاً رسالة موجهة لهويات بعينها.
تقول إحدى الشهادات الموثقة من غرب كردفان: “هذه الضربات ليست لتحرير المناطق، بل لنسف الحياة فيها. يريدون أن يقولوا للمدنيين: أي مكان تحت سيطرة الطرف الآخر هو مقبرة جماعية. لكنهم أيضاً يريدون قول شيء آخر: أي قبيلة لا تستنفر معنا، أو لها أبناء في الطرف الآخر، فهي هدف مشروع.”
هندسة الرعب هذه تتجلى في اختيار التوقيت بدقة. فقصف سوق أبو زعيمة في 25 يناير، وسوق “اتنين كيلو” في زالنجي في 13 فبراير، وسوق القمراء الليلي في أبو زبد في ليلة 11 مارس (ليلة 22 رمضان)، لم يكن عشوائياً. جاء في أوقات الذروة، في المواسم والأعياد، ليضمن الحصاد الأكبر من الأرواح. وكذلك هو الحال مع البنية التحتية للحياة: مستشفى الوالدين في المجلد قصف في 4 مارس، والمبنى البيطري في السنوط الذي لجأ إليه نازحون قصف في 16 فبراير. إنها رسالة واضحة: لا علاج، لا مأوى، لا ماء، لا حياة لمن ينتمي إلى الطرف الخطأ.

ثانياً: شريط الدم اليومي – من يناير إلى مارس

لم تكن هذه الغارات حوادث منعزلة، بل شكلت نمطاً تصاعدياً من الوحشية:
· يناير 2026 – تمهيد الطريق: في 25 يناير، قصفت مسيرة عسكرية سوق أبو زعيمة (شمال كردفان)، 5 قتلى و30 جريحاً. في 28 و29 يناير، استهدفت غارات طريق الطينة–فروك (شمال دارفور) ومنطقة الرويكيبة (كردفان)، مخلفة 23 قتيلاً مدنياً.
· فبراير 2026 – توسيع دائرة الاستهداف: في 13 فبراير، استهداف سوق “اتنين كيلو” بزالنجي (3 قتلى). في 16 فبراير، قصف مبنى بيطري في السنوط (غرب كردفان) كان يؤوي نازحين، ما أدى إلى سقوط 28 قتيلاً بينهم 12 طفلاً. في 17 فبراير، قصف مورد المياه الوحيد في قرية أم رسوم، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى.
· مارس 2026 – ذروة العنف واستهداف موسع: مع حلول مارس، دخلت الهجمات مرحلة أكثر دموية:
  · 4 مارس: هجمات متزامنة على المجلد والفولة (غرب كردفان) استهدفت مستشفى الوالدين وميدان الحرية. 70 قتيلاً.
  · 7 مارس: استهداف سوق أبو زبد المكتظ. 34 قتيلاً و63 جريحاً.
  · 8 مارس: يوم دامٍ شهد أربع مجازر منفصلة في سوق الضعين (شرق دارفور)، سوق مندري بجنوب كردفان، سوق موقف الجنينة بنيالا، ومنطقتي الزرق وغرير بشمال دارفور. أكثر من 106 قتلى.
  · 10 مارس: مذبحة الرواقة (استهداف عائلة واحدة).
  · 11 مارس: مجزرة سوق أبو زبد الليلي (20+ قتيلاً).

ثالثاً: مذبحة الرواقة (10 مارس 2026) – عندما يُستهدف النسيج الاجتماعي

في أكثر الحوادث تعبيراً عن انهيار القيم الإنسانية، وأكثرها دلالة على استهداف المجتمعات بعينها، قصفت طائرة مسيرة عربة نقل ريفية في منطقة الرواقة. لم تكن العربة تقل مقاتلين، بل كانت تقل أربعين فرداً من عائلة واحدة تنتمي إلى قبيلة الحوازمة، كانوا في طريقهم لتقديم واجب العزاء. في مشهد ساخر ومأساوي، كان الموت ينتظر المعزّين.
إن هوية الضحايا وعلاقات الدم التي تربطهم تكشف أن الاستهداف لم يكن عشوائياً. قبيلة الحوازمة، مثل غيرها من قبائل المنطقة، وجدت نفسها ممزقة بين موقفين: رفض الاستنفار مع الجيش السوداني، أو وجود أفراد فيها يقاتلون مع قوات الدعم السريع. الثمن كان جماعياً.
هذه قائمة القتلى التي تم التعرف عليها حتى اللحظة، بأسمائهم الكاملة، كوثيقة دم لا تقبل الجدل:
من عائلة المهدي: آدم بدوي المهدي موسى، المهدي بدوي المهدي موسى، بدوي المهدي بدوي المهدي، تقي المهدي بدوي المهدي، عمر ايدام بدوي المهدي، يوسف ايدام بدوي المهدي، أيوب ايدام بدوي المهدي، عبدالرحمن عمر ايدام بدوي، مهدي علي آدم بدوي، أحمد موسى محمد المهدي، عوضية جلاب المهدي موسى، عرفة ذكرى المهدي موسى، آمنة محمد المهدي موسى، فاطمة محمداني ذكرى المهدي، شهيرة محمداني ذكرى المهدي، محمد المهدي بدوي، زهراء بدوي المهدي موسى، بخيته بدوي المهدي موسى، الرقيمة بدوي المهدي موسى، زينب عريس ايدام موسى.
من عائلة جرمة: تميم طه جلال جرمة، ذكرى مصطفى طه جرمة، خديجة جلال موسى شاع الدين، عواطف جلال موسى جرمة، عجايب جلال موسى جرمة، عبدالله طه جلال.
من عائلة أبو حوه: كله حازم أبو حوه موسى، أرض الشام أبو حوه موسى، محمود محمد حازم، جمال محمد حازم، الحاج حازم، الحاجة كُلّة، أرض الشام.
أسماء أخرى من نفس المحيط العائلي: عوض يونس علي، الرسالة أحمد طه جمعة، زهراء حامد محمد، حلوم شفه شعيبو مركز، فاطمة محمد علي محمد، كله محمد عمر، عمر بابلوص.
الجرحى الناجون: أم سلمه محمد حازم، العازة المهدي حازم، خديجة محمد حسن ايدام، مروة محمد حسن ايدام، نغم محمداني ذكرى المهدي، أسماء المهدي البدوي المهدي، حنان احمد محمد المهدي، وتين حسن احمد طه.
يعمل فريق المنظمة على استكمال القائمة، حيث أن العديد من الجثث تفحمت بشكل يصعب التعرف عليه، وسط نقص في الإمكانات الطبية. هذا الهجوم لم يستهدف أفراداً، بل استهدف النسيج الاجتماعي نفسه، ليؤكد أن الانتماء إلى قبيلة “غير موالية” يمكن أن يعني حكماً بالإعدام.

رابعاً: الخلاصة والتحليل – نمط متكرر من سنار إلى كردفان

تحليل هذه الأحداث، التي تؤكدها شهادات العيان والأدلة الميدانية التي بحوزة المنظمة، يكشف عن استراتيجية واضحة المعالم من قبل القوات المسلحة السودانية وحلفائها:

1. إنهاك حكومة “تأسيس” المناطق المحررة: تعمل الخرطوم (بورتسودان) بصورة ممنهجة على إنهاك أي إدارة محلية ناشئة في المناطق الخارجة عن سيطرتها. باستهداف الأسواق والمستشفيات ومصادر المياه، يتم تدمير البنية التحتية للحياة المدنية، مما يحول دون قيام هذه الإدارات بتقديم الخدمات الأساسية للسكان، ويُظهرها بمظهر العاجزة عن حماية رعاياها أو توفير احتياجاتهم. هذا يخدم غرضين: نزع شرعية هذه الإدارات محلياً ودولياً، وكسب شرعية للطرف الآخر كـ “حامي” مفترض.
2. رسالة رادعة للمنظمات الإنسانية: إن قصف المستشفيات والمرافق الصحية والمناطق المأهولة يحمل رسالة واضحة وصارخة لمنظمات الإغاثة الدولية: “التواجد أو السفر إلى هذه المناطق لتقديم المساعدات هو أمر بالغ الخطورة، وقد تتعرضون للاستهداف”. هذه الاستراتيجية تهدف إلى عزل المدنيين تماماً، وحرمانهم من أي دعم خارجي، وتركهم رهينة للحصار والجوع والمرض، مما يسرّع وتيرة تهجيرهم القسري.
3. التطهير الإثني والتهجير القسري: إن استهداف مجتمعات بأكملها على أساس هويتها في منظقة (الورقة ) أو تدمير مصادر المياه (كما في أم رسوم) هو شكل من أشكال العقاب الجماعي الذي يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية. هذا النمط المتكرر، الذي يضغط على المدنيين لترك مناطقهم الأصلية، يتوازى تماماً مع ما وثقته المنظمة سابقاً في سنار، حيث تم استخدام الحرق والتدمير الممنهج للقرى. الهدف النهائي واحد: تغيير التركيبة الديموغرافية لهذه المناطق عبر التهجير القسري.
إن الأفعال الموثقة في هذا التقرير، والمؤكدة بشهادات العيان، تشكل أدلة دامغة على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفقاً لنظام روما الأساسي. والصمت الدولي على هذه الجرائم لم يعد مقبولاً؛ فهو لا يشجع فقط على استمرارها، بل يجعل المجتمع الدولي شريكاً في الدماء التي تسيل يومياً في أسواق دارفور وكردفان.

الدعوة للتحرك

بناءً على ما تقدم، تجدد المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية دعوتها العاجلة إلى:
· مجلس الأمن الدولي: تبني قرار تحت الفصل السابع لإحالة الوضع في السودان بكامله إلى المحكمة الجنائية الدولية، وفرض حظر طيران فوري وقابل للإنفاذ على كامل الأراضي السودانية لحماية المدنيين من وحشية القصف الجوي.
· المحكمة الجنائية الدولية: فتح تحقيق موسع في الجرائم الجارية، والتركيز على مسؤولية قادة سلاح الجو السوداني وقوات “البراء بن مالك” وغيرهم من الأطراف المتورطة في استهداف المدنيين على أساس إثني.
· الاتحاد الأفريقي: الضغط على مجلس الأمن لاتخاذ إجراءات فورية، والمشاركة في آليات حماية المدنيين.
· منظمات العون الإنساني: توثيق هذه الانتهاكات والضغط لفتح ممرات آمنة تضمن وصول المساعدات دون استهداف.
· الرأي العام الدولي: كسر حاجز الصمت والضغط لإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.

التاريخ يسجل، والضحايا بأسمائهم وأعمارهم وعلاقات دمهم ينتظرون عدالة قد لا تأتي. السؤال الذي يبقى معلقاً في سماء السودان: كم من المذابح يلزم لتحريك الضمير العالمي؟
للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en

التعليقات مغلقة.