OAAHD

المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية انهيار الثقة: عندما تصبح المحكمة الجنائية الدولية موضع مساءلة من داخلها 29 مايو 2026

المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية

انهيار الثقة: عندما تصبح المحكمة الجنائية الدولية موضع مساءلة من داخلها

29 مايو 2026

ترى المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية أن ليست الأزمة الأشد خطراً في المؤسسات القضائية هي أن تُوجَّه إليها انتقادات من الخارج، بل أن تبدأ شرعيتها في التآكل من الداخل. ذلك أن القضاء، بخلاف السلطة السياسية أو العسكرية، لا يستند إلى فائض من القوة المادية، وإنما إلى ما هو أكثر هشاشة وأعظم قيمة: الثقة. والثقة في المؤسسات العدلية ليست فضيلة أخلاقية إضافية، ولا زينة رمزية تُعلَّق على واجهة المنصب، بل هي شرط وجوده. فإذا انهارت الثقة، لم يبق من المنصب سوى اسمه، ولم يبق من العدالة سوى هيكلها الفارغ.

من هذا المنظور، تكتسب الرسالة التي تلقتها الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH) في شهر مايو من عام 2025 أهمية استثنائية. هذه الرسالة، التي كُتبت بتوقيع “عدد معتبر من موظفي مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية”، أرسلها أولئك الموظفون بصورة مجهولة الهوية، معلنين أنهم يمثلون أقساماً مختلفة ومستويات متفاوتة من الأقدمية الوظيفية، وأنهم يخشون التحدث علناً بسبب الخوف من الانتقام. وكان المرسل إليهم هو الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، تلك المنظمة غير الحكومية الدولية المرموقة، بهدف إيصال صوت هؤلاء الموظفين إلى الرأي العام والمجتمع الدولي، بعد أن شعروا بأن القنوات الداخلية للمحكمة لم تعد آمنة ولا فعالة.

لا تتعلق هذه الرسالة بشخص يشغل منصباً رفيعاً فحسب، بل تكشف – إن صح مضمونها – عن أزمة مشروعية داخل أعلى جهاز اتهام في النظام الجنائي الدولي. ولسنا هنا أمام خلاف إداري عابر أو توتر مؤسسي يمكن احتواؤه بعبارات العلاقات العامة، بل أمام سؤال أشد عمقاً وخطورة: كيف لمؤسسة تدَّعي تمثيل الضمير القانوني للعالم أن تطلب من الآخرين الخضوع للمساءلة، بينما تتعثر في مساءلة رأس الادعاء داخلها؟ فالمدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية ليس موظفاً عادياً، ولا مدير إدارة، ولا حتى مجرد قانوني رفيع المستوى. إنه صاحب السلطة الاتهامية العليا في أكثر المؤسسات الجنائية الدولية ادعاءً للشرعية الأخلاقية. هو الذي يطلب من الضحايا أن يثقوا في المحكمة، ومن الشهود أن يخاطروا، ومن الدول أن تتعاون، ومن العالم أن يصدق أن القانون ما زال قادراً على مواجهة القوة. فإذا تصدعت الثقة في هذا الموقع بالذات، فإن الضرر لا يقف عند حدود الشخص، بل يمتد إلى المعنى المؤسسي لفكرة العدالة الدولية نفسها.

إن أخطر ما في الرسالة ليس فقط ما تنسبه إلى المدعي العام من سلوك، بل البنية القانونية التي تكشفها. فهي لا تدور حول مجرد مزاعم اجتماعية أو أخلاقية عامة، بل تشير إلى ما قيل إنه تقرير صادر عن مكتب خدمات الرقابة الداخلية للأمم المتحدة (OIOS)، وهو جهاز تحقيق رقابي مستقل، خلص – وفق ما تداوله النقاش العام والتقارير الحديثة – إلى وجود أساس واقعي لادعاءات تتعلق باتصال جنسي غير رضائي مع موظفة تعمل في مكتبه، وإلى معطيات تدعم أيضاً شبهات انتقام من اثنين من الموظفين اللذين أبلغا عن تلك الادعاءات. وفي الوقت ذاته، فإن لجنة من الخبراء القضائيين قامت بمراجعة التقرير – بحسب ما نُقل – ورأت أن هذه المواد لا ترقى إلى معيار الإثبات الجنائي الصارم “بما لا يدع مجالاً للشك المعقول”، وهو المعيار المعتمد للإدانة الجنائية. هذا الفارق، الذي قد يبدو للبعض مخرجاً مريحاً، هو في الحقيقة جوهر الأزمة لا طريق النجاة منها.

ذلك أن كثيرين يقعون في خطأ قانوني فادح حين يظنون أن عدم كفاية الأدلة للإدانة الجنائية يعني بالضرورة انتفاء المسؤولية المؤسسية أو الأخلاقية أو القيادية. وهذا غير صحيح. فالقانون نفسه يفرق بين المسؤولية الجنائية التي تقتضي أقصى درجات اليقين الممكن، وبين المسؤولية الوظيفية والتأديبية التي يكفي فيها ثبوت سلوك يهدم الثقة، أو ينتهك واجبات المنصب، أو يكشف عدم الأهلية للاستمرار في القيادة. بل إن هذا التفريق يزداد أهمية كلما ارتفع المنصب. فليس المطلوب من شاغل المنصب الادعائي الأعلى أن يكون فقط “غير مدان”، بل أن يكون أهلاً للثقة، سليماً في استعمال السلطة، قادراً على تمثيل العدالة دون شبهة هيمنة أو انتقام أو إساءة نفوذ. العلاقة الجنسية في بيئة التبعية الوظيفية ليست واقعة تُفهم قانوناً بالمنطق الاجتماعي السطحي للقبول والرفض، ففي سياق الهرمية المؤسسية، لا يكفي أن يُقال إن الطرف الآخر “لم يرفض صراحة”. لأن القانون المؤسسي الحديث، وقواعد العمل الدولية، ومدونات السلوك في المنظمات الدولية، كلها تنطلق من مبدأ أن اختلال ميزان القوة قد يفسد معنى الرضا ذاته. فحين يكون أحد الطرفين هو رأس السلطة الاتهامية في المؤسسة، والآخر موظفة خاضعة – مباشرة أو ضمناً – لسلطته المهنية، فإن الحديث عن “الرضا” لا يمكن فصله عن بنية القوة التي تحيط به. ذلك أن الخوف من الإقصاء، أو فقدان الفرص، أو التهميش، أو الانتقام الوظيفي، قد يجعل من “القبول الظاهري” أمراً لا يرقى إلى الرضا الحر في معناه المؤسسي الحقيقي.

لهذا، فإن القضية – إذا صحت عناصرها – ليست شأناً شخصياً كما يحاول بعض المدافعين عن النفوذ دائماً أن يصوّروا المسألة، بل هي شبهة استغلال سلطة في أكثر صورها حساسية، وهي أشد خطورة حين تصدر عن شخص يفترض به، بحكم موقعه، أن يكون الأكثر حساسية تجاه معنى الإكراه البنيوي، والهيمنة، والقدرة غير المتكافئة على التأثير. فمن غير المقبول قانوناً وأخلاقياً أن يطالب العالم بفهم الاستغلال في مناطق النزاع، ثم يُطلب من المؤسسة نفسها أن تُغمض عينيها عن فهم الاستغلال داخل مكاتبها. غير أن المسألة لا تقف عند هذا الحد، لأن الانتقام من المبلّغين – إن ثبت – قد يكون في حقيقته أخطر من الفعل الأصلي نفسه. ذلك أن المؤسسات لا تنهار فقط بسبب الانتهاك، بل بسبب معاقبة من يحاولون كشفه. وحماية المبلّغين ليست تفصيلاً إدارياً ولا بنداً بيروقراطياً في كتيبات الموارد البشرية، بل هي من أهم ضمانات النزاهة الحديثة في المؤسسات العامة والدولية. فالمبلِّغ، في الفلسفة القانونية المعاصرة، ليس خصماً للمؤسسة، بل أحد آخر خطوط دفاعها عن نفسها. وإذا تحول كشف الانتهاك إلى مخاطرة مهنية أو إلى ثمن شخصي باهظ، فإن الرسالة التي تُزرع في وعي الجميع تصبح واضحة: البقاء للأكثر صمتاً. ولذلك، فإن مجرد اضطرار موظفين داخل مكتب المدعي العام إلى التعبير عن مخاوفهم في صيغة تُخفي هوياتهم ليس تفصيلاً عارضاً، بل قرينة مؤسسية مقلقة على أن الخوف صار جزءاً من بيئة العمل. والمؤسسة القضائية التي يدخلها الخوف لا تبقى محايدة مهما رفعت من شعارات، لأن العدالة لا تعمل في مناخ يخشى فيه الموظف قول الحقيقة عن رئيسه.

لفهم حجم الكارثة، لا بد من العودة إلى سوابق المحكمة الجنائية الدولية نفسها، ليس كفضول أكاديمي بل كضرورة تحليلية. ففي قضية توماس لوبانغا، وهي أول محاكمة في تاريخ المحكمة، لم يكن الخطر الأكبر على القضية نابعاً من ضعف الأدلة ضد المتهم، بل من سلوك مكتب الادعاء نفسه. ففي يوليو عام 2010، أوقفت الدائرة الابتدائية الإجراءات واعتبرت أن المحاكمة العادلة لم تعد ممكنة بسبب عدم امتثال النيابة لأوامر المحكمة المتعلقة بالكشف الدفاعي، ولا سيما ما يتصل بوسيط محلي ساعد في جمع الشهادات. رأت المحكمة أن العدالة لا يمكن أن تستمر إذا لم تحترم النيابة الأوامر القضائية وحقوق الدفاع، لأن نزاهة الإجراء مقدمة على رغبة الإدانة. هذه السابقة ليست متطابقة في الوقائع مع الأزمة الحالية، لكنها متطابقة في القاعدة: إذا كان مجرد إخفاء هوية وسيط – وهو إجراء إداري يمكن فهمه – يمكن أن يوقف محاكمة مجرم حرب، فكيف بموقف يكون فيه رئيس النيابة العامة نفسه متورطاً في استغلال جنسي للسلطة والانتقام من المبلغين؟ المنطق القانوني واحد: سلوك النيابة العامة يهم، بل هو جوهر العدالة. إذا لم يلتزم المدعي العام بالقوانين والأخلاق داخل مكتبه، فكيف يمكن لأي قاضٍ في العالم أن يثق في أنه سيحترم القانون في قضايا العالم الكبرى؟

وتتضاعف قوة هذا السؤال حين ننتقل إلى قضية جان بيير بيمبا وما ارتبط بها من تطبيقات المادة 70 من نظام روما الأساسي، وهي المادة الخاصة بالجرائم الماسة بإدارة العدالة. فهذه المادة لا تعاقب فقط على الجرائم الدولية الأصلية، بل تجرّم أيضاً ما يفسد الطريق إلى الحقيقة: الشهادة الزور، وتقديم الأدلة الكاذبة، والتأثير الفاسد على الشهود، والانتقام من موظفي المحكمة أو التدخل في سير العدالة. شددت المحكمة، في قضايا المادة 70، على أن العبث بالشهود أو التأثير عليهم أو تلويث شروط الشهادة ليس هامشاً إجرائياً، بل اعتداء على قلب العدالة نفسها. في قضية بيمبا، تمت إدانة نائب الرئيس السابق للكونغو بالسجن لمدة عام إضافي وغرامة مالية كبيرة لأنه دفع أموالاً لأربعة عشر شاهداً لتقديم شهادة كاذبة. قال القاضي إن أي نظام قانوني في العالم لا يمكنه قبول رشوة الشهود، وأن هذا الحكم يرسل رسالة بأن المحكمة لن تسمح لأي شخص، مهما كان منصبه، بتدمير إجراءاتها. هنا تظهر المفارقة الأخلاقية والقانونية بوضوح لا يقبل التخفيف: إذا كانت المحكمة قد اعتبرت التأثير على الشهود أو العبث ببيئة الحقيقة جريمة تمس إدارة العدالة، فكيف يمكنها أن تتعامل بتساهل مع مزاعم الانتقام من مبلّغين داخل مكتب الادعاء؟ فالمبلِّغ داخل مؤسسة قضائية يؤدي، من الناحية الوظيفية، دوراً لا يختلف في جوهره عن دور الشاهد في حماية الحقيقة المؤسسية. إسكات هذا الصوت، أو معاقبته، أو ترهيبه، لا يمكن اختزاله في عبارة “توتر إداري”، لأنه – إذا ثبت – تخريب داخلي لشروط العدالة نفسها.

إن ما يطلبه الموظفون – وفق ما يُفهم من مضمون رسالتهم – ليس حكماً جنائياً ولا إعداماً مؤسسياً خارج القانون. هم يطلبون ما هو أبسط وأعمق في آن واحد: استعادة معنى الثقة. وهذا المطلب، في حقيقته، أكثر صرامة من أي مطالبة شعبوية، لأنه يضع الإصبع على الجرح الحقيقي: الأزمة ليست فقط في إثبات الفعل، بل في انهيار أهلية القيادة. هم يقولون، بوضوح مفهوم قانوناً، إن المعايير التي تُدار بها المساءلة الجنائية ليست هي ذاتها المعايير التي يُقاس بها من يصلح لقيادة مكتب ادعاء دولي. وهذه نقطة لا يجوز التلاعب بها، لأن مناصب العدالة العليا لا تُحمى بالحد الأدنى من البراءة، بل تُصان بالحد الأعلى من الثقة. وهذا هو بالضبط ما تعكسه المادة 46 من نظام روما الأساسي، التي لا تُصاغ بوصفها نصاً للعقاب الجنائي، بل كآلية لحماية سلامة المنصب عندما يقع إخلال جسيم بالواجبات أو عندما يصبح المسؤول غير صالح للاستمرار في أداء مهامه على نحو يحفظ مقتضيات الوظيفة. العزل، في هذا السياق، ليس عقوبة جنائية بالضرورة، بل إجراء مؤسسي لحماية المحكمة من استمرار تآكل الشرعية. فالمنصب لا يُصان بحماية شاغله من التبعات، بل بصيانته من أن يصبح عبئاً على المؤسسة.

وهنا تبرز المسؤولية المباشرة لجمعية الدول الأطراف، بوصفها الجهة التي لا تملك ترف التعامل مع المسألة بمنطق الإرجاء السياسي أو الموازنة الدبلوماسية. فالمحكمة الجنائية الدولية ليست شركة متعددة الجنسيات يمكنها تأجيل أزمة القيادة إلى حين تحسن المزاج العام. نحن أمام مؤسسة عدلية دولية، وأمام منصب يُفترض فيه أن يكون مصدر طمأنينة أخلاقية وقانونية. وإذا كانت المعطيات القائمة – كما تعكسها الرسائل والتقارير والتطورات الأخيرة – تكشف عن تصدع خطير في هذه الطمأنينة، فإن السؤال القانوني لا ينبغي أن يكون: كيف نُبقي الأزمة تحت السيطرة؟ بل: كيف نحمي المنصب والمؤسسة من استمرار الضرر؟ وقد أفادت تقارير حديثة بأن عدداً من الدول الأعضاء مضى بالفعل في إجراءات تأديبية ضد المدعي العام، رغم أن مراجعة قضائية سابقة لم تعتبر الأدلة كافية لبلوغ معيار الإدانة الجنائية، وهو ما يعكس فهماً صحيحاً – ولو متأخراً – للفارق بين المسؤولية الجنائية والأهلية المؤسسية. من الناحية القانونية البحتة، لا يجوز كذلك خلط “السلوك الأصلي” بملف “الانتقام” وكأنهما شيء واحد. فالقاعدة الأصح هي فصل ملف الانتقام في تحقيق مستقل تماماً، لأن الانتقام من المبلّغين – إذا ثبت – قد يشكل في ذاته وصفاً قانونياً مستقلاً بموجب المادة 70، وقد يكون أخطر مؤسسياً من الواقعة الأصلية. إذ قد يختلف الناس في تفسير سلوك ما أو في تقييم أدلته، لكن محاولة إسكات من كشفوه تمثل في كل الأحوال عدواناً على سلامة آلية المحاسبة ذاتها.

كل ذلك يقودنا إلى الحقيقة التي يحاول كثيرون القفز فوقها: المحكمة الجنائية الدولية لا تواجه هنا فقط أزمة شخص، بل أزمة بنية. أزمة تكشف أن السؤال القديم: “من يراقب المراقِب؟” لم يُجب عنه بما يكفي داخل المؤسسة. فوجود جهاز تحقيق أو تقرير رقابي لا يكفي إذا لم تكن هناك سلسلة مساءلة فعالة وملزمة. والتحقيق الذي لا ينتج أثراً مؤسسياً مناسباً قد يتحول من أداة للعدالة إلى أداة لتبريد الأزمة. وهذا، في المؤسسات القضائية، أخطر من غياب التحقيق نفسه، لأنه يوهم بوجود المساءلة بينما يفرغها من مضمونها. لهذا فإن القضية، مهما انتهت من الناحية الإجرائية، يجب أن تفتح الباب أمام إصلاح هيكلي جاد داخل المحكمة: حماية أكثر فعالية للمبلّغين، وقواعد أوضح للمساءلة تجاه كبار المسؤولين، وآليات تحقيق لا تُدار بمنطق الحرج السياسي، وضمانات تمنع أن يتحول المنصب الأعلى إلى حصانة واقعية غير مكتوبة.

لكن، قبل كل شيء، ينبغي ألا يضيع المعنى الأعمق للقضية وسط التفاصيل الفنية. فهذه ليست مجرد أزمة تخص موظفي لاهاي أو توازنات الدول الأعضاء. إنها، في جوهرها، أزمة تمس الضحايا أنفسهم. لأن الضحية التي لجأت إلى المحكمة، أو الشاهد الذي خاطر، أو الناجي الذي صدَّق أن العدالة الدولية ما زالت ممكنة، سيقرأ هذه الأزمة بطريقة واحدة بسيطة وقاسية: هل من يطلب مني الثقة يستحقها هو نفسه؟ وهذا هو السؤال الذي لا تستطيع المحكمة الإفلات منه بالبيانات أو المذكرات أو الإحالات الإجرائية. فالمؤسسات القضائية لا تنهار دفعة واحدة؛ إنها تتآكل حين تبدأ الفجوة بالاتساع بين ما تقوله عن العدالة وما تفعله عندما تختبر نفسها.

الخلاصة التي تفرض نفسها هنا لا تحتمل كثيراً من المجاملة: العدالة التي تعجز عن محاسبة نفسها تفقد تدريجياً حقها الأخلاقي في محاسبة الآخرين. وإذا كانت المحكمة الجنائية الدولية قد شُيِّدت أصلاً على وعد عالمي بعدم الإفلات من العقاب، فإن أكبر تهديد لهذا الوعد اليوم ليس فقط ما يفعله المتهمون خارجها، بل ما قد تعجز هي عن فعله داخلها. في تقدير المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية، فإن الإبقاء على أي قيادة تعيش هذا المستوى من الانهيار في الثقة، وشبهات إساءة استعمال السلطة، ومزاعم الانتقام من المبلّغين، لا يمثل فقط خطأً إدارياً أو خياراً سياسياً ضعيفاً، بل يشكل مجازفة مباشرة بشرعية المحكمة نفسها. والثقة، كما ينبغي أن نتذكر دائماً، ليست أمراً يمكن استعادته بالشعارات. في المؤسسات القضائية، الثقة إذا انكسرت لا تُرمم بالكلمات، بل بالمساءلة. لهذا، فإن أي مسار جاد لحماية المحكمة الجنائية الدولية اليوم لا يمكن أن يمر عبر التهوين أو التأجيل أو الاحتماء بالفروق الشكلية بين البراءة الجنائية والأهلية القيادية. بل يمر، حصراً، عبر الاعتراف بأن المشكلة حقيقية، وأن آثارها بنيوية، وأن معالجتها يجب أن تكون بمستوى خطورتها. فالمحكمة الجنائية الدولية لا تحتاج اليوم إلى إدارة أزمة. إنها تحتاج إلى إثبات أنها ما زالت تؤمن بما تطلب من العالم أن يؤمن به. للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en

التعليقات مغلقة.