OAAHD

الإسلاميون في السودان: الأيديولوجيا المحاربة أمام نداء السلام والشرعية

المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية


الإسلاميون في السودان: الأيديولوجيا المحاربة أمام نداء السلام والشرعية

12 يناير 2026

‎المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية هي منظمة مستقلة غير ربحية تُعنى بقضايا حقوق الإنسان، التحول الديمقراطي، وبناء السلام في إفريقيا، مع تركيز خاص على السودان ومنطقة القرن الإفريقي. تعمل المنظمة على إنتاج أوراق تحليلية ودراسات سياسات قائمة على البحث الميداني والمقاربة الحقوقية، وتسعى إلى دعم الأصوات المدنية، وتعزيز المساءلة، ومواجهة خطاب العنف والاستئثار بالسلطة، بما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.


1. المقدمة: تحالف غير مقدس ونهاية وهم الدولة الوطنية
تتخذ الحرب في السودان اليوم بعداً وجودياً لا يقتصر على الصراع على السلطة، بل أصبح معركة على هوية الدولة نفسها وهي تتهاوى. في قلب هذه الكارثة، يقف تحالف ثلاثي غير شرعي بين: 1) قيادة انقلابية عسكرية تحولت إلى مجموعة انتهازية من الضباط ذوي الثراء الفاحش، 2) تيار إسلامي متشدد يعمل كأيديولوجيا محاربة تبريرية، و3) أحزاب مدنية جامدة انتهازية تشبه الجيش في استئثاريتها. معاً، يشكلون محرك الحرب الرئيسي والعائق الأكبر أمام السلام. تُسلط هذه الورقة الضوء على هذا التحالف المعقد، مؤكدة أن الشرعية الضائعة تكمن في إرادة الشعب السوداني وقواه المدنية الحية، وليس في هذا المحور الفاسد.

2. تحليل أركان تحالف الحرب الثلاثي

2.1 الجيش السوداني: من مؤسسة وطنية إلى نادي انتهازي
لم يعد الجيش مؤسسة وطنية جامعة، بل تحولت قيادته العليا إلى نادي مغلق لمجموعة من الضباط الانتهازيين. استفاد هؤلاء من عقود من الهيمنة على الاقتصاد الموازي عبر مؤسسات “المؤسسة الاقتصادية” التابعة له، ليراكم كل منهم ثروة فاحشة. اليوم، لم تعد مصالح هؤلاء الضباط تتعلق بالدفاع عن الوطن، بل بالدفاع عن شبكة مصالحهم الاقتصادية والسياسية. فهم يرون في استمرار حالة الحرب ضمانة وجودية لبقائهم في السلطة وحماية لمكاسبهم، مما يجعلهم شركاء طبيعيين لأي قوة ترفع شعارات تبريرية للحرب، بغض النظر عن مضمونها الأيديولوجي.

2.2 الأحزاب المدنية الجامدة: الشريك الانتهازي في الانهيار
إلى جانب هذا الجيش المنكفئ على ذاته، تقف مجموعة من الأحزاب السياسية التقليدية التي تشبهه في الانتهازية والجمود. هذه الأحزاب، التي تعود جذورها إلى فترات ديمقراطية سابقة، تتصرف كـ”عصابات سياسية” أو “مكاتب عائلية” أكثر من كونها مؤسسات ديمقراطية. لطالما سعت للحصول على حصص في السلطة عبر المساومات مع العسكر، وقد رأت في التحالف مع قيادة الجيش الحالية فرصة للعودة إلى الواجهة واستعادة نفوذها بعد أن جرفتها ثورة ديسمبر 2018. دورها هو تقديم غطاء سياسي هش ومشروعية شكلية لعملية انقلابية، مما يفسد إمكانية بناء جبهة مدنية موحدة وفاعلة.

2.3 الإسلاميون: الأيديولوجيا المحاربة والوقود الفكري
في قلب هذا التحالف الوظيفي، وليس على هامشه، يقف تيار الإسلام السياسي. دوره يتجاوز كونه مجرد حليف؛ فهو يقدم “الأيديولوجيا المحاربة” التي تمنح للحرب غطاءً دينياً وتعبوياً. بينما يوفر العسكر القوة النارية، والأحزاب الانتهازية الغطاء السياسي، يزود الإسلاميون الرؤية التبريرية والمقاومة ضد “نداءات السلام” الدولية، التي يصورونها كتآمر على الدين والهوية. يعتبرون استمرار الصراع المنصة المثلى لإعادة التمكين الشامل، مستغلين الفوضى لفرض رؤيتهم من جديد، متجاهلين الثمن الذي تدفعه قاعدتهم الشعبية.

3. الإسلاميون: بين أيديولوجيا النخبة ومعاناة القاعدة

3.1 التمكين التاريخي والتحالف مع العسكر
يمتد تمكين الحركة الإسلامية في السودان عبر تاريخ طويل، وبلغ ذروته مع انقلاب 1989. لم يكن نظام “الإنقاذ” مجرد حكم سياسي، بل كان مشروعاً لـ “تفكيك وإعادة تأسيس” مؤسسات الدولة (بما فيها الجيش) وفق الولاء الأيديولوجي. بعد الإطاحة بالبشير في 2019، بدا المشروع في تراجع، لكن انقلاب أكتوبر 2021 أعطاهم فرصة تاريخية. لقد وجد العسكر المنعزلون في الإسلاميين الظهر الأيديولوجي والدعائي الذي افتقروا إليه، بينما وجد الإسلاميون في الجيش الدرع الحديدي الذي يحميهم من الإقصاء النهائي. تجسد هذا التحالف في تشكيل “التيار الإسلامي العريض” (أبريل 2022)، الذي وحد الفصائل تحت شعار مواجهة “المشروع الثقافي المعادي” لقوى الثورة.

3.2 إخفاق المشروع وصوت القاعدة المنسي
تكمن المأساة في أن القاعدة الشعبية العريضة للمجتمع المسلم السوداني، المتسم تقليدياً بتدين تسامحي (صوفي في غالبه)، هي الضحية الكبرى. لقد كشفت ثلاثة عقود من حكم “الإنقاذ” عن إخفاق مدوٍ: تدهور اقتصادي، وحروب أهلية، وتفكك اجتماعي تحت شعارات “الدولة الإسلامية”. اليوم، هذه القاعدة عالقة بين خطاب أيديولوجي محارب ترفعه النخبة، وبين واقع جحيم المعاناة اليومية. نداءات السلام الحقيقية والصامتة تخرج من قلب هذه القاعدة – من النازحين في المخيمات، والأمهات في الأحياء المدمرة – لكنها تُختطف أو تُخمد باسم حرب مقدسة لا يخوض غمارها من يرفع شعاراتها.

4. مظاهر التحالف وهياكل إدامة الحرب

يتجلى هذا التحالف في هياكل ملموسة تُديم الصراع:

· الإدارة والتمكين: عودة كوادر نظام البشير إلى مناصب سيادية وإدارية عليا في ظل حكومة بورتسودان.
· اقتصاد الحرب المشترك: تداخل شبكة التمويل الإسلامية الموازية (المستهدفة بعقوبات، كمثال عبد الباسط حمزة) مع شبكة المصالح الاقتصادية للضباط الكبار، مما يخلق تحالفاً اقتصادياً راسخاً له مصلحة في استمرار الفوضى.
· الأدوات العسكرية العقائدية: الاعتماد على ميليشيات مثل “كتيبة البراء بن مالك” (المصنفة إرهابياً)، والتي تخلط بين الولاء للقيادة العسكرية والأجندة الجهادية.
· صنع القرار المشترك: تشدد مواقف حكومة بورتسودان ورفضها المتكرر للمبادرات الدولية (كجهود الرباعية والاتحاد الأفريقي) هو انعكاس مباشر للتأثير الحاسم لحلفائها الإسلاميين الذين يرفضون أي تسوية قد تقصيهم.



5. الخلاصة والتوصيات: استعادة الشرعية من القاعدة

مستقبل السودان لن يحدده تحالف الانتهازية هذا، بل بقدرة القوى الحية على استعادة المبادرة:

1. رفض شرعية الانتهازية: الشرعية الوحيدة المقبولة هي تلك المستمدة من الإرادة الشعبية التي أطاحت بالبشير، وليست المستمدة من برميل المدفع أو الصفقات تحت الطاولة. المجتمع الدولي مطالب بعدم منح أي شرعية لهذا التحالف الثلاثي.
2. استراتيجية لكسر التحالف: يجب أن تركز الضغوط الدولية والعقوبات على عزل كل مكون من مكونات هذا التحالف، عبر استهداف شبكاته المالية وقادته، سواء أكانوا عسكريين أو إسلاميين أو مدنيين انتهازيين. الهدف هو خلق فجوات بين هذه المكونات المتعارضة أصلاً في مصالحها طويلة المدى.
3. البناء من الأسفل: إسماع صوت القاعدة: يجب أن يرتكز أي مسار سلام مستقبلي على القوى المجتمعية الحقيقية – النقابات، لجان المقاومة، منظمات النساء والشباب، وشخصيات المجتمع المحلي – وليس على النخب الانتهازية في العاصمة. السلام الحقيقي هو الذي يستجيب لصرخات القاعدة الصامتة المنهكة، ويبني مشروعاً وطنياً جامعاً يتصدى لجذور الاستئثار بكافة أشكاله: العسكري والأيديولوجي والمدني الانتهازي.

السلام في السودان لن يولد من رحم التفاوض مع من يربحون من الدمار، بل من رحم إرادة شعب يرفض أن يكون وقوداً لحروب النخب.

‎قائمة المراجع (APA – نسخة مُبسَّطة للملاحظات)

1. International Crisis Group. (2024). Sudan’s catastrophic war: Imperfect peace initiatives and regional rivalries. Retrieved from International Crisis Group website.
2. Al Jazeera. (2024, April 15). السودان: نحو ألف يوم من الحرب… ما تداعياتها الدولية؟ Retrieved from Al Jazeera website.
3. Dabanga. (2024, July 7). الرباعية حول السودان ترفض صياغة المستقبل بناء على رغبة جماعات مرتبطة بالإخوان. Retrieved from Dabanga website.
4. Dabanga. (2024, April 7). تحليل: تحالف البرهان مع الإسلاميين يعطّل السعي للسلام في السودان. Retrieved from Dabanga website.
5. Dabanga. (2023, December 11). وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم والكتيبة 9 المشتركة ضمن عقوبات أمريكية جديدة. Retrieved from Dabanga website.
6. Al Monitor. (2024, May 21). استعانة الجيش السوداني بالكتائب الإسلامية يزيد الحرب ضراوة. Retrieved from Al Monitor website.
7. Dabanga. (2024, September 26). حزب المؤتمر الوطني السوداني يرفض الاعتذار عن تأسيس الدعم السريع. Retrieved from Dabanga website.
8. Dabanga. (2024, June 20). بيان لتحالف “تاسيس” السوداني: جيش الإخوان يقتل المدنيين العزل. Retrieved from Dabanga website.
9. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). (2024). Sudan: Humanitarian Needs and Response Overview 2024. Retrieved from ReliefWeb.
10. Al-Tahir, M. T. (2024). The Influence of the Muslim Brotherhood on Military Leadership in Sudan and Regional Stability. Journal of Asian and African Studies

المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en

التعليقات مغلقة.