التغيير كمسؤولية جماعية: من وعي الحقوق إلى بناء الدولة العادلة
في خضم الأزمات العميقة التي تمر بها المجتمعات، لا سيما تلك الخارجة من تاريخ طويل من الاستعمار والتهميش، يبرز سؤال مركزي: هل التغيير مسؤولية فردية أم جماعية؟ وهل الوعي بالحقوق هو الضمان الوحيد لاستمرارية أي مشروع وطني؟
قد يختلف الناس في فهمهم لمفهوم التغيير، لكن هناك شبه إجماع — أخلاقي وفلسفي وتاريخي — على أن التغيير مسؤولية جماعية تبدأ من الذات الفردية. وتكاد تكون هذه الحقيقة هي الخيط الذي يربط بين النصوص الدينية، والتجارب التاريخية، والرؤى الفلسفية. فالقرآن الكريم يقول: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، وهذه الآية ليست فقط موعظة روحية، بل قاعدة في التحول الاجتماعي والسياسي. وفي ظاهرة فرعون، نرى كيف أن الاستبداد لا يزدهر إلا حين “يستخف القوم”، فيطيعونه، وهو ما يفتح باب الفساد ويغلق أبواب النجاة.
في التجربة السودانية، نجد برهانًا حيًا على هذا الفشل المتكرر في بناء دولة حديثة. فمنذ الاستقلال، وعلى مدى أكثر من سبعة عقود، لم تفلح محاولات “التوافق الوطني” في ترسيخ مشروع الدولة العادلة. والثورات الشعبية، رغم قوتها الرمزية، انتهت إلى تسويات هشة، أعادت إنتاج الدولة العميقة بمظاهرها العسكرية والمدنية. وتُرك الشعب مرارًا وتكرارًا يواجه الخذلان، لأن النخبة السياسية تعيش ما بين الاستهبال السياسي المبني على مصالح حزبية وشخصية، وبين العنتريّة العسكرية التي لا ترى إلا القوة أداة للحكم.
في خضم هذا الإخفاق، ظهرت ظاهرة “الدعم السريع” كقوة عسكرية خارج معادلات الجيش التقليدي، تحمل مشروعًا مختلفًا، وهذا بسبب الفراغ الذي خلّفته الثورات غير المكتملة، والخذلان المتكرر من الأحزاب التقليدية. فهذه القوة باتت تمثل، عند بعض العاقلين، مشروعًا بديلاً للتغيير، خاصة بعد توقيع ميثاق نيروبي، الذي أقر بمبادئ العدالة والمواطنة المتساوية، وضرورة تفكيك مركزية الدولة التي كانت أداة للإقصاء والظلم منذ الاستقلال.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل يمكن لقائد أو قوة مهما بلغت نواياها أن تحقق التغيير دون وعي شعبي حقيقي؟ والإجابة واضحة: لا. فكل المشاريع السياسية، بلا وعي جماهيري راسخ بالحقوق، تبقى حبرًا على ورق. الوعي هو حجر الزاوية، وهو ما يفسر لماذا دائمًا ما تفشل مشاريع التغيير حين يُترك الدفاع عن الحقوق للنخب وحدها.
ولذلك فإن تمليك الرؤية — كميثاق نيروبي — لعامة الناس، إعلاميًا وشعبيًا، هو الخطوة الأهم في مسار التغيير. لأن ما ضاع حق وراءه مطالب، والمطالبة لا تكون فعالة إلا إذا آمن كل فرد بأنه مسؤول عن الدفاع عن حقه، لا بالوكالة، بل بالفعل المباشر، بالمعرفة والموقف والمشاركة.
في النهاية، التغيير لا يُنجز بالشعارات ولا بالقوة فقط، بل بوعي جمعي يدرك أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وأنّ الدولة العادلة لا تُبنى إلا حين يعرف الناس حقوقهم، ويمتلكون الإرادة للدفاع عنها، ويتحررون من الخوف والاستلاب.
إننا نعيش لحظة فارقة في تاريخ السودان، لحظة تستدعي منّا أن نُعيد تعريف أدوارنا ومسؤولياتنا، لا كمجرد متفرجين على مشهد التغيير، بل كفاعلين فيه. فكل فرد في هذا الوطن هو لبنة في جدار الدولة القادمة، وكل صوت واعٍ هو سهم في صدر الظلم.
لنُؤمن أن التغيير لا يحتاج معجزة، بل يحتاج إلى وعي، إلى شجاعة، وإلى إصرار على ألا نُورّث أبناءنا وطنًا مكسورًا. لنجعل من وعينا سلاحًا، ومن حقوقنا راية، ومن وحدتنا قوة تُرعب الطغاة وتُلهم الأجيال. فالأمل لا يموت ما دام هناك من يزرعه في قلوب الناس، وما دام فينا نبضٌ يرفض الاستسلام.
معًا، لا بالنيابة، نصنع وطنًا يُشبه أحلامنا. ومعًا، نكتب فصلاً جديدًا من العدالة والمساواة والانتماء.
التعليقات مغلقة.