OAAHD

قناتا الجزيرة والحدث… هل من حدثٍ أعظم من استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين؟

 

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لعب الإعلام دوراً محورياً في تشكيل صورة الصراع داخلياً وخارجياً. لكن المتابع الموضوعي لتغطية قناتي الجزيرة والحدث، يلحظ انحيازاً صارخاً لطرف دون آخر، يتجلى في طريقة تقديم الأخبار، وانتقاء الضيوف، وتغييب روايات موثقة عن انتهاكات مروعة ضد المدنيين.

لقد كانت كارثة مدينة ود مدني، على سبيل المثال، نموذجاً صارخاً لهذا التواطؤ الإعلامي. ففي ديسمبر 2023، شهدت المدينة أعنف حملات القصف الجوي التي نفذها الطيران الحربي السوداني، ما أدى إلى مقتل وإصابة المئات من المدنيين، بمن فيهم أطفال ونساء، وتدمير البنية التحتية والمستشفيات، مثل مستشفى الشعب ومجمع السلطان الطبي. ورغم حجم الفاجعة، تجاهلت قناتا الجزيرة والحدث هذه المأساة أو مرّتا عليها مروراً عابراً دون تحقيق ميداني أو حتى تضامن إنساني بسيط.

وفي مدينة الفاشر، وثّقت تقارير منظمات حقوقية دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” استخدام أسلحة يُشتبه بأنها كيميائية أو تحتوي على غازات محرّمة دولياً في بعض الهجمات على الأحياء السكنية ومخيمات النازحين، وخاصة مخيم أبوشوك، الذي شهد حالات اختناق جماعي في مارس 2024، حسب شهادات أطباء ميدانيين وناجين.

وهنا لا بد أن نطرح سؤالاً جوهرياً:
هل من حدث أعظم من استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين؟
إذا لم يُحرّك هذا الحدث الضمير الإعلامي، فما الذي يمكن أن يوقظه؟ وإذا لم يكن ذلك كافياً لتصدّر نشرات الأخبار، فعمّ يبحث الإعلام إذن؟ عن صور أكثر فظاعة؟ أم بيانات سياسية تُناسب الأجندة؟

وفي الوقت الذي كانت فيه تقارير مثل تلك الصادرة عن “شبكة السودان لحماية المدنيين” و*”لجنة أطباء السودان المركزية”* توثق حالات اغتصاب جماعي، وتجويع ممنهج، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، كانت تغطية الجزيرة والحدث تدور في فلك “الجيش يحرر” و”الدعم السريع ينهب”، دون مساءلة أو تحقيق.

أين كانت هذه القنوات حين حُرم آلاف الطلاب من أداء الامتحانات النهائية؟
أين هي من أزمة الوثائق الثبوتية التي تهدد ملايين السودانيين في دول اللجوء؟
ولماذا غابت تغطية مبادرات وقف الحرب وإحلال السلام، مثل “نداء الأمل” و”تحالف قوى السلام المدني”، التي رفعت صوتها وسط الركام؟

إن اختزال الصراع السوداني في سردية “الجيش الوطني” و”الميليشيا الخارجة عن القانون” دون تفكيك حقيقي للواقع، أو إنصاف للضحايا المدنيين، هو انحياز مشين يجرّد الإعلام من أخلاقه.

نعم، عندما يُستخدم السلاح الكيميائي ضد المدنيين ويُقابل ذلك بالصمت الإعلامي، فهذه خيانة لمهنة الصحافة. وعندما تُرتكب جرائم حرب موثقة، ويُستبدل الخبر ببيان عسكري، يصبح الإعلام شريكاً في الجريمة.

ختاماً، فإن الإعلام الحر ليس مناصراً لطرف، بل مناصراً للحقيقة. وفي السودان، لم تعد الحقيقة تُروى من شاشات الجزيرة أو الحدث، بل من أفواه الناجين، ومن صور الجثث تحت الأنقاض، ومن أصوات الأمهات الثكالى. ومن لا يسمع هؤلاء، فهو لا يسمع شيئاً على الإطلاق.

التعليقات مغلقة.