المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية
جلسة مجلس حقوق الإنسان الخاصة بشأن السودان: قراءة تحليلية في منهجية التعاطي الدولي
15 نوفمبر 2025
تأتي الجلسة الخاصة الثامنة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان بشأن حالة حقوق الإنسان في مدينة الفاشر في لحظة تتسم بتعقيد غير مسبوق في المسار السوداني، حيث تتقاطع الأبعاد السياسية والإنسانية والقانونية في مشهد تتنازعه الروايات المتعارضة وغياب المعلومات الميدانية الدقيقة. وفي ظل هذا التعقيد، برزت الحاجة إلى تقييمٍ هادئ ومنهجي لطريقة تناول المجتمع الدولي للأحداث، بما يكشف مواطن الخلل في عملية إنتاج المعرفة ويعيد الاعتبار لمعايير التقصي الموضوعي التي تشكّل جوهر عمل المجلس وآليات الأمم المتحدة.
لقد كان لافتاً خلال الأسابيع السابقة للجلسة، وتحديداً منذ دخول قوات الدعم السريع إلى مدينة الفاشر في 26 أكتوبر 2025، حجم التدفق السريع للمعلومات غير الممحّصة، وتضارب التقارير الإعلامية والسياسية، واعتماد عدد من المواد المتداولة على روايات أحادية أو مصادر محدودة لا تُبيّن مستوى التحقق الذي خضعت له. هذا المناخ خلق بيئة معرفية مرتبكة انعكست بوضوح على طبيعة النقاش داخل المجلس، وعلى منهجيات بعض الوفود في مقاربتها للوضع الميداني.
وفي الوقت الذي افتقرت فيه آليات الأمم المتحدة للوصول الميداني المباشر إلى المناطق المتضررة، اعتمدت عدة وفود على مصادر بديلة لا تخضع جميعها لمعايير الفحص الفني المتعارف عليها دولياً. فقد ورد استخدام صور أقمار صناعية دون سياق تفسيري واضح، إلى جانب الاستناد إلى معلومات صادرة عن جهات رسمية طرفٌ في النزاع، لاسيما حكومة بورتسودان، مما أدى عملياً إلى انزياح دور المجلس من التقييم المستقل إلى تلقي المعلومات دون القدرة على اختبارها أو مقارنتها بمصادر مقابِلة.
وقد تجسدت هذه الإشكالية في الإحاطة التي قدمها المفوض السامي لحقوق الإنسان، والتي تضمنت إشارات خطيرة إلى أنماط من القتل والعنف الجنسي والاستهداف الجماعي. وبرغم أهمية تسليط الضوء على المخاطر المحتملة، فإن عدم توضيح مستوى التحقق الذي خضعت له هذه المعلومات أوجد مساحة تداخل بين الادعاءات المبدئية والاستنتاجات شبه القطعية، وهو تداخل قد تكون له آثار بعيدة على نزاهة أي مسار مساءلة لاحق.
وخلال المداخلات الدولية، ظهر ميل لدى بعض دول الاتحاد الأوروبي لتقديم قراءات تركز حصراً على الانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، دون أن تُرفَق تلك الطروحات بأدلة ميدانية مستقلة أو منهجيات تحقق موضّحة. وفي الاتجاه المقابل، سعت حكومة بورتسودان إلى تثبيت خطاب يقدمها بوصفها الممثل “الشرعي” للدولة، متجنّبة التطرق إلى الانتهاكات الموثقة بحق القوات المسلحة والكتائب المتحالفة معها في عدد من أقاليم البلاد. وزادت حدة الاستقطاب حين قدّم ممثل السودان اتهامات مباشرة لدولة الإمارات دون وجود تحقيق دولي محايد يمكن اعتباره أساساً موضوعياً لهذه الادعاءات.
أما مكونات المجتمع المدني، فرغم ما قدمته من شهادات مهمة حول أنماط معينة من الانتهاكات، لا سيما العنف الجنسي، إلا أن واقع العمل في بيئات نزاع عالية الخطورة، والقيود الاجتماعية والأمنية المحيطة، يفرض النظر إلى هذه الإفادات باعتبارها مواد أولية تحتاج إلى مراجعة تعددية المصادر قبل اعتمادها أو الاستناد إليها في تقديرات رسمية.
ورغم احتواء القرار الصادر عن المجلس على خطوات إيجابية، مثل طلب تقرير عاجل من بعثة تقصي الحقائق وتحديد إطار زمني للتحديث، إلا أن القرار لم يتعامل مع الإشكالات البنيوية التي برزت خلال الجلسة. فلم يتضمن التزاماً واضحاً بمراجعة مصادر المعلومات، ولا ضمانات للحد من تضليل المعلومات أو توظيفها سياسياً، كما لم يتناول مسؤولية حكومة بورتسودان بوصفها طرفاً مباشراً في النزاع ومتهمة في تقارير متعددة بارتكاب انتهاكات خطيرة. وظل جوهر المشكلة قائماً: غياب الوصول الميداني، وهو شرط مركزي لا يمكن تجاوزه في أي عملية تحقيق ذات مصداقية.
إن المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية تؤكد أن ضمان نزاهة عمل مجلس حقوق الإنسان يقتضي اشتراط وصول آمن وكامل لآليات التحقيق الدولية والإقليمية إلى مناطق النزاع دون قيود أو تدخّل. كما تدعو المنظمة إلى إنشاء آلية فنية مستقلة داخل منظومة الأمم المتحدة تتولى المراجعة الأولية للمعلومات قبل اعتمادها، بما يشمل تحليل الصور الفضائية، وفحص المواد البصرية، ومراجعة الشهادات الميدانية وفق معايير موضوعية تمنع تحول المعلومات غير المؤكدة إلى وثائق رسمية.
وترى المنظمة أن مسار العدالة في السودان لا يمكن أن يستقيم بالاستناد إلى سرديات انتقائية أو مقاربات مجتزأة، بل يتطلب رؤية شاملة تُعنى بجميع الأطراف المسلحة دون استثناء، بما في ذلك القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والكتائب المتحالفة معهما. كما تشدد على ضرورة تحييد العمل الحقوقي الدولي عن الاستقطابات السياسية التي قد تقود إلى إدانة طرف أو إعفاء آخر دون مسوغ مهني كافٍ.
لقد برهنت الجلسة الخاصة حول الفاشر أنها ليست مجرد محطة إجرائية، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على إدارة نزاع شديد التعقيد، في بيئة مشبعة بالمعلومات المتعارضة والدعاية المضادة والضغوط السياسية. وتخلص المنظمة إلى أن حماية حقوق الضحايا وضمان العدالة يتطلبان قبل كل شيء بناء منظومة تحقق مستقلة وفاعلة قادرة على الوصول، وعلى إنتاج معرفة موثوقة تُعيد تشكيل الفهم الدولي للصراع استناداً إلى معايير مهنية وقانونية راسخة.
للتواصل: مع
المنظمة الافريقية الاوروبية للعمل الٳنساني والتنمية
البريد الٳكتروني: Email: oaahd11@gmail.com
وتساب:+33753936781
https://Oaahd.com
https://oaahd.org/en