الخاسرون حقًا… هم من خسروا إنسانيتهم قبل أن يخسروا وطنهم
في أوقات الحروب، تختبر الأمم ضمائر أبنائها، ويُفرز الصف الوطني بين من جعلوا الوطن أولوية، ومن جعلوه ورقة في لعبة المصالح. اليوم، يقف السودان جريحًا، لا لأن السلاح أقوى من السلام، بل لأن هناك من يدعم الحرب وهو يعلم تمامًا من أشعلها، ويصر على استمرارها وهو يدرك أنها تحرق كل شيء.
المؤلم حقًا، أن بعض من يتبنون هذا المسار لا يفعلون ذلك عن جهل، بل عن قناعة مغلوطة، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا. ولكن، كيف يُحسن من يدفع بوطنه نحو التمزق؟ وكيف يُحسن من يرى شعبه يتشرد ويتضور جوعًا، ثم يبرر ذلك تحت عناوين “الكرامة” أو “التحرير” أو “الشرعية”؟
الخسارة الحقيقية لا تبدأ بانهيار المدن، بل بانهيار القيم. من خسر بوصلته الأخلاقية، لن يعرف طريق الوطن، حتى لو حمل خرائطه في جيبه. ومن استساغ الدم، سيفقد القدرة على السمع لنداءات السلام، حتى لو صدحت بها السماء.
إن من يواصل دعم الحرب بعد أن رأى نتائجها الكارثية، لا يُلام فقط على موقف سياسي، بل على تقصير أخلاقي وإنساني فادح. وإن هان عليه الوطن، فهل بقي في قلبه متسع للإنسانية؟ هل بقي فيه ما يستحق أن يُسمّى “ضميرًا حيًا”؟
الوطن لا يحتاج إلى مزيد من البنادق، بل إلى مزيد من القلوب المؤمنة بالسلام. لا يحتاج إلى شعارات تقسمه، بل إلى عقول تحلمه واحدًا. فلتكن رسالتنا واضحة: لا شرف في حرب أهلية، ولا بطولة في تهجير الأبرياء، ولا نصر يُبنى على أنقاض وطن.
وإن غاب صوت العقل في ميدان السياسة، فلنُحيه نحن، عبر الكلمة والموقف والمبدأ. لأن من يخسر إنسانيته في زمن الحرب، هو الخاسر الأول… حتى لو ظن لوهلة أنه رابح.
الطيب الهادي